روس عنوانهم كوكب الأرض

14 مايو 2017
الصورة
لا يكتفي الروس ببلادهم (سيفا كاراسان/ الأناضول)
لا يعيش الروس فقط في بلادهم، على الرغم من مساحتها الكبرى بين دول العالم، بل إنّ الملايين منهم يعيشون على بعد آلاف الكيلومترات عنها.

مع غياب الإحصاءات الدقيقة، يقدر رئيس تحرير موقع "الحقل الروسي" يوري يريمينكو عدد الروس المقيمين في ألمانيا مثلاً بنحو 6 ملايين شخص. يقول يريمينكو لـ"العربي الجديد": "يضم هذا الرقم ما بين 4 و5 ملايين ممن تُطلَق عليهم تسمية الألمان الروس، وهم مواطنو جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، بمن فيهم أفراد العائلات المختلطة، وعشرات الآلاف من المغتربين والباحثين والطلاب وغيرهم".

يوضح أنّ مصطلح "الروس" كثيراً ما يُطلَق في الغرب على جميع مواطني روسيا والاتحاد السوفييتي السابق، لكنّه غير دقيق، إذ إنّ هؤلاء متعددو القوميات والأديان، فهم من أصول روسية (قومية روسية سلافية أو تتارية وشيشانية وداغستانية ويهودية) وألمانية وأوكرانية وكازاخستانية وغيرها، وهم يعتنقون أدياناً مختلفة من طوائف المسيحية إلى الإسلام واليهودية. يضيف يريمينكو في السياق ذاته: "غالباً ما يطلق عليهم اسم الروس نظراً إلى تحدثهم اللغة الروسية وانتمائهم إلى الثقافة الروسية".

ولتلبية احتياجات هذه الأعداد الهائلة من الروس المقيمين في ألمانيا، افتتحت متاجر ومطاعم ومكاتب سياحية روسية، وحتى مكاتب محاماة ومراكز طبية يتحدث موظفوها اللغة الروسية في أغلب المدن الألمانية الكبرى.

مجموعة كاملة من العوامل جعلت ألمانيا جذابة للمهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق، وفي مقدمتها مستوى عال للتنمية الاقتصادية والرعاية الاجتماعية، وآليات متطورة للاندماج في المجتمع الألماني مثل دورات مجانية لتعلم اللغة، بالإضافة إلى السماح لـ"الألمان الروس" بالحصول على الجنسية الألمانية من دون التخلي عن الجنسية الروسية وقطع صلتهم بوطنهم الثاني.

ويشير يريمينكو إلى أنّ "الألمان الروس هم الفئة الوحيدة التي يسمح لها بالاحتفاظ بجوازات سفرها الروسية، وهم بذلك يشاركون في الانتخابات الروسية ويزورون روسيا من دون تأشيرات، ويتمتعون بكلّ الحقوق فيها". وحول أوضاع الفئات الأخرى من المهاجرين، يضيف: "لا يحصل اللاجئون اليهود من الاتحاد السوفييتي وروسيا، والمهاجرون من كازاخستان وقرغيزيا وأوكرانيا، على الجنسية الألمانية إلاّ بتخليهم عن الجنسية الأصلية. يدفع ذلك العديد من المهاجرين إلى الاكتفاء بالحصول على حق الإقامة غير المحدد المدة من دون استكمال إجراءات التجنيس".

ليست ألمانيا سوى نموذج لوجهة ملايين المهاجرين الروس بعد تفكك الاتحاد السوفييتي بحثاً عن حياة أفضل، فهناك أكثر من 3 ملايين روسي في الولايات المتحدة، بينما هاجر أكثر من مليون روسي إلى فلسطين المحتلة عام 1948.

وفق تقديرات مختلفة، يتألف المهاجرون الروس بالمفهوم الواسع من رقم يتراوح بين 25 مليون نسمة و30 مليوناً. أغلب هؤلاء يسكنون في الجمهوريات السوفييتية السابقة كأوكرانيا وكازاخستان ودول البلطيق وغيرها. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أنّ نحو 11 مليون شخص ولدوا في روسيا انتقلوا إلى الخارج، لتأتي روسيا بذلك في المرتبة الثالثة عالمياً ضمن هذا المؤشر بعد الهند والمكسيك، متفوقة حتى على الصين.

وتعود جذور المهجر الروسي إلى ثورة البلاشفة عام 1917 التي دفعت بعدد من النبلاء الروس إلى مغادرة البلاد. لكنّ الموجة الكبرى من الهجرة تزامنت مع فترة الاضطرابات والتحولات وتردي الأوضاع الاقتصادية التي عاشتها البلاد بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في أوائل تسعينيات القرن الماضي، كما هيمنت الدوافع الاقتصادية على الجيل الشاب من المهاجرين في القرن الحالي.

أناستاسيا (33 عاماً) واحدة من هؤلاء، سافرت إلى الولايات المتحدة بعد تخرجها من الجامعة في روسيا عام 2004، وحصلت على الجنسية الأميركية. لا تندم على قرار الهجرة، شأنها في ذلك شأن شقيقها الذي يعمل مبرمجاً في نيويورك. تقول أناستاسيا التي تعمل مصورة فوتوغرافية لـ"العربي الجديد": "الحياة في الولايات المتحدة أفضل، إذ تتوفر هنا حرية الرأي والتسامح مع تنوع البشر، بالإضافة إلى إمكانيات مهنية أفضل، بينما البيروقراطية والتعسف هنا أقل منهما في روسيا. الولايات المتحدة بلد متعدد القوميات والثقافات، ويسعدني أن أعيش وسط البشر من العالم أجمع".

وحول سلبيات الحياة في الولايات المتحدة، تضيف: "نظام العناية الصحية هنا متطور جداً، لكنّه غير متوفر للجميع، وهناك أشخاص كثيرون لا يستطيعون الحصول على التأمين الصحي اللازم، وكذلك الحال مع التعليم الجامعي. ولا يوجد توازن بين العمل والحياة، إذ إنّ نفقات المعيشة هنا أعلى بكثير، فيضطر الناس إلى العمل بلا توقف. وتبلغ فترة إجازة الولادة شهرين أو ثلاثة فقط".

بين الحين والآخر، تشعر أناستاسيا بالحنين إلى روسيا وتقوم بزيارات قصيرة إلى بلدها. هي تفتقد والديها وأقرباءها المقيمين هناك وبالطبع اللغة الروسية، لكن لا تفتقد روسيا كبلد في حد ذاته.