دفاع الحريري عن السعودية: اضطرار أو اقتناع؟

25 أكتوبر 2018
الحريري ملتقياً الملك سلمان أمس في الرياض (واس)
+ الخط -
لم يتأخر رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، في الإدلاء بدلوه دفاعاً عن حكام السعودية في جريمة قتل الإعلامي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في تركيا، رغم كل ما فعله هؤلاء بالحريري الابن قبل عام من اليوم، بإجباره على تقديم استقالته كرئيس لمجلس الوزراء وإهانته وربما ضربه من قبل سعود القحطاني، اليد اليمنى لولي العهد محمد بن سلمان، والذي، أي القحطاني، لطالما تباهى علناً بأنه لا يمكن أن يقدم على أي فعلة أو سلوك إلا بأمر من سيده، أي محمد بن سلمان شخصياً. من غير المعروف ما إذا كان الحريري قادراً على التزام الصمت أمام وحشية الجريمة السعودية الرسمية، أم أنه كان مرغماً على الانخراط في آلة أبواق بروباغندا المملكة لتكرار معزوفة "استهداف السعودية ودورها"، أو أنه، كما يقول، ربما لرفع الحرج والإهانة، مقتنع بدفاعه عن الرياض حتى أمام مثل هذه الجريمة بما أن "السعودية بيتي"، مثلما قال قبل أيام في إطار تبريره لمواصلة التصاقه بالمواقف السعودية الرسمية في كل مرة تواجه المملكة أزمة، وما أكثرها في عهد حكامها الجدد مع الملك سلمان وأبنائه.

صحيح أن الحريري انتظر بضعة أيام قبل الانخراط في موجة المرحبين بالاعتراف السعودي بجريمة إعدام خاشقجي، والمنددين بـ"حملة استهداف المملكة"، إلا أنه قرر أخيراً النزول إلى المعركة بكل ثقله، فأصدر مجموعتين من التغريدات المكررة والبليدة دفاعاً عن السعودية أمام "الحملة التي تستهدفها"، قبل أن يتوجه إلى مؤتمر الاستثمار في الرياض (دافوس في الصحراء)، حيث لم يجد سوى عدد قليل جداً من المشاركين السياسيين ممن ذهبوا إرضاء للقيادة السعودية لعلها تعفي بلدانهم من ديون مستحقة لها عليهم، مثل رئيس وزراء باكستان عمران خان وملك الأردن عبد الله الثاني، وسط مقاطعة عالمية سياسية وإعلامية ومالية شاملة للمؤتمر على خلفية جريمة إعدام خاشقجي.

وتريث الحريري قبل أن ينضم إلى المدافعين عن حكام المملكة أمام فظاعة الجريمة التي تتحمل مسؤوليتها، ربما لأنه أدرك أن أي دفاع عن المملكة، خصوصاً في هذا الملف، قد يصيبه بشظايا سياسية وبانهيار ما تبقى من شعبيته، قبل أن يكتب على "تويتر" أن "الإجراءات التي اتخذتها المملكة بشأن قضية الصحافي جمال خاشقجي، تصب في الإطار الذي يخدم مسار العدالة والكشف عن الحقيقة كاملة". ويضيف أن "توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، من شأنها أن تضع الأمور في نصابها الصحيح، وتساهم في رد الحملات المغرضة التي تتعرض لها المملكة"، من دون أن ينسى التشديد على "استقرار السعودية وسلامتها"، العبارة المطلوب أن تصدر عن كل أتباع المملكة وحلفائها في هذه المرحلة.

لكن الملاحظ أولاً أن الحريري لم يأت على ذكر ولي العهد محمد بن سلمان، بل اكتفى بالإشارة إلى والده، وهو ما يعد إشارة ضمنية إلى تعويل الحريري على الملك وليس على ولي عهده، خصوصاً أن الحريري تحدث مراراً عن العلاقة الأبوية التي تربطه بالعاهل السعودي. كما أن عدم ذكر ولي العهد ربما تهرّب من تبرئة الأخير من جريمة القنصلية في إسطنبول، خصوصاً أنه عادة ما يتم الربط بين الملك وولي عهده في مختلف البيانات المتعلقة بالمملكة.

أما الملاحظ ثانياً، فكان توقيت التغريدات التي استبقت موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم الثلاثاء الماضي، وهو ما جنّب الحريري موقفاً محرجاً بين المملكة وتركيا، ليضاف إلى الحرج المتكرر في كل مرة يُسأل فيها عما حصل معه في السعودية (في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017)، حين يردد في كل مرة: "لم أكن محتجزاً، السعودية بلدي وهذا الموضوع يجب وضعه في الماضي وانتهينا".



ربما تصلح العلاقة بين الحريري والسعودية للحديث عن التحول الحاصل في سياسات المملكة في المنطقة، وفي التحول لجهة تعاطي حكام الرياض مع أتباعها ومع حلفائها بقلة احترام موصوفة. لقد حمل وصول الملك سلمان إلى السلطة ولاحقاً نجله محمد بن سلمان إلى ولاية العهد، محاولة لقلب السياق التاريخي لسياسات المملكة، فتحولت إلى نظام بات يوصف لدى النخب السياسية الغربية ولدى صحافتها بأنه نظام بوليسي. ولا شك أن المملكة لم تعد تعتبر الحريري ابناً لها، ولا حتى حليفاً، بخلاف ما كان عليه حال والده الراحل رفيق الحريري. الأخير لم يكن يوماً تابعاً سعودياً، بل كان حليفاً ومستشاراً وشخصاً لديه حظوة وكلمة مسموعة في أروقة المملكة التي بنى فيها مجداً شخصياً على صعيد الأعمال، وطبعاً كان للمملكة فضل عليه لناحية الاحتضان والرعاية وتحصيل الثروة والسلطة السياسية.

كانت المملكة تاريخياً داعمة أساسية لسنة لبنان، لمؤسساتهم الخيرية، كما لزعاماتهم السياسية، من جمعية المقاصد، إلى دار الأيتام الإسلامية، ودار الفتوى، وصولاً إلى قياداتهم السياسية، لكن الحريري الأب أدخل المملكة إلى لبنان من بوابته العريضة، وتحديداً من بوابة الإعمار وبوابة رئاسة الحكومة، والصداقة الشخصية التي جمعته بالملكين فهد بن عبد العزيز وعبد الله بن عبد العزيز، في مرحلة سبقتها مرجعية مصرية أحادية إقليمية لهذه الطائفة.

لقد تحول الدور السعودي في لبنان بعد اتفاق الطائف (1989)، وبعد وصول الحريري الأب إلى رئاسة الحكومة، وبعد المساعدات الاقتصادية الخليجية، إلى دور فعّال ومؤثر، وسحب الورقة اللبنانية من اليد المصرية، فباتت مرجعية الطائفة السنية في السعودية لا في مصر. عملياً منذ عام 2005، شهدت السياسة السعودية في لبنان تخبطاً واضحاً، بداية عبر التخلي عن الحلفاء، وصولاً إلى عدم مراعاة الحالة اللبنانية في السياسات السعودية. ما أدى إلى تسليم لبنان عملياً بالكامل إلى إيران ووكلائها المحليين ممثلين بحزب الله. هكذا طُلب يوماً من سعد الحريري زيارة دمشق عام 2009، حيث يقطن من يتهمه بأنه قاتل والده (بشار الأسد)، في إطار مرحلة عرفت بـ"سين سين" (سعودية وسورية). ثم أتت حادثة الاستقالة القسرية للحريري من الرياض في الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، واحتجازه هناك، لتلخص الحال التي وصلت إليها العلاقة بين آل الحريري والمملكة، خصوصاً لجهة عدم احترام السعودية لحلفائها ولا حتى أتباعها اللصيقين.



تركت الحادثة أثراً سيكون صعباً أن يتم تجاوزه من قبل الحريري بسهولة، خصوصاً وسط ما يحكى ويقال عن سوء معاملة تعرض لها الحريري هناك، وتحديداً من قبل مستشار ولي العهد السعودي سعود القحطاني، إذ تقول وكالة "رويترز" إنه تعرض لإهانات وضرب من قبله. قد لا يسرد الحريري ما حصل معه هناك، لكن في المقابل يبدو كافياً ما صرح به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو حتى القيادات اللبنانية، عن الاحتجاز، وإرغامه على الاستقالة بالقوة من رئاسة الحكومة، للدلالة على أن السعودية لم تعد تتعامل مع الحريري لا باحترام ولا بوصفه حليفاً أو شريكاً، بل استعملت معه أسلوباً لا يمت إلى الندية بين الدول بصلة، مستندة إلى أنه مواطن سعودي (وكأن السلطة مسموح لها أن تتعامل مع مواطنيها كيفما تشاء!).

لا يمكن الحديث عما تعرض له الحريري من إهانة علنية، إلا مع تذكر يوم عاد والده من سورية ويده مكسورة في سبتمبر/ أيلول عام 2004، قبل بضعة أشهر من اغتياله في فبراير/ شباط 2005. يومها قال الحريري إن الكسر حصل بسبب زلة قدم، على الرغم من تسريبات أشارت إلى أنه تعرض للضرب من قبل رستم غزالة، الحاكم العسكري السوري للبنان في حينها.

لم يكن سهلاً أو وارداً أن يقول الحريري الأب يوماً إن غزالة اعتدى عليه، أولاً بسبب صورته كأقوى رجل سياسي في لبنان، وثانياً لأن ذلك كان يعني فتح حرب بين لبنان وسورية، التي كانت في ذلك الوقت تمسك زمام الأمور في لبنان، ليس سياسياً فحسب بل أمنياً أيضاً. وفي كل الشهادات التي تليت أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية الحريري أخيراً، تم تأكيد رواية الضرب وسوء المعاملة السورية المذكورة.

يبدو واضحاً من هذه المقارنة أن سعد الحريري، ومن منطلق سياسي، لن يكون بمقدوره الحديث عما حصل معه في السعودية. أي حديث من هذا النوع يعني قطع علاقته بالمملكة، وتالياً ضرب تياره السياسي وقاعدته الشعبية، التي ستكون أمام اختبار حساس بين مرجعيتها السياسية المحلية ومرجعيتها الإقليمية.

عملياً، أنهت السعودية الحريري مالياً. وقوفها موقف المتفرج أمام انهيار شركة "سعودي أوجيه" (إمبراطورية الحريري للمقاولات التي بناها رفيق الحريري في السعودية)، لا يمكن اعتباره إلا مقصوداً، خصوصاً أنه يحكى عن مبالغ كبيرة لها بقيت في ذمة الدولة السعودية ولم تدفع، ما أدى إلى تراكم الديون وانهيار هذه الإمبراطورية، فضلاً عن سوء الإدارة في الشركة وتفشي الفساد الموصوف فيها.

منذ سنوات، يحاول الحريري أن يُظهر تمايزاً ضمنياً عن السعودية في أكثر من ملف. في لحظة الأزمة الخليجية وحصار قطر، اختار الحريري تسجيل موقف خجول مع الرياض ضد الدوحة، مستنداً إلى موقعه على رأس الحكومة، وإلى سياسة النأي بالنفس عن صراعات المنطقة. وفي العلاقة مع تركيا، من المعلوم أن صداقة عائلية شخصية تربط الحريري بالرئيس رجب طيب أردوغان فضلاً عن أعمال ومصالح مالية تربط آل الحريري مع تركيا. لكن موقفه "المتضامن" مع الرياض في جريمة اغتيال خاشقجي، حتى ولو جاء محصوراً بتأييد الملك سلمان، قد لا يفعل سوى تعميق أزمة الرجل الذي نقل مقر إقامة عائلته من السعودية إلى باريس ولندن بعد احتجازه في الرياض العام الماضي، ولكنه لا يزال متمسكاً بالجنسية السعودية التي يحملها، وبإبقاء روابطه السياسية مع حكامها، فلا هو قادر على كسر العلاقة معهم، عبر سرد حقيقة ما حصل معه قبل عام من اليوم في السعودية وتسمية من أمر بإهانته هناك، أي محمد بن سلمان طبعاً، ولا هو مهيأ لطي الصفحة بالكامل طالما أن من أهانوه أو من أمروا بإهانته وبإرغامه على الاستقالة بهذا الشكل المريب، لا يزالون يحكمون المملكة.