رداً على بلال فضل: اتّحدوا فإنها تدور

14 يناير 2015
الصورة

من مظاهرات في مصر أطلق عليها "مظاهرات ضد الانقلاب"(12يناير/2015/الأناضول)

+ الخط -
من العجيب أن يضع لك كاتب مغالطة منطقية كبيرة مسلَّمةً، لينطلق منها إلى سيل من المغالطات تبنى على الأولى، ولا مانع من استخدام الإرهاب الفكري، والأحكام غير المستندة إلى وقائع، أو الأحداث التي كانت غامضة، في وقت حدوثها، ثم انقشع الغبار عنها، وهناك فرق شاسع بين قول الحق الذي يراد به باطل، وقول الباطل الذي اجتمعت إرادته مع قوله. ومن الأمثلة الجيدة على ذلك، من وجهة نظر كاتب هذه السطور، مقال "اتحدوا معنا يلعنكم الله" في "العربي الجديد" في الثامن من يناير/كانون الثاني الجاري، لكاتبه بلال فضل. بدأ المقال بالتشكيك والسخرية من ثقة مناهضي الانقلاب في مصر بالنصر، وبعدما اختزل الصراع في ثنائية العسكر والإخوان المسلمين، بالضبط كما يسوق الانقلاب للأزمة، ثم السخرية من الشعب الذي وقف أمام الصناديق في انتخابات متعددة بتجاهل شرعيته، وجعلها (شرعيتهم) أي "الإخوان" ولا أعلم إلى متى سيظل مثقفونا ونخبتنا يستصغرون الشعب، ويقفزون على إرادته، ويتجاهلونها بسوء أو حسن قصد؟ وإلى متى سيحاربون طواحين الهواء، ليثبتوا أن العلبة فيها فيل، كما تفعل الدبلوماسية المصرية في تسويقها الانقلاب، وأن القضية ليست إلا مصالح لحزب أو جماعة. وبالطبع، تدرك نخبتنا ما لا يدركه الشعب، وتعلم ما لا يعلم، وأنه غير مؤهل لديمقراطية الصناديق التي تمتلئ وفق رؤيتهم بالشعارات الدينية، أو الرشى العينية، في أكثر الأحوال، ما يجعل من الطبيعي القول بشرعيتهم، بدلاً من شرعيته، ويغمضون العين عن أسباب اختلاف نسبة مشاركة الشباب في الانتخابات، قبل الانقلاب وبعده، على الرغم من وجود عاملي الدين والرشى بكثافة، وعبر الإعلام الرسمي.
القضية الأساسية البدهية هي الانقلاب على اختيار الشعب الذي تم التعبير عنه بانتخابات حقيقية، لم يشكك فيها منصف، تبتعد عن التزوير والتسعات الشهيرة والنتائج المعلومة مسبقاً، والتي عادت بقوة بعد الانقلاب، مهما كان اختيار الشعب؟ إذن، هي ليست شرعية حزب أو جماعة أو رئيس بعينه، بل شرعية شعب هَرِم من أجل هذه اللحظات التاريخية، والتي تمت سرقتها بحفلة الساعات الأربع في 30 يونيو/حزيران 2013 فوق ظهر الدبابات، والتي لم تكتمل كما أراد المخرج، فتدخّل بنفسه في مشهد 3 يوليو/تموز الشهير بالإعلان الرسمي عن الانقلاب على كل شيء تم انتخابه من دستورٍ ورئيسٍ ومجلس شورى.
من يحاول أن يتجاهل حقيقة الانقلاب، ويختزلها في من نجح في الاستحقاقات الانتخابية، حقيقة كان كمن حاكمَ عالم الفلك، غاليليو، عام 1616، على إثباته بالتليسكوب أن الأرض تدور حول الشمس ومنعوه من الكلام، فصمت غاليليو، لكنه كلما مر به أناس، قال: ولكنها تدور. ..ولأن النخبة في مصر تملك الحكم بثيوقراطية "الإخوان" وديكتاتوريتهم، وإرهابهم بذلك السوط، حتى يعتزلوا السياسة، وتتحدد إقامتهم، ولو فعل "الإخوان" ذلك، لانتهت الثورة، كما يرى المفكر رفيق حبيب في دراسته (ثورة بلا إخوان حتى لا تنتصر)، فهي حق الشعب وشرعيته، ولكنها تدور.
ويقرر بلال فضل من واقع قراءته العقليةَ الإخوانية، وهي أنهم (لن يستجيبوا لأي مبادرات للصلح أو للتهدئة، إلا بعد أن يفقدوا الأمل في انبعاث موجة ثورية قوية). وينشر معلومة من مصادره أن عبد الفتاح السيسي أرسل مستشاره الأمني إلى قادة "الإخوان" في السجون لعرض الصلح، لكنهم رفضوا، أي أنهم لم يفقدوا الأمل بعد، وفقاً لتلك القراءة. ومع عدم الثقة في تلك المصادر السرية، وبفرض صحة ما ذهب إليه المقال، فهل يعد رفض التفاوض على شرعية الشعب ودماء الشهداء من الحسنات، أم أنه كان من الأفضل استغلال الفرصة، والحصول على مكاسب لتلك الجماعة، وتخفيف الضغوط عن أفرادها، رجالاً ونساءً وفتيات، وقادتها الذين يدفعون ثمن حرية الشعب من دمائهم وأموالهم؟ خصوصاً كما قرر فضل أن "الإخوان" يدركون أن نظام الانقلاب (لا يصفه بذلك) لن يتردد في مزيد من القمع، فهل تجب تحيتهم أم رجمهم؟ وهل يستقيم ذلك مع التشكيك في ثقتهم بنصرة قضيتهم؟
ثم يسوق المقال ادعاء يتعدى المغالطات إلى ما هو أكثر من ذلك، بأن المحكمة أتاحت للرئيس محمد مرسي الحديث مباشرة إلى الرأي العام، فرفض وطلب جلسة سرية. والمتابع لمهزلة المحاكمة يعرف أن طلب الرئيس جلسة سرية لم يكن عوضاً عن فرصة أتيحت له، وأن السياج الزجاجي خير دليل على عدم صدق تلك الرواية، ويا ليت الكاتب يتثبت من ذلك، ويعتذر لقرائه عن خطئه الذي قد يكون غير مقصود.
أما ما قرره المقال بأن نظام الانقلاب يمتلك غطاءً شعبياً، يتسامح مع جرائمه، فغالب الظن أن تلك الكلمات لا تعدو أن تكون سخرية في موضع الجد، فهذا الغطاء الشعبي كمن التحف السماء في موجة البرد القارس التي تمر بها مصر هذه الأيام.
على الجميع استشعار أهمية المرحلة، وأن الوقوف أمام الظلم لا يحتاج إلى دعوة خاصة، مرفق بها اعتذارات ووعود، ولن يتحول الباطل إلى حق بالنيل من المقاومين وإرهابهم وتهديدهم بعدم نصرتهم، إلا إذا تخلوا عن مبادئهم وأفكارهم، والنيل من حريتهم في التفكير واعتناق الأيديولوجية التي يؤمنون بها، وعلينا، جميعاً، أن نحرر القضية من المعارك الوهمية والتخلص من ظاهرة (الإخوانوفُبيا)، وعدم تجاهل الشعب وحقه في الحياة والحرية، فحرية مصر وتخليصها من استبداد حكم العسكر وقهرهم وظلمهم أكبر بكثير من محاربة المخالفين في الأفكار، لمجرد أنهم يصلون إلى المواطن البسيط، وكما قال غاليليو: ولكنها تدور.