دائرة العنف بين يونس قنديل والقنصل السعودي

18 نوفمبر 2018
الصورة

يونس قنديل ومحمد العتيبي

+ الخط -
حين أُعلن عن اختفاء رئيس مجلس أمناء مؤسسة مؤمنون بلا حدود (البحثيّة)، يونس قنديل، في عمّان، ثم العثور عليه بعد ساعات وعليه آثار تعذيب سادية، وما أذيع حينها، أو (بلفظٍ أدق) أذاعته بعض الأطراف عن علاقة هذا الحدث بمؤتمر بحثي عنوانه "انسدادات المجتمعات الإسلامية والسرديات الإسلامية الجديدة"، كانت المؤسسة تحضر لإقامته في أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، إلا أن السلطات الأردنية منعت انعقاده، حينها تداعت إلى أذهان كثيرين تفاصيل مقتل الكاتب الأردني ناهض حتر على خلفية كاريكاتور رأت الدولة حينها أنه يستحق عليه المحاكمة، وهي الإدانة المسبقة التي لا يحتاج أي متطرّف أكثر منها، ليأخذ بيديه ناصية القانون، ويقيم هو حد الدولة التي ارتأت نفسها مدافعةً عن السماء، تمامًا مثله!
لكن الأمر لم يكن كذلك في حالة قنديل، وهو، وإنْ كان لا يُعفي الدولة من دورها الأساسي في المأساة/ المهزلة، إلا أن ذاك أمر آخر، أنه يعرّي جانبًا أعمق من المأساة، فالرجل، كما أفاد بيان الأمن، مدعومة باعترافاته هو وشريكه في الكذبة، اختلق السيناريو كاملًا. يبدو أن المأساة قد تخففت عن المهزلة في جانبٍ منها، وأخذت شكلًا جسديًا مختلفًا، فما أن أعلنت هذه التطورات حتى بدا العنف، كفكرة كثيرًا ما قوبلت بالاستهجان والرفض، أداةً مشروعة ومبرّرةً لنقد العنف وتجريمه، على مستوى الخطاب، أعني بشكلٍ أبسط: ألا يرى قنديل في فداحة فعلته ما يوازي، إنْ لم يتفوق على عنف جماعات الإسلام السياسي، المتهم الكليشيه في أمور كهذه، ويُبطل دعواه أنه ومؤسسته يقفان نبراسًا للتنوير ونبذ العنف المؤدلج/ المؤسلم؟
لا حديث هنا عن لا أخلاقية الادعاء واستغلال الموقف، فهذا أمر لا مزيد قولٍ فيه، وهو على هذه الفجاجة من السقوط الأخلاقي، واستغلال حاجة الشعوب العربية لتأكيد رفضها العنف 
الممأسس، وهي حاجة تستنزفها الشعوب في هذا العصر المليء بالعنف الذي لا يخلو من تواطؤ ولو بالسلب، عنف يمتد من منظومات دولٍ تستدرج مواطنيها إلى سفاراتها لتقطع أجسادهم على ألحان الموسيقى، بعد أن رأت أن الإخفاء القسري ليس كافيًا، وصولًا إلى أفرادٍ يعيدون إنتاج هذا العنف على أجسادهم بالكذب. لا بد لكل أشكال هذا العنف أن تمر بعدة أشكال من المأسسة؛ العائلة، الحزب، العشيرة، الجماعة، الطائفة وغيرها، والآن البحث العلمي.
لكن علينا هنا أن نتأمل أمرًا آخر، وهو دائرة العنف التي تتسع حولنا، باعتباره (العنف) من أشكال فرض المعاني الأحادية. إذ لم يعد وسيلة الأنظمة أو المؤسسات المعنية تقليديًا به، كالأحزاب الدينية والأيديولوجية والأنظمة، وغيرها، بل بات أيضًا وسيلة من يتذرّع بالتنوير والتحرير، والأمر ليس نادرا، فالمعتزلة الذين كانوا رمزًا تحريرًيا وفكريًا في التاريخ الإسلامي كان لهم، أيام الخليفة المأمون، استخدام شكل من أشكال العنف بفرض معنى واحد على الناس، كما كان الأمر فيما عرفت بمحنة خلق القرآن، حين عزل الخليفة كل قاضٍ لم ير بمثل ما يرى.
السؤال: كيف يمكن تدارك ما حدث من مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، طالما أن العنف أمرٌ ممأسس، وأن مديرها فعل ما فعل بغرض فرض رؤيته لمعنى أحادي عن "الإسلام السياسي" كما يراه هو ومن وراءه؟ هل يكفي اعتذار هذه المؤسسة، وتجميدها عضوية قنديل فيها إلى حين بتّ الجهات القضائية الأردنية في أمره؟ ماذا عن باقي أشكال فرض المعنى الأوحد من المؤسسة، ماذا عن باقي منابرها (الإعلامية منها) التي تستخدم خطابًا شعبويًأ مسيئًا، لا يختلف، في لغته، عن خطابات الجماعات المتطرّفة، خطاب ليس فقط مؤدلجًا، ماذا عن منابر تتعمّد تزوير حتى الاقتباسات لفرض هذا المعنى؟ ما فعله يونس قنديل ليس إلا امتدادًا لشكلٍ من أشكال الخطاب المعتمد من المؤسسة، في أمر "إسلام سياسي" تختلف معه (الإخوان)، في مقابل إسلام سياسي آخر تتفق معه (الوهابية)، بحكم التمويل.
إلى أين تمتد دائرة العنف بنا/حولنا، في هذا الحدث غير المنفصل عن سياقه؟ ثمّة دائرة عنف تتسع، لتلتهم كل ما حولنا وفينا، وتتسّرب إلى مسامنا، فبين دولةٍ ذبحت في نهار واحد ما يزيد
 عن الثلاثة آلاف متظاهر وأحرقت جثثهم وكرّمت قاتلهم إلى أخرى حاكمت ناهض حتر ووقفت في صف قاتله، من حيث المبدأ، قبل أن يطلق الأخير رصاصته ورصاصتها عليه، إلى ثالثةٍ يتباهى أحد رموزها بأن "الأسلحة العادية كافية، فلماذا نستخدم الكيماوي" لقتل الشعب؟! إلى غيرها تستدرج مواطنها لتذبحه وتذيبه، وتجادل العالم بمجموعة أكاذيب مضحكة ومخجلة، لا خيال فيها، تفترض غباءنا قبل أن تؤكد غباءها، وصولًا إلى إداريٍّ في مؤسسة بحثية يفعل بنفسه ما فعل، من أجل أن يفرض علينا شكلًا أحاديًا لفهمه هو ومؤسسته للعالم، ولموقفه هو وإيّاها، الآخر.
فداحة الأمر في قصة قنديل أنه تفوق على القنصل السعودي في إسطنبول، هرب هذا إلى بلاده بعد بدء التحقيقات في جريمة قتل جمال خاشقجي. لم يستطع إخفاء ارتباكه عن العالم، حتى وإن كذب وتواطأ وشهد الجرم، أما قنديل ففعل ما هو أسوأ وأحقر؛ إذ استجلب العنف على جسده وعرضه وتباهى بنخاسته، ليفرض رؤاه علينا، ولو كان الثمن دمه وجلده وكرامته ومؤسّسته.
يتسلل العنف إلى مساماتنا وأرواحنا، على غير تربّص، ووعي منا في كل الأحوال، فصنيع يونس هذا ورّطنا، حتى وإن كنا قد دافعنا عنه في بداية كذبه، في شيءٍ من التواطؤ مع العنف والعنف المقابل، والتغاضي عن كثير من مصادر العنف الممأسس اليومي في حياتنا، أعني سلطة منع الآخر من الحديث عن الله، مشتركنا الأول. هل أصبح العنف خبز يومنا إلى هذا الحد من استجلابه على جلودنا؟ ألا يعد النظر باعتباره تماهيًا من أشكال التواطؤ، ألم يع يونس وغيره أننا، في عصر الصورة، نصبح أجزاءً من كل ما نراه؟ ألا يعني هذا أن ما وقع على جلده، حتى ولو كذبًا، قد وقع على جلودنا نحن فعلًا، لينفذ من مساماته الكثير؟