رهان السيسي الرابح في ليبيا

24 يونيو 2020
الصورة
لوّح الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بالتدخل في ليبيا عسكرياً، إذا تجاوزت قوات حكومة الوفاق، المدعومة تركياً، سرت والجفرة، معتبراً ذلك "خطاً أحمر بالنسبة إلى مصر". جاء ذلك بعد أن رفضت أنقرة مبادرة وقف إطلاق النار التي أعلنتها القاهرة، في 6 حزيران/ يونيو الجاري، في محاولةٍ هدفت إلى إنقاذ حليفها، اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بعد هزائم متلاحقة مُني بها، إذ قلب التدخل التركي (تضمن دعماً بطائرات من دون طيار، وبطاريات مضادّة للطائرات، ومستشارين عسكريين، ومقاتلين من المعارضة السورية المسلحة) موازين القوى على الأرض لمصلحة قوات حكومة الوفاق، المعترف بها من الأمم المتحدة، التي تمكنت من إحكام سيطرتها على الغرب الليبي لتتقدّم شرقاً. تزامنت المبادرة المصرية مع زيارة قام بها حفتر للقاهرة، مطالباً إياها بمزيد من الدعم العسكري والسياسي. أما الإمارات، والعربية السعودية، حليفتا حفتر الرئيسيتان، فدعمتا تصريحات السيسي، وما وصفتهما بحق مصر في الدفاع عن حدودها وشعبها. 
ما هي الإمكانية المتاحة لهذا التدخل، وما محاذيره؟ وهل من خيارات أخرى متاحة أمام السيسي لصيانة ما يراه أمناً قومياً مصرياً؟ قبل إعلان السيسي، تواترت أنباء عن تحرّكات عسكرية مصرية، شملت دبابات مقاتلة، وطائرات مروحية هجومية، باتجاه الحدود مع ليبيا، وسارع مسؤولون وخبراء عسكريون مصريون إلى نفيها، وأكدوا أنه ليس هناك أي تحرّكات غير اعتيادية للقوات المسلحة المصرية قرب الحدود. من الناحية العسكرية، لا تبدو مصر مستعدّة لخوض مواجهة عسكرية مفتوحة وواسعة مع تركيا. لذا، فإن تدخلاً عسكرياً مصرياً محتملاً قد يقتصر على خطوات محدودة، تكفي لتعزيز مواقع قوات حفتر، وتقيم نقاط ارتكاز يمكن منها توجيه ضرباتٍ مركّزة لقوات حكومة الوفاق. وعلى الرغم من المتداول عن قدراته (من أفضل عشرة جيوش في العالم!)، هناك شكوك في قدرة الجيش المصري على حسم الأمور لمصلحته، خصوصاً أنه لم يربح بعد حرباً يشنها، منذ سنوات، على الحركات الجهادية المسلحة في سيناء، فكيف ستكون الحال مع الجماعات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق، المدعومة تركياً، والمتمركزة جيداً على حدود برية وبحرية طويلة؟
يتساءل المصريون اليوم عن الكلفة العالية لرفع قدرات الجيش المصري على الردع التي باتت 
على حساب اقتصادهم، ولقمة عيشهم، وعن سوء إدارة الأولويات المصرية التي يتمثل أحدها باعتبار التدخل التركي في ليبيا تهديداً للأمن القومي (الأكثر دقّة أن نقول للنظام الحاكم في مصر)، بينما يهدّد مشروع سد النهضة مصير المصريين، ومستقبلهم، وأمنهم المائي، من دون أن ينسوا ذلك الاستسهال الدبلوماسي الغبي الذي دفع السيسي إلى أن يحثّ رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، على القسم أن الإثيوبيين "لن يقوموا بما يسبب ضرراً للمياه في مصر". ولا شك في أن هناك خشية من أن تستغل أديس أبابا انشغال مصر في ليبيا، لتُقدم على خطوة تتعلق بالسد على حساب مصالح مصر الحيوية. لن ينسى المصريون كذلك أن السيسي في صراعه مع أنقرة، في شرق المتوسط، قد وقّع مع القبارصة اليونانيين اتفاقيةً لترسيم الحدود البحرية تنتهك حقوق الشعب المصري في مياههم الإقليمية، وما في باطنها من ثروات، حين تقاسم معهم، بموجب الاتفاق، الاختصاص البحري مناصفة، في حين أنه يحق لمصر، بموجب القانون الدولي، ما يقرب من ضعف الولاية القضائية البحرية المستحقة للقبارصة.
هناك خطوط حمراء كثيرة تجاوزها السيسي قبل أن يتجاوزها آخرون من غير المصريين بحق مصر، ربما كانت بدايتها الأكثر وضوحاً مع جزيرتي تيران وصنافير. في كل حال، وعلى الرغم من عدم حرص السيسي على شرعيته الداخلية سيكون حريصاً على البحث عن شرعيةٍ أمام الرأي العام الدولي للتدخل في ليبيا، ولكن غطاء الشرعية الذي توافر للتدخل التركي الذي جاء بطلب رسمي من حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، يفتقده أي تدخل مصري، ولا سيما أن ليبيا أصبحت ساحة مصالح مهمة لقوى دولية، وإنْ كان سقوط سرت يشكل بالنسبة إلى السيسي خطاً أحمر، فإن هناك، بالمثل خطوطاً حمراء دولية قد تحول دون قطف ثمار أي تدخل مصري، وتحدّ من قدرة السيسي على فرض رؤيته السياسية هناك.
كانت النبرة "الحربجية" في تصريح السيسي مدفوعة بالقلق أن موسكو قد تقبل باستيلاء القوات المدعومة تركياً على سرت، بعد أن أعلنت أنقرة أنها وموسكو تعملان معا لإنهاء القتال في ليبيا. ولعل السيسي أراد أن يظهر فاعلاً وقادراً على عرقلة أي تفاهماتٍ تركيةٍ روسية، وأنه لن يتركهما وحيدين في تقاسم الكعكة الليبية. التحذير المصري، مدفوعاً بتحريض سعودي إماراتي، سيزيد التوتر في الساحة الليبية، الممزّقة بحرب أهلية تحولت حرباً بالوكالة الدولية والإقليمية، تدفقت معها الأسلحة إلى جميع الفرقاء، ما حال دون قدرة الأمم المتحدة على ضمان الامتثال لحظر الأسلحة، والتوصل إلى تسوية سياسية. ولكن على السيسي أن يتذكّر أن الطموحات السعودية والإماراتية في المنطقة قد أدت إلى دمار اليمن، وزيادة نفوذ عدوهما هناك (إيران) بدلاً من تحجيمه. بالمثل، ستزيد الخلافات المصرية التركية من التدخلات الخارجية على حساب مصالح الطرفين.
هناك فرصة أمام كل من القاهرة وأنقرة لكسب الوقت، عبر إعادة بناء الثقة بينهما، وهذا ممكن 
إذا توافرت القناعة والإرادة لديهما، من أجل البحث عن مصالحهما المشتركة خلف الضباب الكثيف لخلافاتهما الأيديولوجية. وعلى الرغم من التوترات الدبلوماسية، تمكن الجانبان من الحفاظ على علاقات اقتصادية مفيدة للبلدين، حالت دون مزيد من التدهور في العلاقات. قد يصلح هذا دفيئة يمكن أن تستعاد داخلها الثقة بينهما، وإذا كانت مصر قلقةً من شأن علاقات تركيا بجماعة الإخوان المسلمين، كما تدعي دائماً، فمن السهل التأكد من أن لا نيات تركية للتدخل في الشأن المصري الداخلي. وشخصياً، أرى أن أنقرة، وعلى صعيد سياستها الخارجية، تمتلك من البراغماتية ما يكفي لتقدم مصالحها الحيوية على أي أيديولوجيا.
يتمثل الرهان المصري الرابح بتحويل ليبيا إلى أرضية جيوسياسية للتفاهم وبناء المصالح المشتركة مع تركيا، لا ساحة لتصعيد المواجهة. ذلك سيكون بديلاً من ورقة حفتر المحروقة الذي بدأ داعموه، الإقليميون والدوليون، يتأكدون أنه لم يعد يعوّل عليه أيديولوجياً (علمانياً) وعسكرياً، بعد أن أصبح استثماراً خاسراً، لم يحصد منه الليبيون، سوى مزيد من جرائم الحرب. ومن حق الليبيين أن يقرّروا مصيرهم بأنفسهم، وهم بحاجة إلى المساعدة وتهيئة الظروف الملائمة للجلوس إلى طاولة حوار وطني، تصمت معه أصوات المدافع. سينعكس الاستقرار في ليبيا إيجاباً على حياة الليبيين وجيرانهم، وهو الضمانة الوحيدة لمصالح دولية متكافئة.
هل يمتلك السيسي ما يكفي من الحكمة ليدرك ذلك؟ هذه هنا ليست مسألة أخرى.