طول ما الدم الصهيوني رخيص

19 نوفمبر 2014
+ الخط -

قبل أن تتكشف أية تفاصيل عن العملية الفدائية الجسورة لمقاومين فلسطينيين في القدس المحتلة، كان رئيس السلطة، محمود عباس، الأسرع في الإدانة والشجب والاستنكار، حتى بدا وكأن الرجل بصدد إقامة سرادق لتلقي العزاء في القتلى الصهاينة.
إنسانية محمود عباس الوارفة لا تندلع، بهذه السرعة وهذه الغزارة، إلا في المواقف التي تحمل نذر خطر على سلطته، لكنها تغيب كثيراً عندما يراق الدم العربي، في فلسطين وفي عواصم عربية أخرى.
ليس محمود عباس وحده الذي يتألم للدم الإسرائيلي، فهناك زعماء عرب، أظن أنهم يعكفون، الآن، على تدبيج عبارات الحزن والأسى والرثاء، على الرغم من أنهم كانوا يبتسمون ويضحكون ويأمرون بحفلات الطرب والرقص، بعد أن انتهوا من قتل آلاف من شعبهم.
في الرابع عشر من أغسطس/ آب 2013، نفذت السلطات المصرية أبشع عملية إرهابية بحق مواطنين مصريين في ميدان رابعة العدوية، ثم كررت المجزرة في مناطق أخرى، وكنا نتمنى لو أن إنسانية السيد عباس تحركت، وأعلنت عن نفسها في تلك المناسبات. غابت كما غابت في مجازر بشار الأسد في الغوطة ومناطق أخرى.
في مصر، كانوا يثرثرون، في الفترة الوجيزة التي حكم فيها محمد مرسي، بعبارة" طول ما الدم المصري رخيص، يسقط أي رئيس"، غير أن الأيام أثبتت كذب قائليها، وزيف المتاجرين بها، إذ صمتوا كالحملان، وهم يرون دماً مصرياً، يجري أنهاراً على يد سلطة الانقلاب.
الأمر بالنسبة لمحمود عباس يتخذ شكلاً آخر، إذ تكاد أفعال الرجل تهتف ضد إراقة دم المستعمرين الصهاينة فقط، وتلتزم الهدوء، إذا سال دم فلسطيني أو عربي.
هذه الازدواجية، أو قل العنصرية، في التعامل مع الدم ليست حكراً على حكام صُنعت كراسي سلطتهم في ورش إسرائيلية، بل وصلت إلى نخاع بعض النخب معطوبة الضمائر، فصارت، مثلاً، تعتبر إقدام من تختلف معهم على التظاهر عملاً مجرماً، بل وتصاب بالخرس، وهي تسمع وتقرأ تصريحات للشرطة المصرية، تؤكد فيها أنها ستتعامل مع الداعين إلى التظاهر بالرصاص الحي والأسلحة الثقيلة.
لقد سجلت هنا اختلافي مع الدعوة للتظاهر في مصر تحت شعار "ثورة الشباب المسلم"، ووصفت ذلك بأنه "جمرة خبيثة"، على اعتبار أن في هذا الشعار نسفاً لفكرة اصطفاف وطني باتت واجبة، غير أن رفض الشعار لا يعني مصادرة الحق في التظاهر والثورة، أو تخوين من يرفعه.
وتأتي ردود الأفعال المجنونة من السلطة استباقاً لهذه التظاهرات، لتزيد مساحة التعاطف مع حق من يحشدون لها، خصوصاً مع استدعاء مواقف الشرطة والجيش في مناسبات مماثلة، إذ لا تزال الذاكرة تحتفظ بتصريحات المؤسستين بشأن دعوات التظاهر ضد حكم الرئيس المنتخب.
ويدهشك أن المؤسسة الأمنية التي أعلنت رعايتها الشاملة لدعوات إسقاط رئيس منتخب ديمقراطياً، هي ذاتها التي تعتبر التظاهر، ضد سلطةٍ جاءت عبر انقلاب، عملاً عدائياً وخيانة للوطن.
ولتنشيط الذاكرة فقط، أنقل لكم ما نشر على مواقع عدة قبل الانقلاب، وعلى سبيل المثال، "أطلقت وزارة الداخلية رسائل طمأنة واحتواء مع بدء العد التنازلي لهذا اليوم المتوقع أن يكون حاشداً. وأكدت أن مهمتها تأمين المنشآت الحيوية، وأنها خارج المعادلة السياسية. كما شدد وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي على تلك المسألة، قائلا "تتقطع أيدينا قبل ما تتمد على أي مصري".
وتقرأ خبراً آخر يقول "وتعهدت القوات المسلحة بحماية المتظاهرين السلميين في إطار مسؤوليتها الوطنية تجاه شعبها بحماية المتظاهرين السلميين في جميع ميادين مصر"
إن الذين تفاخروا يوماً بصناعة الجحيم لا يحق لهم أن يطلبوا من الآخرين عدم اللعب بالنار.


 

وائل قنديل
وائل قنديل
صحافي وكاتب مصري، من أسرة "العربي الجديد". يعرّف بنفسه: مسافر زاده حلم ثورة 25 يناير، بحثاً عن مصر المخطوفة من التاريخ والجغرافيا