عام على حراك فبراير الجزائري: إنجازات وتحديات

الجزائر
عثمان لحياني
22 فبراير 2020
+ الخط -
لا تشبه جزائر ما قبل تاريخ 22 فبراير/ شباط 2019 جزائر ما بعده. سنة من الحراك الشعبي حقّق خلالها الجزائريون الكثير من المكاسب، أبرزها إحباط مشروع الولاية الرئاسية الخامسة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وتفكيك الكارتل المالي ومحاربة الفساد، والتصالح مع الشارع كفضاء للتعبير السياسي، وإنهاء حالة الاستقالة من المجال والفعل السياسي الذي كان الجزائريون قد غادروه قبل ثلاثة عقود بفعل الأزمة الأمنية التي بدا أيضاً أنّ الجزائريين تجاوزوا آثارها النفسية والمجتمعية. لكنّ الحراك لم يكن كافياً لتحقيق مكاسب سياسية أخرى، من قبيل تغيير جذري للنظام، وإطلاق مسار ديمقراطي توافقي، وتحرير كلي للعدالة والإعلام، إذ بدا أنّ تحقيق هذه الأمور أكثر تعقيداً، بسبب طبيعة النظام السياسي في الجزائر.

في لحظة فارقة من التاريخ، أنقذ الحراك الشعبي الجزائر من اغتيال ومقامرة قاتلة، ورمّم صورة البلد، وأعاده إلى حركة التاريخ وبنية الجغرافيا السياسية. في فترة وجيزة، نجح الحراك الشعبي في الإطاحة بنظام بوتفليقة، ومنعه من الاستمرار في الحكم، وطرد حكومته الأخيرة وعمد لافتكاك البلد مما صار يوصف لاحقاً بـ"العصابة". وسمح ضغط الشارع المتزايد على السلطة، في إطلاق مسار ملاحقة قضائية ضدّ الرموز السياسية والمالية لنظام بوتفليقة (بلغ عدد الوزراء السابقين القابعين في السجن 18)، وشرّع الباب أمام فتح ملفات كان مسكوتاً عنها، كنهب المال العام، وتورّط الجنرالات في الجيش والاستخبارات في قضايا فساد فاضحة، وتحرير الفضاء العام بعد ما يقارب الـ30 سنة، ظلّ فيها التظاهر محظوراً. كما توجه تركيز جلّ المكونات الجزائرية نحو المسألة الديمقراطية واستبعاد الجيش الذي ظلّ يدير البلد عبر واجهات مدنية منذ الاستقلال، إلى جانب اعتناق النضال السلمي كأداة مطلبية، ورفض العنف وتجنب المواجهة مع الشرطة والجيش، تلافياً للعودة إلى أزمة التسعينيات الدامية وكلفتها الباهظة سياسياً واقتصادياً ومجتمعياً. وكذا إحداث مصالحة مع التاريخ والعودة إلى الرموز الثورية، والبقاء ضمن محددات الموقف الجزائري الدائم والمتعلق برفض أي تدخل أجنبي في شؤون البلد، وإبقاء المعالجات السياسية محلية، ما منع طيلة سنة من التظاهرات توفير أي منفذ للأطراف الخارجية، ولا سيما الفرنسية، للتسلل والتدخّل في شؤون الجزائر المحلية.

وبحدّةٍ، يدافع العضو في "تنسيقية نشطاء الحراك" منصوري رضوان، عن مكاسب ومنجزات الحراك الشعبي في غضون سنة، ويعتبر أنّ ما حققه الحراك كحالة ثورية على صعيد إشاعة الوعي السياسي أمر في غاية الأهمية ويمكن أن يمثّل أساساً تتراكم عليه قدرة الجزائريين لناحية التمييز السياسي. ويقول رضوان، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "الحراك استطاع أن يعيد الشعب أو على الأقل فئة هامة منه، لتهتم بالشأن العام وتحاصر السلطة من كل الجهات، وذلك مقارنة بفترة ما قبل الحراك، إذ كنا نشهد تغريباً حقيقياً ومخيفاً للشعب، والحراك فتح وعي الجزائريين على قضايا عديدة، كما أنه فضح أساليب السلطة التي كانت تعتمد عليها، مثل الصراع الإيديولوجي".

وكان واضحاً أنّ الحراك أتاح تقارباً كبيراً بين مختلف المكونات السياسية والمجتمعية التي لم تكن تلتقي في ساحات النضال قبل ذلك بفعل تباين الخلفيات الإيديولوجية وعوامل التفرقة التي غذّاها النظام السياسي السابق، وهو ما برز من خلال احتواء الحراك لكافة التيارات السياسية؛ من إسلاميين وتقدميين ومحافظين ويساريين.

وفي هذا الإطار، يرى الكاتب في الشؤون السياسية، أحسن خلاص، أنّ الحراك "مثّل في الأساس حالة وعي جمعي خلاق ونشط وفاعل في الساحات، وأهم نجاحاته كانت أنه أعاد الشعب الجزائري بمختلف توجهاته السياسية إلى الفعل السياسي من بابه الواسع، كما أعاد الاعتبار للفضاء العام والشارع، وخصوصاً لناحية دورهما الاستعراضي والتعبيري عن المواطنة".

ويضيف خلاص، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "إلغاء العهدة الخامسة بحدّ ذاته ليس وحده المنجز، فلا شكّ أنّ هناك فرقاً بين ما قبل الحراك وما بعده، وهناك نقلة نوعية واضحة، ولكن أتحدث عن إلغاء الولاية الخامسة لبوتفليقة والانتصار بذلك لكرامة الجزائريين، والتأكيد على قدرة الشعب على إنجاز عمل جماعي بحدّ أدنى من الأهداف وباحترام قواعد التعبير الديمقراطية، وهو التظاهر السلمي في ولايات عدة، وبالنفس ذاته. فهذه كلها مكاسب معنوية، والأكبر منها أنّ الحراك استطاع أن يصمد على الرغم من الثورة المضادة الرهيبة التي قامت بها السلطة ضده، وسخرت لها إمكانيات الدولة السياسية والإعلامية، في مقابل إخفاقاتها في التواصل مع الشعب وتخبطها وخرقها لأدنى قواعد العمل السياسي".


ثورة سلمية من دون قائد

كان لافتاً في تجربة الحراك الشعبي في الجزائر أنّ الثورة الشعبية ظلّت لمدة سنة كاملة محافظةً على سلميّتها من دون أن تكون لها أطر تنظيمية أو ممثلون عنها أو قيادة سياسية، عدا رموز وناشطين يعبرون عن مطالب الحراك بشكل عام. وقد أخفقت كل محاولات التنظيم أو خلق أطر لتمثيل الحراك، وكان الشارع يرفض أي هيكلة.

ويلفت خلاص إلى أنه "يمكن ملاحظة المفارقة العجيبة بالنسبة لتنظيم الحراك، وهي أنّ السلطة كانت ترغب في البداية في تنظيمه ليسهل عليها التحكّم فيه، لكنها اليوم تقف ضدّ أي محاولات لتنظيم القوى الحقيقية الممثلة في الحراك، لأنّ نضج الأخير يجعله بمنأى عن أي محاولة تحكّم مستقبلاً. فالحراك صار اليوم يعرف ذويه جيداً، وكيف يميّز بين الأصيل والدخيل. والنظام كان قد قتل المؤسسات السياسية وخنق الشارع، لكن الحراك أنعش هذا الشارع وعزل المؤسسات الميتة".

وفي الغالب، يوجد توافق بين مكونات الحراك وناشطيه على إبقائه في حالة منتظم شعبي هلامي لا يمكن الإمساك به. غير أنّ الناشط رضوان منصوري، يرى أنّ المطلوب هو أمر آخر، مضيفاً: "الحراك ليس شرطاً أن يتهيكل ويعيّن ممثلين عنه، لأن السلطة ستحاول الاستفادة من تباين المواقف وتغذية خطاب الريبة من كل المبادرات والمبادرين، ولكن ما يتعيّن القيام به هو حوار حراك - حراك، لتقريب وجهات النظر بين كل الحراكيين، خصوصاً بشأن تصوّر الحلول، ووضع ميثاق سياسي، وصياغة وثيقة مرجعية للثورة الشعبية".

وعلى الرغم من سلّة المكاسب والمنجزات المحققة من قبل الحراك، فإنّ أستاذ العلوم السياسية، مولود ولد الصديق، يعتقد أنّ الهدف المركزي للحراك لم يتحقق بشكل كامل، وهو المتعلق بالتغيير الجذري للنظام السياسي، مرجعاً ذلك إلى "قوة السلطة وعجز الحراك عن تنظيم نفسه". ويوضح ولد الصديق هذا التفصيل، في حديث مع "العربي الجديد"، بالقول: "الحراك هو انبعاث نحو التحرّر من الخوف والفساد وحكم الفرد. وأكبر منجز تحقق هو التحرر من الخوف. وصحيح أنه في البداية نزل ضدّ الولاية الخامسة لبوتفليقة، لكن تسارع الأحداث جعل الجزائريين يتوقون إلى وضع خط نهائي للنظام القائم منذ الاستقلال، وهو ما لم يتحقّق، إذ استطاعت السلطة تجديد نفسها بأطر تقليدية، وتمكّنت من اختراق بعض مكونات الحراك واستمالتها".

ويشير إلى أنّ "الحراك كان يعاني من خلل هيكلي وعدم القدرة على تنظيم نفسه لتحقيق أهدافه القصوى والتفاوض من موقع قوة مع السلطة"، مضيفاً "لم يتحقق ذلك في حالتنا الجزائرية لأسباب عدة، بعضها متعلق بسلطة الظلّ، التي حاولت تشويه كل الشخصيات التي اقترحها الحراك لتمثيل نفسه، وكذلك لعدم دراية شباب الحراك أنّ التأطير والتمثيل أمر مهم من أجل التفاوض مع السلطة الفعلية لتحقيق مخرجات الثورة". لكن ولد الصديق يحذر في الوقت نفسه من أنّ "ثمة موجات أخرى ستكون أشدّ وأقوى، إذا ما استمرّ النظام الحاكم باعتماد الآليات نفسها في المرحلة المقبلة، خصوصاً في حال تعزّز الإحباط السياسي، بإخفاقات اجتماعية واقتصادية للسلطة السياسية الجديدة".

من جهته، يطرح الكاتب في الشؤون السياسية، لحسن حرمة، موقفاً تقديرياً مغايراً للحراك، ويعتقد أنّ الأخير "أساء في بعض المحطات تقدير شعاراته ومطالبه". ويقول حرمة في حديث مع "العربي الجديد"، إنه "لفهم الحراك الشعبي، يقتضي تفكيكه لتعريفه، فهو يحمل اتجاهات متعددة ومتناقضة؛ بعضها صادق، واع، وبعضها الآخر وصولي مصلحي، وهناك اتجاه ثالث من دون رأي". ويضيف "الحراك لم يتبلور ويصل لمطالب زمنية وأجندة يعبّر عنها أشخاص، وبعض المطالب تدهورت وأساءت عمداً للحراك باعتبار أنه كتل متمايزة". ويتابع أنّ تقييم سنة من الحراك "يدفع لتوجيه رؤية نقدية في اتجاهين؛ لسلطة تعتقد أنها فوق النقد لتراكمات سياسية تاريخية، ولحراك صار يواجه تهمة من أطراف داخله لاعتقاده أنه فوق النقد أيضاً، ويرجع كل ذلك لضعف الثقافة السياسية نتيجة غياب التنشئة السياسية وبيئة مشوهة سياسياً كذلك".


إخفاقات واستمرار

يلفت حرمة إلى أنّ "إخفاق الحراك الشعبي في تحقيق كبرى الغايات السياسية، مرتبط أيضاً بغياب أحزاب سياسية حقيقية تعبّر عن المطالب، لأنّ الحزب هو مدرسة سياسية لبلورة وتجميع وفرز المطالب في كل ديمقراطيات العالم". ويسود توافق في الجزائر على أنّ المعارضة السياسية أخفقت في عملية المرافقة الجادة للحراك، ولم تؤدِ دوراً كاملاً بوصفها قناة تنقل المطالب الشعبية للنظام، خصوصاً مع الانقسام في المواقف حيال أجندة النظام الاستعجالية، كانتخابات ديسمبر/ كانون الأول الماضي الرئاسية، وفشل مؤتمرات التوافق بين القوى المعارضة، ككتلة التغيير وكتلة البديل الديمقراطي، نتيجة دوافع ذاتية، فضلاً عن المشهد العام الذي خلّفته السياسات البوتفليقية التي قضت على كل شيء، بما في ذلك أداء وفاعلية المعارضة.

ويقود هذا إلى البحث عن مبررات استمرار الحراك الشعبي في البلاد، بعد سنة من التظاهرات الشعبية المستمرة وتحقيق بعض المطالب، وحتى بعد استتباب الأمر لسلطة سياسية جديدة ورئيس منتخب بحكم الأمر الواقع، بدأ يضع خطته للإصلاح السياسي موضع التنفيذ. ولكن يشعر الناشطون ومكونات الحراك الشعبي بأنّ المطالب التي تحققت غير كافية، وأنّ هناك الكثير من المبررات التي تفرض الاستمرار في الحراك والتظاهر، وعدم تضييع هذه الفرصة التاريخية التي أوجدت توافقاً وطنياً على ضرورة خلق حالة ديمقراطية وإنهاء نظام الحكم الريعي.

وفي السياق، يعتقد الكتاب والناشط السياسي، محمد إيوانوغان، أنّ "موجبات استمرار الحراك الشعبي تتمثّل في أنّ أهمّ المطالب لم تتحقق، وهي استرجاع السيادة للشعب، لأنه على الرغم من إسقاط العهدة الخامسة وخلخلة نسبية للنظام، لكنه ما زال قائماً، بحيث لم يتم تحرير الإعلام والقضاء بعد، ولأنّ من الواضح أنّ السلطة لا تريد حلّاً حقيقياً للأزمة التي تعيشها، وتراهن على عامل الزمن لوقف الحراك، وقد عملت على ذلك معتمدة على أساليب إعلامية، فيما لا وجود لنية لفتح حوار حقيقي يقود إلى مناقشة المسائل الأساسية التي تؤسس للديمقراطية".

ويضيف إيوانوغان، الذي شارك أخيراً في مؤتمر كتلة أحزاب البديل الديمقراطي، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "الحراك يجب أن يستمر لسببين؛ الأول أنه هو الذي يحمي الجزائر من الانزلاق نحو العنف، ولولا الحراك لأدخلتنا صراعات عصب السلطة في حرب أهلية منذ فترة. وفي حال توقف الحراك في المرحلة الحالية، فستكون الجزائر عرضة لمخاطر الانزلاق نحو الفوضى والعنف في أي لحظة. أما السبب الثاني، فهو أنّ الحراك الشعبي حقق مهمته الأولى وهي إسقاط العهدة الخامسة، فيما مهمته الثانية وهي إعادة رسم الخارطة السياسية تتطلب لتحقيقها وقتاً طويلاً".

قبل الحراكيين حتى، يقرّ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ببركات الحراك الشعبي، ويعد بالاستجابة التدريجية لكل مطالبه السياسية. وفي السياق، قال وزير الاتصال، المتحدث الرسمي باسم الحكومة، عمار بلحيمر، أخيراً: "الحراك يعدّ حركة شعبية مستقلة مباركة أنقذت الدولة الجزائرية من انهيار مُعلن، ويمكن أن يصبح نظاماً لليقظة ويسمح ببروز مجتمع مدني جديد". وتدرك السلطة في الجزائر أنها أمام واقع شعبي وسياسي جديد لا يمكن القفز فوقه، وأنّ التحوّل الحاصل في علاقة المجتمع بالفعل السياسي وعودة الجامعة إلى المناخات السياسية، سيضعان السلطة في حالة امتحان مستمرة أمام حراك شعبي لم يتخلّف عن الشارع منذ جمعة 22 فبراير 2019.

ذات صلة

الصورة
البرلمان الجزائري (العربي الجديد)

مجتمع

صادق نواب البرلمان الجزائري، أمس الثلاثاء، على قانون الوقاية من جرائم اختطاف الأشخاص، الذي يتضمّن تجريم عمليات خطف الأطفال والقصر واختطاف البالغين، وتشديد العقوبات الردعية التي تصل إلى حدّ الإعدام والمؤبد في حق المتورطين في عمليات الاختطاف.
الصورة
البرلمان الجزائري-العربي الجديد

سياسة

وجدت الكتل النيابية الموالية والمعارضة في الجزائر، في مناقشة قانون الموازنة الجديد، فرصة لمهاجمة سياسات الحكومة، وانتقاد إخفاقها في طرح حلول للأزمة الراهنة في البلاد، والمطالبة بإجراء تعديل وزاري عاجل، والطعن في المسار السياسي الذي تنتهجه السلطة.
الصورة
حرائق الجزائر (العربي الجديد)

مجتمع

بدأت موجة الحرائق الجديدة، التي اندلعت الليلة الماضية في الجزائر، تأخذ أبعاداً سياسية، بفعل شكوك متصاعدة حول وجود طرف ما ودوافع خلف اندلاعها في 11 ولاية، وفي وقت واحد. 
الصورة
إقامة صلاة الجمعة بالجزائر بعد انقطاع لأشهر مع تطبيق إجراءات الوقاية من كورونا (العربي الجديد)

مجتمع

أقام الجزائريون صلاة الجمعة للمرة الأولى منذ غلق المساجد وتعليق الصلاة قبل تسعة أشهر، منتصف مارس/آذار الماضي، وسط تدابير وترتيبات صحية ووقائية، تخوفاً من انتشار فيروس كورونا في ظل موجة ثانية من الوباء تشهدها الجزائر

المساهمون