صَدَقَ أوباما هذه المرّة

صَدَقَ أوباما هذه المرّة

28 ديسمبر 2016
الصورة
+ الخط -
لوهلةٍ بدت موسكو، الأسبوع الماضي، وكأنها غدت عاصمة القرار العالمي، وصاحب القول الفصل في عديد من قضاياه، فقد تمكّنت من إخراج المعارضة السورية من حلب، وأجبرت طهران على ابتلاع تحفظاتها على اتفاق ثنائي عقدته مع تركيا بشأن المدينة، من دون أن يضيرها إدخال تعديلاتٍ اقترحتها إيران حفظاً لماء الوجه، وتمكّنت بعد ذلك من دفع الطرفين، التركي والإيراني، إلى تبني "إعلان موسكو" الذي يتضمن رؤيتها للحل في سورية، متجاهلةً بذلك الموقف الأميركي الذي بدا في حالة من الضياع والشرود الذهني والسياسي. في الأسبوع نفسه تقريباً، صدرت تقارير عن مختلف الوكالات الاستخباراتية الأميركية تؤكد ضلوع موسكو في التأثير في نتائج الانتخابات الأميركية التي حملت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وحوالي الفترة نفسها أيضاً، قادت موسكو مجموعة المنتجين الكبار من خارج "أوبك" إلى اتفاق مع المنظمة لخفض الإنتاج، ما جعل أسعار النفط تقفز إلى 57 دولاراً، وذلك للمرة الأولى منذ مطلع العام 2015، ما عزّز موقع روسيا القيادي في سوق الطاقة العالمي.
وفيما كان يستعرض من مقرّه الشتوي في سوتشي بانوراما إنجازاته للعام 2016، والتي تضمنت هزيمة المعارضة السورية في حلب، وتطويع تركيا وإيران وتهميش العرب وأميركا، ويحتفل بإيصال ترامب إلى البيت الأبيض، رأى بوتين أن في مقدوره أن يطوي صفحة العام في طوكيو بإقناع رئيس وزراء اليابان بنسيان أمر جزر الكوريل التي انتزعتها روسيا من بلاده خلال الحرب العالمية الثانية.
وقعت حادثتان، في الأيام القليلة الماضية، بينتا كم كانت هذه الصورة خادعةً، وكم كان المشهد مضللاً، فقد هشمت حادثة اغتيال السفير الروسي في أنقرة وسقوط طائرة التوبوليف في البحر الأسود الصورة التي كان بوتين يحاول رسمها لبلاده، مستخدماً في ذلك الدم السوري. فالبراعة التي استثمر بها بوتين في تراجع الدور الأميركي، في الشرق الأوسط خصوصاً، لتأكيد مكانة بلاده الدولية، لم تستطع أن تخفي حقيقة إمكانات روسيا المتواضعة، والتي يؤكّدها التراجع المضطرد في عوامل قوتها. وبمراجعة بعض البيانات، يتبين أن عدد سكان روسيا تراجع بمقدار 13% خلال ربع القرن الماضي، فقد كان 163 مليون نسمة عشية انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وهو الآن بحدود 142 مليوناً، وأن سبب ذلك هو الفقر والمرض والهجرة. وإذا استمر الأمر على هذا المنوال، فإن روسيا مهدّدة بأن يصبح عدد سكانها في العام 2050 أقل من عدد سكان أقرب منافسيها الإقليميين، تركيا أو إيران.
وتراجع الاقتصاد الروسي من المرتبة العاشرة عالمياً عام 2014 إلى المرتبة 12 في العام 2016، تتقدّم عليه في ذلك الهند التي انتزعت المرتبة السادسة من بريطانيا الشهر الماضي، وكذلك البرازيل وأستراليا وحتى كوريا الجنوبية التي لا تتجاوز مساحتها مائة ألف كلم مربع، وعدد سكانها خمسون مليوناً، وتفتقر إلى كل الثروات الطبيعية، إلا رأس المال البشري المؤهل.
وتملك روسيا حاملة طائرات واحدة، هي الأميرال كوزنتسوف التي شاركت في قتل السوريين في حلب، وعمرها 26 عاماً، حيث تم بناؤها في العهد السوفييتي، وعانت، أخيراً، من أعطال عديدة، حتى جرى وصفها بأنها "خردة عائمة"، وهي تستوي في ذلك مع الصين والهند وفرنسا وإسبانيا التي تملك كل منها حاملة طائرات، لكنها تتخلف كثيراً عن الولايات المتحدة التي تملك عشر حاملات طائراتٍ، تقود أساطيلها المنتشرة في أركان العالم الأربعة، وهي تعكف على بناء أخرى لتدخل الخدمة عام 2019، ولعل هذا يفسرّه الفارق بين إنفاق روسيا العسكري الذي بلغ 65 مليار دولار في العام 2015، وإنفاق الولايات المتحدة الذي بلغ 617 مليار، علماً أن الاقتصاد الروسي يمثل عشر حجم الاقتصاد الأميركي.
تفسّر هذه المعطيات تماماً لماذا يصرّ بوتين على لفت انتباه أوباما، ولماذا يصرّ الأخير على تجاهله، كما يفسر أيضاً وصفه روسيا بأنها مجرد قوة إقليمية، ليس لديها ما تقدّمه للعالم سوى الغاز والسلاح، والسؤال هنا: إذا كان هذا حال روسيا التي استعانت بها إيران لدرء هزيمة محقّقة، فكيف يكون حال إيران، إن لم تكن تستر ضعفها وتستمد قوتها من هشاشة العرب، وافتقادهم إرادة القتال.