رسائل تأجيل المجلس الوطني الفلسطيني: ترحيل أزمات "فتح" وعباس

09 سبتمبر 2015
الصورة
أزمات عدة يواجهها الرئيس الفلسطيني (سيفا كراكان/الأناضول)
+ الخط -
يكشف موضوع تأجيل اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني، الذي يتصدر المشهد السياسي في البلاد حالياً، عمق الأزمة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، الذي برع في ترحيل أزماته وليس حلها، وسط نظام يشهد تمسكاً مستميتاً بالسلطة من قبل شيوخه وحرسه القديم، وعزوفاً من الشباب والشارع على حد سواء.

ويواجه الرئيس، محمود عباس، عبر تأجيل اجتماع المجلس الوطني، الذي حدد له موعداً يومي 14 و15 سبتمبر/أيلول الحالي، أزمة حقيقية قد تجعل من مناورته حول الاستقالة من رئاسة منظمة التحرير أمراً حقيقياً، بعد أن خرجت خلافات حركة "فتح" من يده، ولم تعد كلمته نافذة حول من سيتم تعيينه في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.

اقرأ أيضاً: صائب عريقات لـ"العربي الجديد": لن أكون خليفة عباس

في موازاة ذلك، يكشف تهافت اليسار الفلسطيني، باستثناء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على السلطة، عن مدى الانفصام والتشرذم، الذي وصلت إليه هذه الفصائل التي بات من الصعب أن تقدم نفسها كفصائل يسارية ولدت لتحرير فلسطين، فضلاً عن عدم قدرتها لاحقاً على أداء دور صمام الأمان للوحدة الوطنية، ولا سيما بين الفصيلين المتناحرين "فتح" و"حماس".

وكشفت فصائل اليسار الفلسطيني، باستثناء الجبهة الشعبية، عن استماتة بالتمسك بمقاعد السلطة منذ اليوم الأول للحديث عن عقد المجلس الوطني، إذ ثبتت الجبهة الديمقراطية عضوية تيسير خالد (74 عاماً) في اللجنة التنفيذية، فيما أعلن الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني "فدا" عن تمسكه بصالح رأفت (70 عاماً) كممثل عنه في اللجنة التنفيذية، بينما قام الأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني، بسام الصالحي، بترشيح نفسه أمام اللجنة المركزية للحزب مطلع الأسبوع الحالي، على مقعد الحزب في اللجنة التنفيذية، ليجمع بذلك بين ثلاثة مناصب وهي: أمانة حزب الشعب، عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، وعضو المجلس التشريعي. لكن خطوته تسببت بتوتر، ولا سيما بعد انسحاب منافسيه الاثنين في الحزب، وليد العوض من غزة، وحنا عميرة، العضو الحالي في اللجنة التنفيذية، في تعبير عن الغضب وليس انسحاباً بالتراضي أو التوافق.

وساد الإرباك والاستغراب الشارع الفلسطيني، الذي راقب، يوم الإثنين الماضي، كيف وقّع 16 عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير على رسالة موجهة لرئيس المجلس الوطني، سليم الزعنون، يطالبونه فيها بتأجيل موعد انعقاد المجلس الوطني إلى ما قبل نهاية العام الحالي، بعد أقل من شهر على تقديم الغالبية الساحقة من هذه الأسماء استقالات هدفها إفقاد اللجنة نصابها تمهيداً لعقد طارئ للمجلس الوطني، إلا أن الجواب على هذا الانفصام بالنسبة لكثر يكمن في كلمتين: "أزمة فتح".

لكن عضو اللجنة التنفيذية، أحمد مجدلاني، يرى في حديث مع "لعربي الجديد"، أنّ التوجه نحو تأجيل انعقاد المجلس الوطني "بات أمراً حاسماً لإعطاء مجال لمزيد من التحضير الجيد لعقد المؤتمر، فضلاً عن عدم القدرة على تجاوز المعوقات الحالية من منع حركة حماس أعضاء المجلس الوطني من الخروج من قطاع غزة، وعدم رد سلطات الاحتلال على السماح للأعضاء بالحضور حتى اللحظة". كما يتفق معظم أعضاء اللجنة التنفيذية، الذين صرحوا لـ"العربي الجديد"، على القول إنّ أسباب التأجيل تتلخص في عدم التحضير ومقاطعة الجبهة الشعبية ثاني أكبر فصيل في منظمة التحرير. وهو ما يعني أن عقد الاجتماع في ظل غياب الجبهة الشعبية و"حماس" و"الجهاد الإسلامي" سيسبب تآكلا في شرعية منظمة التحرير، علماً بأن الفصيلين الأخيرين ليسا أعضاء في منظمة التحرير. كذلك يتحدث هؤلاء عن وجود عريضة وقّعت من قبل نحو ألف شخصية سياسية وأعضاء من المجلس الوطني تطالب بالتأجيل، إلا أن السبب الحاسم والرئيسي للتأجيل هو "أزمة فتح" بحسب ما تؤكده مصادر عدة.

وفي السياق، يقول مصدر مطلع لـ"العربي الجديد" إنّ الرئيس الفلسطيني "غير مكترث بمقاطعة الشعبية أو انتقادات حركة حماس التي تعود عليها، لكن سبب التأجيل هو الأزمة الداخلية التي تعصف بحركة فتح بصمت منذ أسابيع". ووفقاً للمصدر نفسه، "قلل عباس من قدرة (كهنة الحركة)، أي المتنفذين وموازين القوى البارزة فيها، على الإبحار عكس ما يريد، وعدم الانصياع لأوامره عبر فرض من يريد في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير".

اقرأ أيضاً: فصائل غزة واجتماعات المجلس الوطني: التفرّد سيهوي بالقضية أكثر 

وتؤكد مصادر متطابقة لـ"العربي الجديد" أنّ "الاستقالات التكتيكية لعباس ومجموعة من الشخصيات التي استقالت من عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بناء على رغبة الرئيس الفلسطيني، الذي كان يهدف من ورائها إلى إعادة هندسة منظمة التحرير وحركة فتح بشكل أكثر طواعية، سرعان ما كشفت عن قوى معاكسة داخل الحركة ضد إرادة عباس، ترفض هندسة المشهد السياسي المقبل حسب ما يريد" الرئيس الفلسطيني.
وتكشف مصادر من حركة "فتح" لـ"العربي الجديد" أن التحالف اليوم في "فتح" كالتالي: حلف أول يمثله عباس والأمن ممثلاً باللواء ماجد فرج. ويرغب عباس في إبقاء صائب عريقات في اللجنة التنفيذية، إلى جانب محمود العالول وعزام الأحمد، في المقاعد الرسمية لحركة "فتح" في المنظمة، فيما سيدفع لعضوية المستقلين كلاًّ من نبيل أبو ردينة، رمزي خوري، رامي الحمد لله وزياد أبو عمرو.
في المقابل، تشير المصادر نفسها إلى أنه "يتمترس في التحالف المضاد غالبية مراكز القوى الفتحاوية في المجلس المركزي، مثل جبريل الرجوب، توفيق الطيراوي، سلطان أبوالعينين، آمال حمد، ناصر القدوة، زكريا الآغا، جمال المحيسن، حسين الشيخ، عباس زكي. وعلى الرغم من أن الأسماء الأخيرة تجمعها أجندات مختلفة، وعلى خلافات بين بعضهم بعضاً، إلا أنها توحدت في موقف واحد".
ووفقاً لهذه المصادر فإنه "يوجد تمترس قوي ضد صائب عريقات، الذي يسعى لرئاسة اللجنة التنفيذية والسلطة الفلسطينية". وبحسب المصادر، فإن معارضي عريقات يأخذون عليه أنه "قفز قفزات سياسية كبيرة مقارنة بتاريخه في حركة فتح، ومن الواضح أنه ركب آخر عربة في قطار فتح لكنه يطمح الآن إلى قيادة القطار"، على حد قولها.
ويرى هؤلاء أن وجود عزام الأحمد وصخر بسيسو، في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لن يقود إلى تفرد عريقات لاحقاً، وسيبقي موازين القوى لصالحهم، وهو الأمر الذي يرفضه عباس بإصراره على وضع الأسماء المذكورة أعلاه، أخذاً بعين الاعتبار قربها منه وتأييدها لنهجه وعدم تشكيلها خطراً حقيقيّاً على عريقات في حال وصل إلى رأس المنظمة.
وفي السياق نفسه، تفيد مصادر من حركة "فتح" لـ"العربي الجديد" أنه "أمام التحدي غير المسبوق الذي يواجهه عباس داخل فتح، لأول مرة منذ توليه رئاسة السلطة والمنظمة في عام 2005، خرج يوم الإثنين بقرار لإجهاض طموحات حلف المركزية المعارض له، ومفاد هذا القرار الذي تتم مناقشته الآن في البيت الفتحاوي أنه لا يحق لمن ترشح لانتخابات اللجنة المركزية لحركة فتح في المؤتمر المخطط عقده في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الحالي، أن يُنافس على مقاعد اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير".

ووفقاً لمصادر حركة "فتح"، فإن "عباس عكس قواعد اللعبة التي وضعها بنفسه، إذ كان يسعى من وراء عقد المجلس الوطني قبل عقد المؤتمر السابع لحركة (فتح) الاستقواء بشرعية أعضاء الحركة في اللجنة التنفيذية، الذين رشحهم ودعمهم، بحيث يصار لانتخاب ذات الأشخاص في اللجنة التنفيذية أو حلفائهم للجنة المركزية لحركة فتح، التي كان يطمح إلى تغيير جذري فيها، لكن من الواضح أنه أسقط بيده".
ويخشى مقربون من الرئيس الفلسطيني أن يقوده الوضع الراهن من عناد أقطاب مركزية "فتح"، وعدم استطاعته هندسة المنظمة و"فتح" كما يريد، إلى إستقالة فعلية.
وفي السياق نفسه، يقول المحلل السياسي، هاني المصري، الذي أطلق عريضة تطالب بتأجيل عقد المجلس الوطني تحت عنوان "نحو مجلس وطني يعيد بناء الوحدة"، إنّ عباس "كان يريد أن تكون منظمة التحرير وفتح أكثر طوعاً له مما هي عليه الآن، لكن أمام العنصر الحاسم، وهو أزمة فتح، إلى جانب التطوارت الأخيرة من مقاطعة الشعبية، وتوقيع ألف شخصية وطنية على البيان، أمام عباس خياران إما أن يرجع إلى الوراء أو يرحل".
ويشير المصري إلى أنّ "تأجيل المجلس الوطني جعل عباس في مأزق أكثر مما سبق، ومطلوب منه أن يتجاوب مع المنظمة وفتح والشعب، أو أن يرحل، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ربما يفجر مفاجأة أمام الجمعية العمومية في الأمم المتحدة نهاية الشهر الجاري، عبر تقديمه استقالته أمامها، وبالتالي تسليم مفاتيح السلطة للأمم المتحدة وليس لإسرائيل كما كان يقول سابقاً".

اقرأ أيضاً مشعل: عقد المجلس الوطني الفلسطيني سيعمّق الانقسام

المساهمون