ذكرى ميلاد: الطاهر وطّار... آخر الكلام

15 اغسطس 2020
الصورة
(الطاهر وطّار في بورتريه لـ عماد حجاج، العربي الجديد)

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها في محاولة لإضاءة جوانب من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، 15 آب/ أغسطس، ذكرى ميلاد الروائي الجزائري الطّاهر وطار (1936 - 2010).

 

قبل شهرَين من رحيله في الثاني عشر من آب/ أغسطس 2010، أقام الطاهر وطّار في منزل الصحافي والمخرج الجزائري محمد الزاوي بقرية مونفرماي في ضواحي باريس التي زارها الروائيُّ الجزائري في رحلة علاجية بين 2009 و2010 قضى معظمها في "مستشفى سان أنطوان".

سبق للزاوي أنْ أنجز عدداً من الأفلام الوثائقية القصيرة. وكانَ وُجود الروائيِّ الجزائري البارز، الذي تمرّ ذكرى ميلاده اليوم، في منزله مُغرياً لإنجاز فيلمٍ وثائقي جديد لم يكُن مخطّطاً له من قبل؛ بل إنَّ كلّ شيء بدأ صدفةً: يبدأ وطّار في دندنة أغانٍ بالعربية والشاوية وهو مستلقٍ على أريكته، فيسأله الزاوي إنْ كان بإمكانه تصوير المشهد، فيجيب صاحب "اللاز": ماذا تنتظر؟

وبالفعل، يُشغّل محمد الزاوي الكاميرا ليُصوّر الطاهر وطّار وهو يغنّي ويستعيد ذكريات طفولته في قرية امداوروش؛ مسقط رأسه بولاية سوق أهراس شرقي الجزائر، فيتحدّث عن جدّه وأبيه وخاله، ولكلّ من هؤلاء حكاية كان لها أثرها البالغ في تجربة الروائيّ الذي سيتحدّث أيضاً عن قضايا الكتابة والهوية والذاكرة.

تلك التجربة التي استمرّت طيلة أيام، سترى النور بعد أربع سنواتٍ من ذلك في فيلم وثائقي بعنوان "آخر الكلام" (2014)، بعد أنْ طعّمه المخرج بشهاداتٍ لعدّة لكتّاب جزائريّين وعرب حول الطاهر وطّار، ولعددٍ من أصدقائه وأفراد عائلته، ليكون العمل في النهاية وثيقةً بصرية تنقل بلغةٍ حميمية جوانب من حياة وطّار الكاتب والإنسان.

تلك البراعةُ في الحكي - التي يكتشفها مُشاهد الفيلم عن وطّار- يعرفها جيّداً روّاد جمعية "الجاحظية" في شارعٍ يحمل اسم الكاتب الجزائري الراحل أحمد رضا حوحو بالجزائر العاصمة، والتي أسّسها صاحب "الشمعة والدهاليز" بعد أحداث الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر 1988، التي دخلت الجزائر بعدها مرحلة التعدّدية الحزبية والجمعيات المستقلّة.

حوّل وطّار مبنى جمعيته، الذي كان مخزناً للمواد الغذائية في الفترة الاشتراكية التي كانت تلك الأحداث بمثابة بداية لنهايتها، إلى مزارٍ يقصده كتّابُ الجزائر وشعراؤها وفنّانوها من كلّ مدنها الداخلية، وقد بات بمثابة صالونٍ ثقافي ظلّ مستمرّاً حتى رحيله، ثمّ حاول من أتوا بعده إحياءه بإقامة بعض النشاطات الثقافية، قبل أنْ تؤدّي الخلافاتُ بين ورثة "الجاحظية" إلى تبديد تلك التركة.

وكان الشاعر الجزائري يوسف سبتي، الذي اغتيل منتصف التسعينيات، أحد مؤسّسي الجمعية التي تولّى منصب أمين عام لها، وهو الذي سيظهر في شخصية الشاعر في رواية "الشمعة والدهاليز". وظلّ وطّار يقتبس شخصيات روايته من شخصياتٍ حقيقية سمع عنها أو عرفها عن قرب؛ كما هو الحال بالنسبة إلى المناضل اليساري الذي اغتاله رفاقه في الثورة الجزائرية العيد العمراني، الذي سيُصبح بطلاً لرواية "اللاز"، أو رئيس حزب "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" عبد القادر حشاني الذي سيظهر باسمٍ آخر في "الشمعة والدهاليز"، أو عضو "جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين" عبد المجيد حيرش الذين سيظهر في رواية "الزلزال".