ساري حنفي: كلفة الاستبداد على الواقع العربي باهظة جداً

27 يوليو 2018
الصورة
في مكتبه بالجامعة الأميركية في بيروت (حسين بيضون)

أصبح الأستاذ في علم الاجتماع في "الجامعة الأميركية في بيروت" ورئيس تحرير مجلة "إضافات"، الفلسطيني ساري حنفي، أول رئيس عربي للجمعية الدولية لعلم الاجتماع. تحاوره "العربي الجديد" حول أهمية هذا المنصب، خصوصاً بالنسبة للقضايا العربية التي حملها في أجندته الانتخابية، وحول قضايا سوسيولوجية وأكاديمية مختلفة

1- نبدأ من الجمعية الدولية لعلم الاجتماع بالذات، فما أهميتها وتأثيرها؟
الجمعية الدولية تأسست عام 1948 بدعم من اليونسكو، أي في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وما شهدت من إنشاء لمؤسسات دولية لها دور في السلام العالمي. كانت الفكرة هي الخروج من البوتقة التي بنت الخطاب "القومجي"، باعتباره هو الذي لعب دوراً في الأزمات بين الشعوب التي أدت إلى الحرب العالمية الثانية. وفكرة الجمعية بالذات تدويل العلوم، لأنّ فهمنا للعلوم هو فهم مرتبط بالإنسانية، فهي ظواهر موجودة في كلّ الأماكن وتنطبق عليها بعض القواعد، مع ملاحظة الفوارق ما بين القواعد الفيزيائية والقواعد السوسيولوجية. أهمية الجمعية أنّها تنتقل من الاختزالية القومجية في فهم الظواهر الاجتماعية باتجاه الانفتاح على البعد الإنساني.

2- ما هو الأثر الذي يمكن أن يقدمه تسلّمكم رئاسة الجمعية الدولية لعلم الاجتماع طوال أربع سنوات مقبلة (2018- 2022) على مستوى القضايا العربية، لا سيّما أنّكم ضالعون ومهتمون شخصياً بقضايا اللاجئين وحركة المقاطعة والبحث العربي، وهي قضايا تتخذ عدة أبعاد؛ سياسية، واجتماعية، وأكاديمية؟
أجندتي الأساسية مبنية على ثلاث نقاط: أولاً "الجنوب الكوني"؛ إذ أنوي أن أجعلها أكثر تعددية، كي يتسنى للباحثين من جميع الدول، خصوصاً دول الجنوب، المشاركة، وليس فقط من خلال أوراق بحثية، بل على مستوى الإدارة واللجان المنبثقة عن اللجنة التنفيذية.. وهكذا. ضمن هذه النقطة يأتي العالم العربي، فهو مهمّش على صعيد مؤتمرات الجمعية. خذ مثالاً على ذلك، مقارنة مشاركة إيران وتركيا وإسرائيل في الشرق الأوسط بمشاركة كلّ العالم العربي، ففي المؤتمرات السابقة للجمعية، كان هناك خمسة مشاركين عرب فقط، مقابل 40 إيرانياً، و60 تركياً، و70 إسرائيلياً. هناك مشكلة اللغة، فأغلب المحاضرات بالإنكليزية ثم بالفرنسية والإسبانية؛ إذ إنّها اللغات الرسمية للجمعية، لكن هذا لا يمنع أنّ هناك تقصيراً في العالم العربي. دوري هو دفع المشاركة العربية، وأسجل هنا شكري للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية الذي أعطى منحاً لـ 8 باحثين عرب للمشاركة في المؤتمر، فارتفعت مشاركة العرب هذا العام إلى 10 أشخاص، وهي زيادة مهمة، لكنّه يبقى رقماً صغيراً.
ثانياً، علم الاجتماع تاريخياً بصفته مناصراً للمجتمع المدني اتخذ الاتجاه اليساري، وهو أمر جيد، لكن يجب أن ننقده عندما يصبح هذا الاتجاه اختزالياً في النظرة إلى إمبريالية معينة، واختزالياً في المبالغة في فهم دور الاستعمار في إنتاجنا المعرفي، من دون الأخذ بعين الاعتبار المقاربة ما بعد الاستبدادية، فلكي نفهم الإنتاج المعرفي العربي يجب أن نأخذ بعين الاعتبار المقاربة ما بعد الكولونيالية، وكذلك المقاربة ما بعد الاستبدادية. مثال على ذلك: كيف نفهم الإنتاج المعرفي في بلد مثل سورية؟ هل فعلاً مشكلتنا كانت في أنّ أدواتنا التي نفكر بها هي أدوات فيبر ودوركهايم وبارسونز؟ لا، ربما أعيب على جامعتي (دمشق) أنّها لم تدرّسني جيداً منظّرين مهمين في النظرية الاجتماعية كابن خلدون ومالك بن نبي، لكنّ المشكلة الأساسية كانت في القمع الفكري وعدم إمكانية النشر إلاّ بما ترضى عنه الدولة، وتغييب كامل لسؤال الاقتصاد السياسي وقضية الاستبداد. إذاً، لا يمكن أن أفهم مسألة الإنتاج المعرفي في سورية من دون الأخذ بعين الاعتبار، وبشكل أساسي، الاستبداد أكثر مما يتعلق بأدوات الهيمنة الكولونيالية التي أجبرتنا على قراءة مواد معينة. والمثال عن سورية، لكنّها مشكلة عربية عامة، فدرجات الاستبداد في العالم العربي متفاوتة، وحتى في ظل الديمقراطيات هناك جوانب لم تدخلها الديمقراطية. فالديمقراطية مبنية على مبادئ معينة: حرية الرأي، تدوير السلطة، حرية العمل السياسي، وجود مجتمع مدني فعال، ويمكن أن نرى جوانب لا حرية رأي فيها، إذ من المسموح أن تتحدث بحرية رأي، لكن ممنوع أن تنتقد إسرائيل، إذ يتهمونك بمعاداة السامية، أو يقولون لك إنّ هناك قانوناً يحظر ذلك. لا نتحدث عن الاستبداد كمؤسسة كلية، بل عن الاستبداد داخل الديمقراطية. إذاً النقطة الثانية في الأجندة هي إعادة تظهير خطورة الاستبداد ودوره في تشكيل المعرفة السوسيولوجية.
ثالثاً، في كلّ دول العالم ليست المشكلة فقط في إنتاج المعرفة بل في استخدام المعرفة. فالمعرفة لمن؟ ولماذا؟ فإذا كانت المعرفة للناس لا بدّ من البدء بالبحث الأكاديمي في مجلات مرموقة وبعدة لغات، لكن لا بدّ من حوار مجتمعي كي يستفيد الناس من البحث. النقطة الثالثة هي التأكيد على أهمية الأثر الاجتماعي للبحث العلمي، الذي يتطلب أدوات وسيطة، وقد أعلنت عن بوابة إلكترونية للأثر الاجتماعي للبحث العلمي في العالم العربي قبل 6 أشهر، وهذه البوابة ستكون لجميع السوسيولوجيين في العالم، إذ لا يكفي أن تنشر أكاديمياً، بل أين مساهماتك في صفحات الرأي ومشاركاتك التلفزيونية، وكيف تشارك في مرحلة اتخاذ القرار من خلال التوصيات والتفاعل مع المعنيين في الموضوع الذي تبحثه.




3- في هذا الخصوص، هل يمكن الدفع باللغة العربية أيضاً في الجمعية؟
بدأت المجلتان الصادرتان عن الجمعية "السوسيولوجيا الراهنة" و"السوسيولوجيا الدولية"، في استقبال مشاركات مكتوبة بالعربية أو بغيرها، وتجري عملية التحكيم بلغة المشاركة الأصلية، لتجري بعد ذلك ترجمتها. كذلك، لدينا نشرة "الحوار الكوني" تصدر حالياً بـ17 لغة، من بينها اللغة العربية. وقد أذهلني كرئيس تحرير لمجلة "إضافات" بدء استخدام الباحثين العرب أدبيات أجنبية من خلال هذه المقالات، لأنّها مقالات قصيرة لسوسيولوجيين من العالم، وليس فقط المعروفين، بل من البرازيل والمكسيك والمجر مثلاً. مثل هكذا مطبوعة ساهمت في حوار جنوب- جنوب وليس فقط جنوب- شمال.

4- من هنا ننتقل إلى واقع علم الاجتماع العربي، خصوصاً أنّكم تتولون منصب نائب رئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع، ورئاسة تحرير مجلة "إضافات، المجلة العربية لعلم الاجتماع"، بالإضافة إلى العمل الأكاديمي كرئيس لقسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والدراسات الإعلامية في الجامعة الأميركية في بيروت، بالإضافة إلى المساهمات البحثية العديدة والمتنوعة. فكيف تقرؤون هذا الواقع على صعيد البحث السوسيولوجي العربي وتأثيره في القضايا الكبرى؟
بدأت بالحديث عن مشكلة تؤرقني كثيراً لها علاقة بسيرة حياتي، إذ وُلدت وترعرعت في بلد فيه استبداد، بالإضافة إلى وراثتي هوية اللاجئ عن أهلي، فكانت لي حساسية خاصة للقضية الفلسطينية وقضية الصراع العربي - الصهيوني. فالاستبداد خطير جداً في العالم العربي، والخروج منه صعب جداً إذ شهدنا على صيرورته، وكيف أدى إلى حرب أهلية في سورية في المرحلة الثانية من الثورة، والأمر نفسه ينطبق على ليبيا واليمن. هناك دور للنفط ضد الديمقراطية، فدول عدة لعبت دوراً في الثورة المضادة والانقلابات، كما دعمت الإمارات والسعودية عبد الفتاح السيسي في مصر مثلاً. كلفة الاستبداد على الواقع العربي باهظة جداً. العالم العربي لديه مشكلة الفقر وعدم توزيع الثروة. فعلى مقياس "معامل جيني" يظهر الفارق الكبير جداً بين أغنى 5 في المائة وأفقر 5 في المائة في بلدان مثل مصر وتونس والمغرب واليمن. هناك أيضاً مشكلة طبقات اجتماعية، ففي لبنان مثلاً، الذي أعيش فيه، هناك تعاضد بين الطائفة والنخبة الاقتصادية المهيمنة، إذ لا يمكن أن نفهم ديناميات الفقر في لبنان من دون الأخذ بعين الاعتبار المؤسسة الزبائنية التابعة للطائفة والمؤسسة الزبائنية التي أنتجها التفاوت الطبقي. فأيّ تحليل جدي يجب أن يتناول النظام الطائفي، وفي الوقت نفسه الرأسمالية الجشعة التي لم تلعب فيها الدولة دور ضبطها. ففي النظام الرأسمالي تلعب الدولة دوراً أساسياً في ضبط وقوننة المنافسة الحرة، وحين تغيب القوننة تنمو الكارتلات والاحتكارات الفظيعة، وهو ما يفسر أنّ في لبنان أغلى خدمات هاتف محمول، فأين دور الدولة؟ أحاول أن أقول إنّ في العالم العربي إشكاليات لا يمكن فهمها إلاّ من خلال مقاربة ماركسية لأهمية صراع الطبقات والتفاوت بين الطبقات الذي يخلق مشاكل كثيرة، فقد أدى غياب العدالة الاجتماعية إلى الثورات العربية في أكثر من مكان.



5- فهل المقاربة الماركسية هنا تدخل فيها متغيرات أخرى عدا عن الاقتصادية؟
في المجتمع العربي لدينا ثلاث مقاربات. تحدثنا عن الماركسية، لكن هناك أيضاً مقاربة تتعلق بالثقافة ودور الدين، فالدين يلعب دوراً أساسياً في ثقافتنا. وفي الوقت نفسه، هناك نخب يسارية تتشكل أخذت عن الغرب معاداة الدين، وهناك كثير من الباحثين في جامعات العواصم العربية من هذه النخب. فالمشكلة بين هؤلاء وبين شرائح واسعة من الناس تتبنى لغة مختلفة كثيراً عن لغة العلوم الاجتماعية يلعب خطباء الجوامع والمعرفة الدينية دوراً كبيراً فيها. وبالتالي، تتشكل نخب لا تتحاور مع بعضها، وعندما يأتي مجال للتغيير تدخل هذه النخب في مطاحنة قد تؤدي إلى انقلابات عسكرية، إذ يدّعي العسكر عندها أنّه أعلى من الخلافات بين هذا الفريق وذاك، كما في حالة مصر. إذاً، المطلوب من علم الاجتماع أن يلحظ أهمية الظاهرة الدينية وكيف ندخل علم الاجتماع الديني في كليات علم الاجتماع، وكيف نفهم القرآن والحديث بما يتناسب مع فهم الواقع، وكذلك، كيف ندخل العلوم الاجتماعية في كليات الشريعة أيضاً، وهو مشروعي الكبير حالياً، أي ربط العلوم الاجتماعية بالعلوم الدينية. الأديان تلعب دوراً أساسياً، فكيف نتعامل مع ذلك؟ يجب أن نواجه هذه القضية، ومواجهتها تكون أولاً وثانياً وثالثاً بالحوار، وليست على طريقة النعامة، وليست على طريقة نظرية العلمنة التي تفصل تماماً ما بين الفضاء العام المدني والفضاء الخاص الديني. كلّ النظريات الحديثة، كما خوسيه كازانوفا الذي يتحدث عن نظرية ما بعد العلمنة، ويقول إنّ الدين موجود طوال عمره في الثقافة العامة، فهو الغائب الحاضر في الفضاء العام. لذلك، لا أحبّ مصطلح "الإسلام السياسي" كأنّنا نقول إنّ الحركات الإسلامية لا يمكن أن تكون سياسية، فهي سياسية في التعريف مثل أيّ اتجاه إيديولوجي، إذ بإمكاني أن أنتقد توجهاتهم السياسية، لكن لا يمكن أن أقول لهم بادئ ذي بدء إنّ الإسلام بعيد عن السياسة. الأديان كلها تلعب دوراً في السياسة، فأنا مطلع تماماً على إسرائيل التي لديها نخبة علمانية مهمة، لكن كلّ سياساتها مربوطة بفهم معين للدين اليهودي وشعب الله المختار.

6- في هذه الحالة، هل تذهب إلى أنّ الإسلام واحد، وليس هناك إسلام "معتدل، وسطي، سلمي، ديموقراطي، تنويري" بل كلّه متطرف كما يقول علي حرب؟
أشير أولاً إلى أنّني اكتشفت إنسانية علي حرب الكبيرة قبل أشهر في ندوة في الكويت، علماً أنّني من قارئيه. لكنّني أختلف معه في هذه النقطة وفي نقطة أخرى. في تلك الندوة، كنت أتحدث عن مفاهيم النهضة العربية المعاصرة وكيفية ربط العلوم الاجتماعية بالعلوم الدينية وإصلاح الفكر الديني، فرفع يده وقال: "من قال لكم إنّنا يجب أن نصلح الفكر الديني، دعه في ظلاميته كي نتخلص منه". لا أتفق مع ذلك، فهو يذكرني بمشهد من مسرحية، يقول: "أريد أن أغير كلّ الشعب" فهذا الشعب موجود بخيره وشره وهو متدين ويجب أن نتعامل معه، وفي لبنان اكتشفت كم أنّ المسيحيين متدينون أيضاً. إذاً، أختلف معه في نظرته إلى أهمية الظاهرة الدينية. كذلك، لا يمكنني أن أقول إنّ الإسلام واحد وكلّه هكذا، فما يحصل الآن في الإسلام حصل في كلّ الأديان والأيديولوجيات، فكيف تحولت الأيديولوجية القومية إلى معادية للحريات؟ بذلك، لا يمكنني أن أقول: أنا أرفض القومية العربية. كذلك، استخدمت المسيحية واليهودية كلغة كولونيالية. ففي جنوب أفريقيا كلّ حجج الاستعمار كانت تطهير الأرض من الوثنية. في كلّ الأديان والأيديولوجيات هناك لحظات يمكن أن تكون فيها فاشية، معادية للإنسان، ومعادية للحريات، ويجب تخليصها من هذه اللحظات. من خلال دراستي خطب الجمعة أشهد على خطورة اللاعقلانية فيها، وتعليم الناس على السمع والطاعة من دون حجة. يمكن أن أقول إنّ هناك مشكلة في طريقة تعلم الإسلام في مجتمعاتنا، لكن، لا أذهب مذهب علي حرب لأقول إنّ "كلّه عند العرب صابون" وكلّ الدين واحد وهو لا يؤدي إلاّ إلى "داعش"، فهذا الكلام غير صحيح.




7- استكمالاً للحديث عن الإنتاج المعرفي، ذكرتم في كتابكم المشترك مع ريغاس أرفانيتس "البحث العربي ومجتمع المعرفة، رؤية نقدية جديدة"، تحت عنوان "الثقة بالعلوم" أنّ "في الوطن العربي، قلّ الباحثون الأفراد المهتمون بنقد علاقة العلم والبحث والتكنولوجيا بالمجتمع، ولم يستطيعوا أن يشكلوا حركة اجتماعية حول هذا الموضوع". أولاً، ما هو تفسيركم لقلّة هؤلاء الباحثين حول هذا الموضوع على أهميته؟ ثانياً، ما هي نتائج غياب هذا النقد على مستوى المجتمع؟
الثقة بالعلم لها طقوسها. إذ يجب تدريب الناس على المعرفة العلمية، وهو تدريب معاكس لنظرية المؤامرة. فمثلاً كيف ننظر إلى اليمن وسورية. فكأن الناس لديهم عدد من الصناديق هي صناديق الخير والشر، وفقط تضع الفاعلين في هذا الصندوق أم ذاك. هذا فشل للباحث الاجتماعي العربي في تدريب العامة على فهم صراعات معقدة مثل صراعات الوطن العربي الحالية. لهذا أتكلم عن طقوس للثقة بالعلم، أنّ العلم له بياناته وطريقته، فهل هذا متوفر في تلفزيوناتنا وإذاعاتنا وجرائدنا؟ مثال، في فرنسا عندما كانت قضية الحجاب الإسلامي، أسس الوزير لجنة أنجزت تقرير وايت بيبر على أساسها اتخذ القرار، وكان دائماً يعود إلى هذا التقرير. وفي مؤتمره الصحافي كان كلّ الباحثين الاجتماعيين معه. أما في لبنان في حلّ مشكلة النفايات، أين التقارير؟ أنا أعلم أنّهم طلبوا مثلها، لكن لم يخرج وزير ليقول إنّ هذا قرار باحثين مثلاً. الثقة بالعلم لها آلياتها وطقوسها، وهي غير موجودة لدينا، لذلك فإنّ الربط بين المعرفة وتطبيقاتها ربط ضعيف جداً.

8- هل يمكن أن نربط مجدداً بين الاستبداد والعلماء هنا؟
سايكولوجية المستبد أنّه إنسان مكتفٍ بذاته، فهو يشعر أنّه أفهم من الآخرين، هو خائف ويبني حوله حاشية ممن يصفقون له. أتحدى إذا كانت مأسسة اتخاذ القرار ملحوظة في أيّ بلد عربي، باستثناء تونس والمغرب. هذا الأمر مرتبط بالاستبداد العربي.



9- بالانتقال إلى الجانب الأكاديمي، في رأيكم، أين يذهب كلّ هؤلاء الخريجين العرب من أقسام علم الاجتماع في الجامعات العربية بعد تخرّجهم، علماً أنّ كثيرين من بينهم ينهون مرحلة الماجستير؟ هل هناك شرخ ما بين عدد الخريجين السنوي من جهة، والمراكز البحثية والمؤسسات الرسمية التي يفترض بها أن تستوعبهم بعد التخرج وتستفيد من إمكاناتهم العلمية والبحثية من جهة أخرى؟
من المفترض أن يذهب خريجو علم الاجتماع إلى ثلاثة أماكن: أولاً، الثقافة العامة، فيجب أن نعترف أن ليس كلّ ما ندرسه يجب أن يؤدي إلى سوق العمل، فهناك فن ليبرالي تقدمه الجامعة تخلق بموجبه أشخاصاً لديهم فكر نقدي، ويستفيد منه الرجل والمرأة في تعليم أبنائهم، وحتى يستفيد المجتمع منه في حال اتخذ سبيل النشر. ثانياً، يرتبط علم الاجتماع تاريخياً بمشروع الدولة للتحديث، كما فعل لبنان في عهد فؤاد شهاب (رئيس الجمهورية 1958- 1964)، من خلال تأسيس معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية الذي يهدف إلى إيجاد أشخاص يجرون استبيانات ويتجهزون لمشروع التنمية للدولة، وبالفعل، هناك من يعملون هذا العمل حالياً. ثالثاً، الدور النقدي، وهو ما لا تتوافر فيه فرص عمل كبيرة في العالم العربي، بسبب الاستبداد، إذ من يتبع ذلك يجد نفسه مهمشاً خارج المؤسسة، أو ينتقل من وظيفة إلى وظيفة من دون ثبات.

10- بخصوص الدراسة في اختصاص أو اختصاصات علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية، هناك نظرة عامة، ولا أقول علمية، أنّ هذه الاختصاصات هي اختيار الطلاب الذين فشلوا في الانتساب إلى اختصاص آخر، فما تعليقكم على هذا؟ وهل من آفاق لتغيير مثل هذه النظرة؟
عندما ننظر إلى توزيع الموارد البحثية، يتضح لنا أنّ هناك، عبر التاريخ، إهمالاً لكلّ العلوم الإنسانية، فيحصر البحث العلمي في البحث الفيزيائي والكيميائي والبيولوجي والبيئي، من دون النظر إلى البحث السوسيولوجي. مع العلم أنّ العالم اليوم ينتقل إلى البينية بين العلوم، فلا دراسة للبيئة من دون استخدام أدوات علم الاجتماع. لكن، وبكلّ أسف، ما زالت السياسات العلمية العربية تهمش العلوم الاجتماعية، ففي الدول التي توجهك بحسب علاماتك تجد في أسفل السلّم الشريعة وعلم الاجتماع، اللذين يفترض أن يكونا مؤثرين من خلالك كخطيب جمعة، أو من خلالك كباحث نقدي للمجتمع وللسلطات كالدولة والمؤسسة الدينية المحافظة. مع ذلك، أقول إنّ الواقع العربي ليس مأساوياً في ما يتعلق بالعلوم الاجتماعية، خصوصاً في المغرب العربي، تحديداً تونس والمغرب، فهناك استطاع الباحثون أن يلعبوا دوراً رئيساً في عقلنة بعض السياسات. وقد وجدنا دوراً للباحثين الاجتماعيين في مرافقة الثورات العربية أيضاً، وهو الدور الهام والأساسي الذي لعبه، مثلاً، عزمي بشارة أيضاً في مرافقة الثورات العربية عبر قناة الجزيرة.




11- بما أنّنا تطرقنا إلى الربيع العربي، هل فشلت ثوراته وانتفاضاته، في رأيكم السوسيولوجي؟
إذا لم تأتِ الثورات العربية أُكُلها إلاّ في تونس، وإلى حدّ ما في المغرب عبر الإصلاح الذي يجب أن يكون أكبر أيضاً، فهناك فشل للمشروع السياسي العربي. لكن، أدّعي أنّ هناك صيرورة جديدة معرفية، أو ثورة معرفية، فهناك ما انكسر في المجتمع، وهناك لأول مرة حوارات تجري الآن، لم نكن نسمعها إلاّ بين نخب كبيرة. مثال أول، هو الحديث عن الدولة المدنية، فلأول مرة أصبح الحديث عن فصل الدين عن الدولة يتجاوز النخب الصغيرة، وكأنّ هناك توجهاً لأخذ العلمانية من دون تجربتها الاستبدادية. مثال آخر، تقسيم المتدينين وغير المتدينين للنساء بين محجبة وغير محجبة، فلدى المتدينين يمثل الحجاب العفة والطهارة، ولدى غير المتدينين يمثل استعبادها. سابقاً، تحول الحجاب إلى رمز خطير، مع جانب قمعي في الاتجاهين، لكن الآن، لم يعد موضوع الحجاب بمثل هذا التضخيم الهائل. أختار كلماتي بدقة، فالحجاب مهم لدى المتدينين، لكن عرف بعضهم أيضاً، أن ليس في إمكاننا تقسيم العالم ما بين محجّب وغير محجّب، وهو ما بيّنه حزب النهضة في تونس الذي رشح امرأة غير محجبة، وكشف أنّه ليس حزباً للنساء المحجبات حصراً بل لجميع النساء.

12- إذاً، ليس بالضرورة أن تقوم ثورات جديدة في الدول التي شهدت ثورات وفشلت، لكن الأهمية هي في التغيير المعرفي- الاجتماعي الذي حصل، وإن فشلت الثورات؟
تماماً، لكن هناك فكرة هامة جداً، وهي زمنية الثورات. فمثلاً، الثورة الفرنسية استمرت 82 عاماً. إذاً، لا يجب أن نجلد أنفسنا في النظرة إلى الثورات العربية. وحتى في انتفاضة هامة جداً بالنسبة لي هي الانتفاضة السورية، وهناك الآن عنجهية للنظام في الحديث عن انتصاره على المعارضة المسلحة، فإنّي مقتنع بأنّ النظام لا يمكن أن يحكم بالحديد والنار كما حكم في الخمسين سنة الماضية، ويوماً ما سيؤدي ذلك إلى إعادة الاعتبار إلى أهمية المجتمع المدني والتعددية والعلمانية.



13- في الحديث عن سورية، تبرز أزمة اللاجئين، لكنّي سأسأل عن اللاجئين الفلسطينيين، انطلاقاً من سيرتكم بالذات، فما هي مآخذكم على النموذج اللبناني مقارنة بالنموذجين السوري والأردني مثلاً؟
هذا الموضوع عملت عليه طويلاً، وكنت قد أطلقت حملة كبيرة في العقد الأول للألفية هي "الحقوق المدنية والاجتماعية الاقتصادية الفلسطينية" في لبنان، وقد أسميناها بذلك، ليس لأننا لا نؤمن بحق العودة، بل لأننا نرى أنّ هناك عدم توازن في خطاب حق العودة، إذ كان يتخذ شكل خطاب تخديري، يستخدمه أقصى اليمين كحال جبران باسيل الذي يحكي عن حق العودة من الصباح حتى المساء على طريقة (اليميني الفرنسي) جان ماري لوبان الذي قال في أحد خطاباته: "أحب الأجانب كثيراً... أحب الأجانب كثيراً" وبعد صمت تابع: "... لكن أحبهم عندما يكونون في بلادهم". جبران باسيل أيضاً يحب الفلسطينيين والسوريين كثيراً، لكن عندما يكونون في بلادهم. أنا مستاء كثيراً من الطريقة التي تعاملت بها السلطات اللبنانية مع الفلسطينيين منذ عام 1948، فحرمانهم من الحقوق جعل رد فعلهم عنيفاً، فتحالفوا مع نصف اللبنانيين ضد النصف الآخر، وربما هو خطأ كبير، وأنا مسرور بإعلان عباس زكي في بيروت الذي اعتذر عن الدخول في الحرب الأهلية اللبنانية. لكن، في كلّ الأحوال لبنان نموذج تمييزي جداً في كيفية التعامل مع اللاجئ. تاريخياً، جرى الحديث فقط عن اليمين اللبناني المسيحي، لكنّ الجديد في كتاباتي، من خلال تحليل مضمون الخطاب، أنّ اللاجئين الفلسطينيين ليسوا على أجندة تيار المستقبل، أو حزب الله أو حركة أمل، فكلّهم عندما نأتي إلى موضوعات مثل حق العمل وحق التملك، لديهم موقف مخزٍ، علماً أنّني كنت مفاوضاً بخصوص حق العمل والتملك مع حزب الله ومع تيار المستقبل و14 آذار، وكلّ من تحدثنا معهم كانوا يضعون اللوم على اليمين اللبناني، لكنّهم جميعاً لا يضعون الفلسطينيين على أجندتهم، ولبنان لطالما كان استثناء إذا ما قورن بتعامل الأردن وسورية تاريخياً مع الفلسطينيين.

14- سؤال أخير أذهب إليه من خلال اسم "ساري" بالذات، ففي جنوب لبنان، مقام معروف باسم النبي ساري، وهو يضمّ ضريحاً، وبات يضم مصلى ومزاراً توفى النذور فيه، بل إنّ "بركاته" تحمل طابعاً انتقامياً أيضاً، إذ تكثر حوادث السير على الطريق السريع المحاذي له والذي يقال إنّ أرضه اقتطعت من أرض المقام المبارك. سؤالي هو عن مدى فعالية علم الاجتماع والبحث العلمي عامة بما يحملان من طابع حداثي، في التأثير في البنية التقليدية العربية، وبالتالي في الذهنية التي تحمل طابعاً خرافياً سحرياً يتجلى في أشكال عدة؟
لا بدّ من إعادة الاعتبار إلى الدين الشعبي. ففي أميركا اللاتينية، ما زال الدين الشعبي ممأسساً وموجوداً في الحاضر ووجدان الناس في طقوسه وغيرها، وهو ما يظهر في الكرنفالات. في وطننا يجب أن نعيد الاعتبار إلى الدين الشعبي، على أنّه موجود، وليس معنى ذلك الترويج له. جزء من ذلك ظاهرة الأولياء والزوايا، وقد اختبرت في قراءاتي أنّ طرق المتصوفة لم تكن طرقاً للحضرات فقط، لكن كانت أيضاً منتجة لمعرفة معينة، فمثلاً ابن عربي ربط الفلسفة بالعلوم الإسلامية، وجلال الدين الرومي ربط المعرفة الدينية بالمعرفة الأدبية. التصوف تاريخياً كان ظاهرة هامة جداً، وتحوّل إلى شكل من أشكال الدين الشعبي الذي تختلط فيه الأساطير وقهر الفقر وقهر الاستبداد، وانطواء الذات العربية إلى أيّ فضاء تجد فيه روحانيات تحميها من مجتمع جشع وقمعي واستبدادي. وظاهرة الصوفية تتكاثر بأشكالها المختلفة، ومنها ما هو عقلاني، ومنها ما هو قريب إلى الإسلام العامي، وما هو أقرب إلى الفولكلوري الطقوسي. في هذا الإطار، فإنّ علم الاجتماع الديني هو أهم أداة لفهم التدين المعاش، الذي يمكن أن يكون لا علاقة له بالدين الأساسي. فمثلاً، كيف استخدم اليسوعيون في أميركا اللاتينية علم الاجتماع وأجروا استبيانات لفهم تديّن الناس. كذلك، يعلمنا علم الاجتماع احترام الآخر، أي التعددية، وأنا أسمّي علم الاجتماع "علم تأخير الحكم القيمي"، بمعنى أن نعرف كيف لا نبدأ بالحكم القيمي؛ ألاّ نبدأ بإدانة المثليين جنسياً، مثلاً، بل بفهم الظاهرة، وإذا كان لا بدّ من حكم قيمي فيكون في النهاية، علماً أنّي لا أدعو إلى مثل ذلك الحكم، سواء سلباً أم إيجاباً.




نبذة
البروفيسور ساري حنفي، رئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع المنتخب أخيراً، هو أستاذ علم الاجتماع في "الجامعة الأميركية في بيروت" ورئيس تحرير "المجلة العربية لعلم الاجتماع، إضافات". حنفي فلسطيني الأصل، نشأ كلاجئ في سورية، ودرس في جامعة "دمشق" ثم في فرنسا، قبل أن يستقرّ في لبنان منذ عام 2005، وهو بالتالي يمثّل فلسطين، وسورية ولبنان في الوقت عينه. يعتبر حنفي الباحث العربي الأول الذي يحتل هذا المنصب، بعدما تولاه باحثون أميركيون وأوروبيون سابقاً.