زمن دفاع اليسار عن ابن تيمية

17 مايو 2017
الصورة
+ الخط -
ربما بات الانحدار يأخذ مداه. لهذا بعد أن كانت التيارات السلفية بمجملها، و"الجهادية" خصوصا، تتبنى منظورات ابن تيمية، وتدافع عنه كونه مؤسس ممارساتها، بات ابن تيمية "محبوباً" من بعض اليسار والليبراليين الذين أخذوا يدافعون عنه، كونه "المثقف" الذي عبّر عن "روح الأمة"، ودافع عنها ضد الغزاة.

مهزلة؟ يمكن ذلك، لكنه استلاب فظيع بات يحكم هؤلاء، فرضه الانشداد "الطائفي" الذي يظهر في الخطاب العام، ونكايةً بـ "إيران الشيعية"، و"مثقفي الأقليات". ربما كان يعبّر ذلك عن خواء المثقف، وعن خواء "اليسار" الذي راج خلال عقود سابقة. لكنه كذلك جهل بالتاريخ، وبمسارات حضارةٍ نهضت ثم أخذت في الانهيار. ولا شك في أن ابن تيمية هو التمثيل لذلك الانهيار بكل المعاني: معاني الدفاع عن مجدٍ يزول في مواجهة غزاةٍ لا دين لهم، ومعاني انحدار الفكر إلى أرذل حضيضٍ نتيجة هذا الانهيار، ما فرض تشكُّله في أعلى درجات المثالية والشكلية، وتأسيسه سياسة "الدفاع الغريزي" عما تمخّض عنه من فتاوى عبر الانتقال إلى "الفعل"، الفعل المباشر تطبيقاً لتلك الفتاوى. وقد كان تحويل الفكر إلى فتاوى هو التعبير عن هذا الانحدار الفظيع، بحيث باتت "أحكاماً مبرمة"، و"أمر تنفيذ" يجب أن تُمارس.
لا يمكن أن ننظر إلى ابن تيمية خارج هذه المعادلة، فهو وابن القيم الجوزية نتاجها. حيث ظهرا في مرحلة تفكّك دولة الخلافة الإسلامية (الدولة العباسية) وتذرّرها، وانهيار الاقتصاد، والفوضى البشرية التي نتجت عن الحروب والانهيارات، وبالتالي الغزوات الصليبية والغزو المغولي. والتي كانت تتمظهر في "ضياع الدين"، كما بان لجيل من علماء ومشايخ الدين حينها ولهذا، كان الميل المتشدد هو نتيجة طبيعية لهذه الوضعية، حيث أصبح المطلوب "فرض الدين" وليس الدعوة إليه، وتحديد "جوهر الدين" لتمييزه عن كل "الهرطقات" التي كانت رائجة. وكذلك تحويل ذلك كله إلى "سياسةٍ شرعية"، وهو ما كان يقطع مع المرحلة التي امتدت منذ نشوء الإسلام إلى تراخي الدولة العباسية ثم انهيارها. ويُنتج منظومة جديدة في "فهم الدين"، والتعامل عِبْره. ليبدو أنه يجب تصفية كل الطوائف والتيارات التي نشأت منه، وفرض منظورٍ واحد، هو ذاك الذي صاغه ابن تيمية وابن القيم الجوزية، وتبلور في الرؤى "الفلسفية"، وفي التفاسير، لكن بالأساس في الفتاوى.
ولكي يكون الأمر متّسقاً، ومن أجل توضيح هذه النقلة، لا بد من الإشارة الى الإمام الغزالي، بغض النظر عما جرى اعتباره من الشيخين، ابن تيمية وابن القيم الجوزية، اللذين أعادا إلى
أحمد ابن حنبل والمذهب الحنبلي اعتبارهما، فليس من الممكن فهم الصورية التي حكمت منظور الشيخين من دون لمس الدور الحاسم الذي قام به الإمام الغزالي، فهو مؤسس النظر "اللفظي" للقرآن، حيث تؤخذ "الحقائق من الألفاظ"، وبالتالي يخضع النص الديني لتفسير لفظي فقط. وللوصول إلى ذلك، قام بخطوتين أساسيتين: أولاً، رفض الفلسفة، واعتبار أنها تقود إلى الشك وتجاوز الدين (وكان ذلك هو السياق الذي تطوّر في المرحلة الإسلامية، وأوصل إلى الشك والإلحاد)، وحرّم قراءتها (إلا للخاصة الذين يعتبرون كالطبيب المعالج لمن يُصاب بمرض الشك "المنقذ من الضلال"). وثانياً، تأسيس "علوم الدين" التي حصرها في القرآن/ السنة واللغة العربية والحساب (بهدف التجارة)، وقام بعمليةٍ "مهمةٍ" لإظهار أنه يمكن الاستدلال بمنطق أرسطو في القرآن ذاته. وبهذا، قفل العلم على هذه المباحث، لكي لا يكون ممكناً الميل إلى التأويل أو التفسير أو التحليل العقلي.
وأكمل ابن تيمية الهجوم على الفلسفة بعدد من الكتب (نقض المنطق مثلاً)، ولكن تراثه الذي تعمّم أكثر هو المتعلق بالفتاوى، خصوصاً أن الانهيار المجتمعي توسّع بعده، واستمرّت حروب السيطرة بين أطرافٍ عديدة إلى أن استقرَّ الأمر للدولة العثمانية التي لم تخرج عن هذا التراث، إلا تحت ضغوط الدول الرأسمالية الأوروبية، حيث التزمت بالفقه الحنفي. ولقد كانت الوهابية هي إعادة صياغة لفتاوى بن تيمية وابن القيم الجوزية، والشغل على تطبيقها المباشر، أي كما وردت بالنص من دون تأويلٍ أو تفسير. هنا، يتوقف دور العقل ليبدأ دور التنفيذ. دور قسر المجتمع على "قيمٍ" وأحكام باتت هي الدين. بهذا، بات الدين هو هذه "التبسيطات" التي تختزله في بضع فتاوى، هي أساسٌ لأحكام تفرض حتماً القتل. في عالم تجاوز كل التقسيمات والتبسيطات التي حدّدها ابن تيمية، والتزم بها محمد بن عبد الوهاب.
من يبحث في تراث ابن تيمية الفكري سيجد مستوىً عالياً من الطرح، خصوصاً في كتبه
 "الفلسفية"، لكن هذا جزء من ابن تيمية، وهو الجزء الذي مهَّد لصدور الفتاوى. وليس مقصد الإشارة إلى هذا الأمر هنا تقييم الشيخ فلسفياً، أو فكرياً، بل توصيف ما طرحه منظوراً عملياً، و"سياسة شرعية". لهذا كانت الفتاوى الأكثر أهمية، بالضبط لأنها أساس "ممارسةٍ عملية"، حيث تفرض على ملتزميها تطبيقها بـ "اليد"، والسعي إلى فرضها حُكْماً ثيوقراطياً. لهذا كانت في أساس نشاط كل المجموعات التي تُكنى بالإرهاب، بالضبط لأنها تقدّم لها المبرّر "الشرعي" للقتل على ممارساتٍ كثيرة باتت "طبيعيةً" في المجتمع. وتعيد نكء تناقضات الماضي، وكأنها راهنة وملحَّة. وبالتالي، يصبح الإرهاب نتيجة طبيعية لذلك كله.
وابن تيمية في أساس تبرير كل الإرهاب والوحشية الممارسيْن من تنظيماتٍ مثل داعش وجبهة النصرة، حيث إنه "أبو" الوهابية التي اتكأ عليها تنظيم القاعدة ومتفرعاته. إنه حوصلة الانهيار الذي حدث لإمبراطوريةٍ كبيرةٍ، كان الدين هو أيديولوجيتها، وبالتالي كان يجب أن يتحوّل إلى "عنف أيديولوجي" وهو يتلمس مسار الانهيار، حفاظاً على "الملة". لهذا جرى تكفير النصارى واليهود الذين لم يعودا يعتبران "أهل كتاب" بل كفرة، وتكفير كل الانشقاقات التي نبعت من الإسلام، وكذلك تكفير كل الفرق الإسلامية. وتعميم فكرة "الفرقة الناجية". وكان ذلك يُكمل عملية الانهيار المجتمعي (فهو نتاجها)، بالضبط لأنه يكفّر كل المجتمع، ويضع "طريقاً" لنجاته هي التي تلتزم بمنظومة الفتاوى التي صدرت عن ابن تيمية وابن القيم الجوزية، وقبلهما أحمد ابن حنبل. وبهذا توجد "محاكم تفتيش" هي التي تقرّر من هو المسلم ومن هو الكافر. وهذا "المخطط" هو الذي جرى تشكيل تنظيم القاعدة وتفرعاته على أساسه، بالضبط لكي يقوم بعملية تدمير ممنهج للبنى، ويستغلّ لتدمير البنية التحتية.
إذن، على مَ يجري نفخ ديمقراطيين و"يساريين" في ابن تيمية؟ ما يجري إظهاره أنه "قاتل الغزاة"، أي ينهض "المنظور الوطني" من بين ركامٍ هائل من الخطب الديمقراطية ضد الاستبداد. لكن ليست هذه سمة ابن تيمية الجوهرية، ولم يقاتل الغزاة، لأنه "وطني"، بل لأنه يدافع عن أيديولوجيةٍ تتهدّم، قام هو بإعادة بنائها. وهي أيديولوجية مغرقة في السطحية لكنها مؤسِّسة للقتل.
مؤسفٌ أن يُعلى من شأن ابن تيمية نكايةً. ومؤسفٌ أكثر أن يجري الغرق في الطائفية إلى حدّ الإعلاء من شأنه. وابن تيمية هو راية "السلفية الجهادية" التي زحفت لتدمير الثورة السورية، متكئةً على محمد بن عبد الوهاب، وبدعم دوليٍّ متعدّد الأطراف.