سورية: "داعش" يلفظ أنفاسه الأخيرة شرق الفرات

16 فبراير 2019
الصورة
سيطرت "قسد" على الباغوز (دليل سليمان/فرانس برس)

بعد أسبوع من انطلاق ما سمّتها "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) "المعركة الأخيرة" ضد تنظيم "داعش" في سورية، تقترب هذه القوات من إنهاء وجود التنظيم في منطقة شرق الفرات، شمال شرق سورية، بعد حصار التنظيم في مساحة ضيقة على الضفة اليمنى من نهر الفرات، غرب بلدة الباغوز، آخر البلدات التي نجحت "قسد" بالسيطرة عليها بدعم من التحالف الدولي.

وبعد جولات من المفاوضات عبر وسطاء بين "قسد" والتنظيم، بدأت قوات "قسد" باقتحام بلدة الباغوز قبل أسبوع، بعد هدوء دام لعدة أيام في المنطقة، وتمكّنت هذه القوات بمساندة التحالف الدولي خلال اليومين الماضيين من بسط سيطرتها على كامل بلدة الباغوز، فيما حاول التنظيم استرداد البلدة بهجمات معاكسة عبر الانتحاريين والسيارات المفخخة، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق أي تقدّم، ما دفعه إلى الانسحاب من البلدة باتجاه البساتين والمزارع الواقعة غربها.

وقالت مصادر مقربة من "قسد"، لـ"العربي الجديد"، إنه مع استمرار هذه القوات في عمليات التمشيط داخل الباغوز، عثرت على عشرات جثث مقاتلي "داعش". وأضافت أن "قوات سورية الديمقراطية" أنذرت من بقي من عناصر التنظيم في غرب الباغوز عدة مرات بتسليم أنفسهم، مشيرة إلى أن التنظيم أحاط منطقة المزارع بالألغام خلال انسحابه إليها. وبحسب المصادر، فإن المنطقة لم تشهد غارات جوية من قبل التحالف الدولي منذ ثلاثة أيام على الأقل، إذ تُشاهد الطائرات ويسمع صوتها تحلق فوق المنطقة من دون تنفيذ غارات، وذلك بسبب إجراء التحالف عمليات تفاوض مع عناصر وقيادات التنظيم الراغبين بتسليم أنفسهم.

في السياق نفسه، قال قادة ميدانيون في "قسد"، لوكالة "فرانس برس"، إن "من تبقى من مقاتلي التنظيم يستشرسون في الدفاع" عن البقعة الأخيرة الواقعة تحت سيطرتهم. وقال المتحدث باسم حملة "قسد" في دير الزور عدنان عفرين، للوكالة، أمس الجمعة، إن "مقاتلي داعش يرفضون الاستسلام وما زالوا يقاتلون". وأضاف "نحن مضطرون لأخذ حذرنا... إنها مرحلة حساسة جداً كونها تمثل نهاية التنظيم، ولوجود مدنيين من ذوي داعش في الداخل".

ومع حصار "داعش" في تلك المنطقة، حدثت خلافات في صفوفه، إذ استسلم المئات من عناصره، من بينهم قياديون، فيما قام الرافضون للاستسلام من التنظيم بإعدام 25 عنصراً دفعة واحدة بعدما حاولوا الاستسلام لـ"قسد"، وذلك مساء الثلاثاء الماضي. ورجحت المصادر في حديث لـ"العربي الجديد"، أن يقوم عناصر التنظيم المتبقون بالاستسلام بعدما لم يعد أمامهم أي مجال للانسحاب، لأنهم مجبرون إذا لم يستسلموا على عبور نهر الفرات باتجاه منطقة سيطرة النظام السوري، مشيرة إلى أن بضع مئات يُقدّر عددهم بقرابة الخمسمائة عنصر هم الرافضون للاستسلام، معظمهم من الأجانب.


وفي الشأن ذاته، قال الناشط أبو محمد الجزراوي، لـ"العربي الجديد"، أمس، إن عدد من سلموا أنفسهم لقوات التحالف و"قوات سورية الديمقراطية" خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية بلغ قرابة المائتين وخمسين عنصراً، من بينهم قياديون من جنسيات أجنبية. وأضاف أن العناصر تم نقلهم عبر شاحنات ومروحيات إلى القواعد العسكرية التابعة للتحالف في حقل العمر وحقل التنك النفطيين، مشيراً إلى أن بعض المدنيين تمكنوا من الوصول إلى نقاط "قسد"، فيما يرفض بقية عناصر التنظيم تسليم أنفسهم. وأوضح الجزراوي أنه بقي بضع مئات من عناصر "داعش"، وعددهم غير معروف بالضبط، وهم محاصرون في منطقة صغيرة غرب بلدة الباغوز ضمن مخيمات المدنيين، مؤكداً أن المتبقين هم من أشرس عناصر التنظيم وقد احتموا بمخيمات النازحين.

ومع انسحاب التنظيم باتجاه منطقة المخيمات، تحول مئات المدنيين إلى دروع بشرية للتنظيم، حيث يقبعون تحت خطر الموت بنيران التحالف الدولي والاشتباكات، وذلك في ظل الأوضاع الإنسانية المزرية التي يعيشها قاطنو المخيمات. وأوضح الناشط وسام العربي، المتحدر من دير الزور، أن المخيمات في تلك المنطقة هي مخيمات عشوائية ومتفرقة بناها السكان الفارون من قصف التحالف، وتفتقر لأدنى مقومات الحياة. وأكد في حديث مع "العربي الجديد"، أن تلك المخيمات تعرضت للقصف من قبل طيران التحالف الدولي منتصف الأسبوع الماضي، وسقط إثر ذلك عشرات الضحايا بين قتيل وجريح من المدنيين القاطنين فيها، مضيفاً أن "قسد" تقوم باعتقال المدنيين الذين يتمكنون من الفرار من تلك المخيمات وتقودهم للتحقيق في مقراتها بالمناطق التي تخضع لسيطرتها.

وخلال الأيام الأخيرة، وصل أكثر من ألف مدني إلى مناطق سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" بعد خروجهم من الباغوز أو سيطرة الأخيرة على المناطق التي كانوا يقطنون فيها، وهم يعانون من أوضاع إنسانية مزرية فضلاً عن المعاملة السيئة من قبل "قسد". ومنذ انحسار التنظيم في ناحية الباغوز خرج قرابة خمسة آلاف شخص من المدنيين، من بينهم بعض عوائل مقاتلي تنظيم "داعش"، ومنهم أجانب من جنسيات مختلفة قامت "قسد" بنقلهم إلى مخيمات على الحدود الإدارية بين محافظتي دير الزور والحسكة، وأشهر تلك المخيمات في منطقة الهول. وتقول مصادر محلية سورية إن مخيم الهول الصحراوي، والذي يقبع فيه أكثر من عشرة آلاف شخص، أشبه بالسجن، ويفتقر لأدنى مقومات الحياة، ويتعرض قاطنوه لخطر الاعتقال من قبل "قسد" بعد اتهامهم بالانتماء للتنظيم.
وكانت "قسد" قد بدأت في سبتمبر/ أيلول الماضي، هجومها على آخر معاقل تنظيم "داعش" في شمال البوكمال، شرق دير الزور، والممتد بين هجين غرباً والباغوز شرقاً، وتمكنت من السيطرة على معظم البلدات والقرى في الجيب قبل بداية شهر فبراير/ شباط الحالي.