صحف أجنبية: الدولة البوليسية في مصر تمهّد لجمهورية الظلام

القاهرة
18 اغسطس 2015
+ الخط -
"جمهورية الظلام".. أو "الأيام السوداء".. أو "الدولة البوليسية لا تجلب الاستقرار"، هكذا باختصار شديد، لخّصت الصحافة الأجنبية الوضعَ في مصر، بعد إقرار قانون مكافحة الإرهاب الجديد.
موقع "بي بي سي" الدولي، نشر تقريراً أمس، بعنوان "Egyptians fear 'republic of darkness' under new terror" law"، أي "المصريون يخشون جمهورية الظلام عقب قانون الإرهاب الجديد"، قالت فيه إن الصحافيين المصريين والمدافعين عن حقوق الإنسان، قلقون من أيام مظلمة تنتظر البلاد، بعد موافقة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على قانون مكافحة الإرهاب الجديد في 16 أغسطس/آب الجاري، فيما اعتبره آخرون "سلاحاً رادعاً للإرهاب".

ولفت التقرير إلى الغرامات المالية التي تنتظر الصحافيين على خلفية نشر تقارير وبيانات
 تعارض تلك الصادرة عن الجهات الرسمية، والتي تقدر قيمتها بـ64 ألف دولار أميركي، أي ما يعادل 41 ألف يورو.

في السياق ذاته، نشرت صحيفة "فاينانشال تايمز"، تقريراً بعنوان "حملة السيسي في مصر لن تجلب الاستقرار"، وفسرته بعنوان فرعي شارح "نظامه الوحشي يدفع المعارضين المعتدلين للانضمام إلى الجهاديين".

ولفت التقرير إلى أن "السيسي يبدو عازماً على فرض رؤيته التي تدفع إلى حكم الفرد، وأنه خلال العامين الماضيين ومنذ انقلابه على الرئيس المعزول محمد مرسي، ذهب السيسي، وزير الدفاع السابق، إلى أبعد مما كان متوقعاً في حملته القمعية ضد معارضيه، بل وفتح فصلاً جديداً في ذلك بإصدار قانون مكافحة الإرهاب الذي يعزّز أكثر سلطات الدولة البوليسية في مصر".

وأشار التقرير إلى أن مصر كإحدى دول الشرق الأوسط التي تواجه أخطاراً كبرى من جانب تنظيم الدولة الإسلامية، تتزايد أهمية تبنّي قوانين مشددة لمواجهة الإرهاب، إلا أن القلق الأكبر من تلك القوانين، يتمثل في أن القانون الجديد يعطي تعريفاً فضفاضاً للإرهاب قد ينطبق على أي أعمال عنف، مما قد يدفع الكثير من المعارضين حتى المعتدلين منهم إلى أحضان التنظيمات الجهادية المسلحة وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية؛ "داعش".

اقرأ أيضاً: قانون مكافحة الإرهاب... إرهابي

وحذر التقرير الغربَ من مثل تلك السياسات في الشرق الأوسط، وطالبته بالتراجع خطوة في هذه العلاقة، وضرورة الحديث مع السيسي وإبلاغه أن حملته التي يخوضها بهدف القضاء التام والمبرم على المعارضة في مصر محكوم عليها بالفشل، خاصةً أن حملة السيسي على المعارضة تدفع إلى ظهور جيل جديد من القيادات في جماعة "الإخوان المسلمين"، والتي تجنّبت الصدام إلى تبني العمل المسلح ضد النظام، حيث إنهم لا يرون مفرّاً من ذلك. وقال التقرير: "ربما وعد السيسي كثيرا بتحقيق الاستقرار، لكن لا دلائل تشير إلى إذا ما سيتمكن من تحقيق وعده! فمصر لن ولم تكن أبداً دولة يحكمها طاغية على غرار الأسد في سورية.. لذا على الغرب أن يحاول إقناع السيسي بأنه يجب أن يتعامل مع المعارضة ويوفر الظروف المناسبة لدعم حقوق الإنسان".​
يُذكر أن قانون الإرهاب، لاقى اعتراضات ورفضاً واسعاً في الأوساط الصحافية والحقوقية في مصر، إلا أن السيسي أقرّه ونشره في الجريدة لرسمية، من دون أن يلتفت لأيٍّ من تلك الاعتراضات، بل إنه عدل من بعض المواد التي أبدى عليها القضاة ملاحظاتهم فقط.​
 
في السياق ذاته، دانت منظمة مراسلون بلا حدود، منع وسائل الإعلام من نشر تقارير تتعارض مع الرواية الرسمية بخصوص الهجمات المسلحة والعمليات التي يقوم بها المقاتلون الجهاديون، وهو المنع الذي جاء في إطار قانون محاربة الإرهاب الذي صادق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم أمس بغياب انعقاد برلمان منتخب.

وفي تعليق له عن هذا الأمر، قال الأمين العام لمنظمة "مراسلون بلا حدود" كريستوف ديلوار: "هل الصحافة أصبحت بمثابة جريمة الآن؟ يبدو بوضوح أن الإجابة هي بنعم في مصر لأن نظام السيسي يستخدم "قانون مكافحة الإرهاب" الجديد لمنع الصحافيين من تقديم رواية مناقضة لنسخته من الأحداث".
وأضاف ديلوار: "يدخل المصريون في الوقت الحالي عالماً يشبه ذلك الذي وصفه جورج أورويل، حيث يُسمح للحكومة فقط بأن تقول ما يجري. وحتى في الدول التي تشهد تقييداً كبيراً لحرية المعلومات، نادراً ما تقوم القوانين بقمع التعددية بهذا الشكل الصارخ. تغرق مصر أكثر فأكثر باستبدادية مريعة لا تكتفي بالتحكم في المعلومات واعتقال الصحافيين، ولكن بتعريضهم أيضاً لضغوط أكبر مما كان ممارساً عليهم في حقبة مبارك".

والقانون الجديد، والذي تم نشره في الجريدة الرسمية، يفرض غرامات تراوح بين 200 ألف و500 ألف جنيه مصري (23 ألف و57 ألف يورو) على أي شخص ينشر معلومات
"زائفة" عن تفجيرات أو أية عمليات أخرى تقوم بها مجموعات مسلحة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يتعرّض صحافي ينشر حصيلة ضحايا تفجير تختلف عن إحصائية الحكومة لإدانة بجرم جنائي. وقال ديلوار: "منذ أن استلم المشير السيسي الحكم، تستخدم السلطات مكافحة الإرهاب كأساس لاضطهاد ممنهج للصحافيين الذين لا يلتزمون بالخط الرسمي"، بحسب تقرير صادر عن المنظمة اليوم.

وبوجود 15 صحافياً معتقلاً حالياً لمجرد القيام بعملهم، تحتل مصر المرتبة 158 على قائمة تشمل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2015 الذي أصدرته منظمة مراسلون بلا حدود.

من جهة ثانية، ندد المرصد العربي لحرية الإعلام بإصدار القرار التنفيذي لقانون مكافحة الإرهاب المصري، على الرغم من الغضب الإعلامي على مشروع القانون، وما تضمنه من نصوص تضع المزيد من القيود على حرية الصحافة. 

وقال في بيان تلقى "العربي الجديد" نسخة منه إنه: "على الرغم من التحركات التي قادتها نقابة الصحافيين ضد القانون، إلا أن القانون تجاهل كل ذلك ووجد أخيراً طريقه إلى التنفيذ بتوقيع رئيس الدولة عليه في غيبة برلمان منتخب، محملاً بالمزيد من القيود على حرية الصحافة التي أصبحت نهجاً رسمياً وسياسة ثابتة منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013".

وأضاف أن: "المواد 28، و29، و35، و36، و37 من القانون، حملت المزيد من القيود المباشرة وغير المباشر على حرية الصحافة، حيث اعتبرت المادة 28 أنه يعد من قبيل الترويج غير المباشر على الإرهاب الذي يستوجب الحبس مدة لا تقل عن خمس سنوات الترويج للأفكار والمعتقدات الداعية لاستخدام العنف سواء بالقول أو الكتابة.. إلخ، والمادة بهذه الصيغة تجرم الأفكار والمعتقدات وليس الجريمة العملية أو الشروع فيها، كما عاد القانون في مادته 29 لتجريم الأفكار والمعتقدات عبر مواقع إلكترونية، وهو ما يفتح الباب واسعاً لإغلاق العديد من المواقع المناهضة للسلطة بزعم نشرها لأفكار أو معتقدات متطرفة على الرغم من أنها لا تدعو فعلياً لجريمة إرهابية، كما جرم القانون نشر بيانات عن بعض الشخصيات العامة (بروفايل)، وذلك بدعوى إمكانية استخدامها لأغراض إرهابية".

وأوضح المرصد أن "المادة 35 التي استنفرت الوسط الصحافي، ظلت كما هي في مضمونها حتى وإن استبدلت الغرامة بالحبس، فهذه الغرامة التي فرضتها فوق طاقة أي صحافي وأي صحافية ما يفضي في النهاية إلى الحبس لعدم القدرة على الدفع (الغرامة تصل إلى خمسمائة ألف جنيه لكل من تعمد بأي وسيلة نشر أو إذاعة أو عرض أو ترويج أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أعمال إرهابية بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع).

ولاحظ المرصد على هذه المادة (اللغم) أنها، فوق نصها على الغرامة الباهظة، حظرت نشر البيانات التي تخالف الرواية الرسمية لوزارة الدفاع، ما يعني العودة لإعلام الصوت الواحد والرواية الواحدة، بالمخالفة لمبدأ تدفق المعلومات الذي حمته المادة 68 من الدستور، وانتزعت هذه المادة حقاً أصيلاً لنقابة الصحافيين في تأديب أعضائها وفقاً لقانونها حين نصت على حق المحكمة في منع الصحافي من مزاولة المهنة لمدة عام.

وتضمنت المادة 37 قيداً غير مباشرة يمكن أن تشمل الصحافيين أيضاً في حال إدانتهم ومن ذلك حظر الإقامة في مكان معين أو في منطقة محددة، والإلزام بالإقامة في مكان معين، وحظر الاقتراب أو التردد على أماكن أو محال معينة، والإلزام بالوجود في أماكن معينة في أوقات معينة ، وحظر العمل في أماكن معينة أو مجال أنشطة محددة، وحظر استخدام وسائل اتصال معينة أو المنع من حيازتها أو إحرازها.


اقرأ أيضاً: مصر: "الصحافي الأمنجي"... الإفراز الطبيعي للمرحلة

ذات صلة

الصورة
الدرس انتهى لموا الكراريس

منوعات

أحيا مصريون وعرب على مواقع التواصل الذكرى الـ54 لمذبحة مدرسة بحر البقر التي قصفها الاحتلال الإسرائيلي يوم 8 إبريل/نيسان عام 1970 في مدينة الحسينية.
الصورة
المؤرخ أيمن فؤاد سيد (العربي الجديد)

منوعات

في حواره مع " العربي الجديد"، يقول المؤرخ أيمن فؤاد سيد إنه لا يستريح ولا يستكين أمام الآراء الشائعة، يبحث في ما قد قتل بحثاً لينتهي إلى خلاصات جديدة
الصورة
مئات يترقبون انتشال المساعدات على شاطئ بحر غزة (محمد الحجار)

مجتمع

يواصل الفلسطينيون في قطاع غزة ملاحقة المساعدات القليلة التي تصل إلى القطاع، وبعد أن كانوا يلاحقون الشاحنات، أصبحوا أيضاً يترقبون ما يصل عبر الإنزال الجوي.
الصورة

سياسة

نقلت وكالة "رويترز"، اليوم الجمعة، عن أربعة مصادر أن مصر بدأت تمهيد منطقة على الحدود مع قطاع غزة يمكن استخدامها لإيواء لاجئين فلسطينيين.
المساهمون