خِطاب أمير قطَر.. إعادة الاعتبار للمثل العليا

21 سبتمبر 2017
الصورة

أمير قطر.. الأمن والسلام والعالمي أمام الأمم المتحدة (19/9/2017/Getty)

+ الخط -
أولاً ينبغي الإشارة إلى أن سفر أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إلى الخارج في ظلّ الحصار الذي تفرضه ثلاث دول مجاورة على بلاده، يدلّ على أمرين رئيسيين. الأول صلابة الجبهة الداخلية القطرية وعلاقة الثقة المتبادلة بين الشعب القطري وقيادته. فعلى الرغم من محاولة المحور الخصم افتعال كلام عن حدوث انشقاقات وهزّات داخلية، وجمع "معارضين" متخيلين في مؤتمرات لا يحضرها أحد، بقي المجتمع القطري ونخبه ثابتين في وجه الأزمة. وأظهر الحصار للعالم شخصية الأمّة القطرية المتماسكة التي تتفق على فكرة قدسية الحدود القطرية، ومبدأ السيادة غير القابل للنقاش. الأمر الثاني ثقة قطر بحلفائها الخارجيين، وتيقنها أن دوَل الحصار أصبحت عاجزة أمام نشاط الماكينة الدبلوماسية القطرية، المتميزة بنفَسها الطويل في إدارة الأزمة، وقدرتها على المناورة ضمن هامش واسع من الخيارات العقلانية والبطاقات الرابحَة. حيث تحركت الدبلوماسية القطرية، منذ الساعات الأولى للحصار، وأقصت باكرا فرضية "انتظر وترقب"، وذلك دليل على حسن قراءة قطر سلوك محيطها الإقليمي، وكذلك قدرتها على التنبؤ بتحركات الدول المقاطعة وحدود سياساتها.

استطاعت قطر، عبر خريطة التحالفات التي نسجتها، كبح جموح خصومها. والمثير للإعجاب تمكّن قطر، في الأيام الأولى للحصار، من اختراق المؤسسة السياسية الأميركية، وكسب تأييد
سياسي بمعزل عن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ولتصوغ مع الولايات المتحدة تفاهما ثنائيا موقعا لمكافحة الإرهاب، جعل الاتهام الموجه لها مجرد تصريح إعلامي فارغ من المحتوى.
حمل خطاب أمير قطر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أول من أمس الثلاثاء، قراءة نقدية شخّصت حال النظامين الإقليمي والدولي. وحمَل المجتمع الدولي مسؤولية ما يحدث بسبب المواقف المتطرّفة التي تتخذها الدول الكبرى التي لا تخرج عن ثنائية اقتحام البيئات الوطنية بعنف، وتضخيم حجم الخسائر من جهة، أو ترك الشعوب تواجه مصيرها وحيدة في مقابل آلة حرب سلطوية مستعدة لجزّ المجتمع بغرض حماية النظام. وذكّر الخطاب الذي يوصف بالشجاع العالم بالتزاماته تجاه القضايا المستعجلة الراهنة في بورما، فلسطين، العراق، سورية، ليبيا، اليمن. ورافع حول أحقية الشعوب في تقرير مصائرها في إطار سلم عادل، يكفل رفاه الإنسان ويحفظ كرامته.
وفي ما يتعلق بقضية الإرهاب، يبدو أن قطر تدشن مقاربة جديدة، تعيد فيها مفهَمَة الظاهرة الإرهابية، وتضع الحرب عليها في الطريق الصحيح. ربط خطاب الأمير استفحال الإرهاب بتفشّي الأنظمة الاستبدادية والقمع الذي تمارسه في حقّ مواطنيها، فتصبح سجون الاستبداد مصانع تفرّخ الإرهاب الذي يسهم في تقويض الأمن والسلم الدوليين. كان خطاب قطر الأمني غاية في الدقّة، إذ لا ينبغي مكافحة الإرهاب الذي يطفو على السطح على حساب أرواح المدنيين، بل يجب الغوص لتعرية الجزء المغطى من جبل الجليد. لم تتوقف رؤية قطر النقدية عند هذا الحدّ، بل تعدّته إلى تسليط الضوء على ازدواجية المعايير التي يتعامل بها الغرب مع الإرهاب طبقا لهوية فاعليه، وكذلك جعل الظاهرة لصيقة بهوية مجتمعية ودينية معيّنة، فالإرهاب ظاهرة عالمية مرتبطة بقوّة بطبيعة الأنظمة الحاكمة التي تدفع الأفراد إلى العنف، لتستثمر بعد ذلك في محاربتهم، ما يجعل الإصلاح والديمقراطية أوراقا ثانوية، تحرقها ورقة محاربة الإرهاب.
يُحاول أمير قطر جعل ما صار يعرف بمبدأ تميم مبدأً دولياً ومقاربة لإدارة الأزمات وبناء
 الأمن والسلم في جميع مستوياته. المبدأ الذي ينبني على الحوار البنّاء، حسن الجوار، احترام سيادة الدوَل وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. من هذا المنطلق، أعاد الخطاب الاعتبار إلى المثل العليا والمبادئ الأخلاقية في السياسة الدولية التي طغى، وما زال يطغى، عليها براديغم القوة والمصلحة العاري من الاعتبارات الإنسانية. بحيث تصبح المبادئ المسبوقة شروطا مسبقة متفقا عليها عند البتّ في القضايا الخلافية، بما فيها قضية حصار قطر الراهنة. والملاحظ أنّ قطر لم تخرج بمبادئها عن الشرعية الدولية، وإنما استمدتها من روح ميثاق الأمم المتحدة الذي يعبّر بوضوح عن المساواة في السيّادة. لا تريد الحكومة القطرية أن يتم حلّ الأزمة عبر إملاءات خارجية، وإنمّا عبر قناعات وطنية قطرية ثابتة وواضحة المعالم.
وثمة البعد الإنساني الذي حمله خطاب أمير قطر. حيث جرت العادة أن يحيّي القادة شعوب دوَلهم، لكن الأمير تجاوز هذا نحو الإشادة بدور المقيمين على أرض بلده، والذين تعاملوا مع الأزمة بكلّ حكمة ورقيّ. سيساهم هذا الأمر، من دون شكّ، في تعظيم قوة البيئة القطرية الداخلية، والدفع بتكامل أكثر بين المواطنين والمقيمين. كما سيساهم في كسر الصور النمطية التي ترسمها مؤسساتٌ غربية عن قطر والخليج. حيث سينتبه العالم أكثر فأكثر إلى التعايش السلس الذي نجحت الحكومة القطرية في هندسته على مرّ السنين، ما جعل الوافدين إلى قطر لا يرون فيها بيئة أجنبية، بقدر ما هي امتداد لهويتهم وانتمائهم لا تتعارض مع خلفياتهم السياسية أو العرقية أو الدينية.
تجدر الإشارة إلى أن خطاب أمير قطر لم يكن سياسيا روتينيا، وإنما أتى تعبيرا واضحا عن قراءة دولة قطر، وإدراكها البيئتين الإقليمية والدوليّة. وكذلك مقاربتها الشخصية لحلّ القضايا التي تقوّض الأمن والسلم والدوليين، خصوصا ظاهرة الإرهاب. كما طرحت قطر مبادئها التي يمكن اختصارها في "مبدأ تميم"، لتكون تقليدا دوليا يتم العمل به لحلّ الأزمات والخلافات الدولية. وقد حفظت قطر بهذا للدوَل الصغيرة حقها في التعبير عن نفسها، والإفصاح عن وجهة نظرها فاعلا سيّدا على إقليمه يتمتع بشرعيتين، داخلية وخارجية. يُمكن القول إنّ قطر تحدثت بلسانٍ يرافع من أجل قضايا شعوب (ودول) الشرق الأوسط المصيرية التي تتسبب في إزهاق ملايين الأرواح، كالتدخل الأجنبي السافر، وربط الإرهاب بالهويّة وازدواجية معايير محاربته، وكذا ظاهرة الاستبداد التي تدخل الشعوب في دوائر مغلقة من الاقتتال والعنف.