صندوق النقد يحذر من تصدع النظام المالي العالمي

16 ابريل 2020
الصورة
مقر صندوق النقد بات مهجوراً والاجتماعات بالفيديو كونفرنس (Getty)
+ الخط -




على الرغم من التدابير وحزم الإنقاذ غير المسبوقة التي قامت بها البنوك المركزية حول العالم، بقيادة مجلس الاحتياط الفيدرالي "البنك المركزي الأميركي"، للتصدي للأزمة الحالية، الناجمة عن انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، والجهود المبذولة لاحتوائه، حذر صندوق النقد الدولي من تسبب الركود الذي تشهده مختلف الأسواق حول العالم في تصدعات في النظام المالي العالمي. 

وفي تقرير الاستقرار المالي العالمي، الذي أصدره الصندوق يوم الثلاثاء، على هامش اجتماعات الربيع للبنك والصندوق الدوليين، التي تُعقد هذا العام من خلال "فيديو كونفرانس "احتراماً لاعتبارات التباعد الاجتماعي، قال صندوق النقد إن "الركود الحالي، الذي يعد أكبر ركود يتعرض له الاقتصاد العالمي منذ الكساد الكبير الذي بدأ أواخر العشرينيات من القرن الماضي، يمثل تهديداً كبيراً لاستقرار النظام المالي العالمي، وقد يتسبب في تضييق على من يحتاجون للاقتراض".

وأكد التقرير أن أغلب شركات العالم دخلت أزمة الوباء بمستويات من المديونية تفوق ما كانت عليه مديونياتها عند بدء الأزمة المالية العالمية في 2008، وهو ما يعرض الدول النامية بصفة خاصة إلى أزمة مديونية، مع الضعف المتوقع في تدفق الاستثمارات الأجنبية إليها.
وتزامن صدور تقرير الاستقرار العالمي صباح الثلاثاء مع نشر الصندوق أحدث تقاريره عن "آفاق النمو العالمي"، والذي توقع فيه حدوث انكماش ضخم في الاقتصاد العالمي العام الحالي 2020، وتردي الأوضاع الاقتصادية ومعدلات النمو حول العالم كما لم يحدث منذ الكساد الكبير.

وتوقع التقرير تحقيق الإنتاج العالمي نمواً سالباً بنسبة 3% هذا العام، وتراجع الاقتصاد الأميركي، الأكبر في العالم، بنسبة 5.9%، وتراجع اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 7.5%، على أن ترتد كل تلك المعدلات إلى المنطقة الإيجابية العام القادم، بشرط انتهاء أزمة الوباء خلال النصف الثاني من العام الحالي.

ولم يستأثر صندوق النقد الدولي بالتحذير من التداعيات الاقتصادية والمالية السلبية للأزمة الحالية، حيث توقع بنك الاستثمار العملاق غولدمان ساكس أن يتجاوز تأثير الوباء السلبي على الاقتصاد العالمي على المدى القصير أربعة أضعاف ما سببته الأزمة المالية العالمية في 2008، وأن يرتفع معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى 15%، وهو أعلى مستوياته منذ الحرب العالمية الثانية.

وبعد أن اقتربت الاقتصادات الكبرى حول العالم من درجة الإغلاق الكامل، للحد من انتشار الفيروس القاتل، توقع غولدمان ساكس أن ينكمش الاقتصاد العالمي هذا العام بنسبة 11% مقارنة بالعام الماضي، وأن يتراجع الإنتاج العالمي خلال الربع الثاني من العام الحالي بنسبة سنوية تصل إلى 34% مقارنة بالربع الأول من العام.

وعلى صلة بالأمر، توقع صندوق النقد الدولي تراجع نصيب الفرد من الناتج العالمي هذا العام بنسبة 4.2%، وهي نسبة شديدة الارتفاع أخذاً في الاعتبار أن الأزمة المالية العالمية في 2008 – 2009 تسببت في تراجعن إلا أنه لم يتجاوز 1.6%. وقال الصندوق يوم الثلاثاء إن تسعين في المائة من دول العالم ستشهد نمواً سالباً في نصيب الفرد من الناتج المحلي الحقيقي، مقارنة بنسبة 62% فقط من بلدان العالم خلال الأزمة المالية العالمية.

وتحت عنوان "الاقتصاد العالمي ينهار الآن"، كتب مارتين وولف، كبير المحللين الاقتصاديين بجريدة فاينانشيال تايمز مقالاً يوم الثلاثاء أكد فيه أن الاقتصاد العالمي يتعرض خلال الأزمة الحالية للانهيار، وأنه سيستمر في الانهيار حتى بعد فتح الاقتصاد مرة أخرى وعودة المواطنين إلى أعمالهم. وأكد وولف أن "الاقتصاد العالمي إذا تحطم، كما حدث في الأزمة المالية العالمية السابقة، فإن ذلك سيضعف آمال عودته للانتعاش، إن لم يقتلها تماماً".

وفي بيئة من التداعيات السلبية، وتحذيرات المؤسسات المالية الكبرى من التوقعات المستقبلية لاقتصادات العالم، وتأثيرها على المواطنين في أغلب دول العالم، تبدو الدول النامية والناشئة في مهب الريح، بعد أن تكاتفت عليها أزمة انتشار الفيروس وتوقف الاقتصاد، بالإضافة إلى هروب الاستثمارات الأجنبية منها، بصورة تعرضها لأزمات مضاعفة خلال الفترة القادمة.
وللتعامل مع تلك الظروف، أصدر معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، أحد أهم مراكز الأبحاث في العالم، دراسة حديثة، أكد فيها ضرورة زيادة التعاون بين الدول الكبرى من أجل القضاء على تداعيات انتشار الوباء الصحية والاقتصادية، مؤكداً أن المبادرات الجماعية التي تقدمها مجموعة العشرين يمكنها إحداث الفارق.

وقال موريس أوبستفيلد، وآدم بوزن أستاذا الاقتصاد اللذان أشرفا على إعداد الدراسة، إنه ينبغي على الاقتصادات الكبرى إزالة الموانع التجارية التي تعوق تدفق المعدات الطبية والأغذية، وتخصيص المزيد من الموارد للبحث العلمي ومعدات الكشف عن الفيروس ومقاومة الأمراض، بالإضافة إلى تقديم المساعدات للدول الأقل دخلاً. وأشارت الدراسة أيضاً إلى أن البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية يحتاجان إلى المزيد من الموارد لتخفيف معاناة الدول، وأنه يتعين على صندوق النقد الدولي العمل على ضمان استقرار النظام المالي العالمي. ويقول أوبستفيلد "عندما يواجه العالم تهديداً اقتصادياً مشتركاً، فإن التعاون بين حكومات أهم الاقتصادات يكون ممكناً وضرورياً".

وفي تسجيلات صوتية يقدمها نوريل روبيني، أستاذ الاقتصاد بكلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك، تساءل الرجل الذي يمتلك واحدة من أكبر شركات الاستشارات الاقتصادية في نيويورك عن جدوى ما تفعله السلطات النقدية خلال الأزمة الحالية، من مليارات الدولارات يتم إلقاؤها في الأسواق، ونظريات نقدية حديثة، وطباعة أموال لسد عجز الموازنات، وسياسات التيسير الكمي، مشيراً إلى أنها كلها تمثل أوجهاً مختلفة لنفس الفعل!
وتوقع روبيني أن الارتفاعات التي تشهدها أسواق الأسهم خلال الفترة الحالية لن تلبث أن تفقد قوة دفعها، لتعود للانخفاض مرة أخرى.

المساهمون