خُذلان سعودي إماراتي لاقتصاد السودان...بعد عام من رفع العقوبات

20 أكتوبر 2018
الصورة
الزراعة من أبرز عوامل جذب الاستثمارات الأجنبية (فرانس برس)

عاش السودانيون عامة، وحكومتهم خاصة، أجواء من التفاؤل في يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، حينما أنهى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بقرار منه، مسيرة 20 عاماً من العقوبات الاقتصادية التي كانت واشنطن قد فرضتها على الخرطوم في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1997. 

ولم يكن التفاؤل السوداني قائماً في الأساس على مجرد رفع العقوبات، ولا أملاً في تعاون اقتصادي مفتوح مع الولايات المتحدة، التي لا تزال ترتاب سياسياً من حكومة الخرطوم، بل إن ما عزّز حال التفاؤل ووصل بها إلى مراحل متقدّمة كانت التعهدات السعودية والإماراتية للخرطوم، بمساندتها اقتصادياً خلال مرحلة ما بعد العقوبات، وتحديداً بتشجيع استثمارات كلا البلدين في السودان الزاخر بالإمكانات الاقتصادية غير المستغلة، علماً أن السودان دفع بالآلاف من أبنائه للمشاركة في التحالف السعودي - الإماراتي لاسترداد الشرعية في اليمن، ولا يزال يبقيهم هناك على رغم طول أمد المهمة وصعوبتها وكلفتها على السودانيين.

مضى عام على رفع العقوبات الأميركية، لكن المحصّلة مخيبة للآمال، وكذلك التوقعات، كما يراها الكثيرون. فقبل رفع العقوبات، بلغ إجمالي الشركات السعودية المستثمرة في السودان قرابة 512 شركة، وكان من المُخطّط أن تبلغ قيمة استثماراتها 25 مليار دولار، بيد أن المُنفَّذ منها حتى الآن نحو 11 مليار دولار فقط.

ومن مجموع الشركات السعودية هذه، تعمل 262 شركة حالياً في المجالات الخدمية، وتنشط 145 شركة في المجال الصناعي، و105 شركات في مجالات زراعية.

أما الإمارات، فإن حجم استثماراتها يُقدّر بحدود 7 مليارات دولار، في حين توجد في السودان من جنسيتها نحو 17 شركة تتوزّع على قطاعات اقتصادية متنوّعة، لكن أبرزها يُركّز استثماره في مجال صناعة الإسمنت.

قبل العقوبات كما بعدها

رئيس تحرير صحيفة "مصادر"، عبدالماجد عبدالحميد، يقول إن الأرقام المذكورة الخاصة بالسعودية لم تتغيّر مطلقاً بعد قرار رفع العقوبات، كما لم يحدث فيها تغيير حتى في ظل الأزمة الاقتصادية التي واجهها السودان منذ نهاية العام الماضي.

وأشار عبدالحميد إلى أن السودان كان خلال السنة الحالية بحاجة إلى 130 مليون دولار فقط لصيانة مصفاة النفط الرئيسية كي يتمكّن من حل أزمة الوقود الخانقة التي مرّت بها البلاد، ولم تتكرم عليه لا الرياض ولا أبوظبي بتقديم هذا المبلغ.

وأضاف أن الخذلان السعودي حدث رغم مواقف الخرطوم السياسية الداعمة للرياض حتى في قضية مقتل الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي في مقر القنصلية السعودية في إسطنبول، مُبدياً دهشته مما تقدّمه السعودية لمصر من دعم بمليارات الدولارات، فيما لا يحصل السودان على 1% قياساً بها، كما استغرب توجّه الرياض للاستثمار في إثيوبيا وإريتريا المجاورتين، مع أن هاتين الدولتين، بحسب تقديره، لا تتمتّعان بالإمكانات الاقتصادية الهائلة التي يمتلكها السودان.

وعود سخيّة ودعم محدود

الاقتصادي عادل الباز، يرى أن سقف تطلعات الحكومة السودانية كان كبيراً جداً، عندما توقعت دعماً خليجياً غير محدود، في ظل وعود سخية أطلقتها السعودية والإمارات بعنوان مشاريع وودائع مالية غير مسبوقة، مشيراً إلى أنه، بمرور الأيام، تداعى ذلك كله، ولم تحصد حكومة الخرطوم إلا رماد تلك الوعود.

وأضاف الباز في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الاستثمارات لم تتدفق، كما أن الودائع لم تصل، وانتهى الأمر إلى وضع شروط جديدة أمام الحكومة تدعوها إلى اتخاذ موقف حاسم لمصلحة دول الحصار الجائر المفروض على قطر مقابل حصول الخرطوم على الدعم.

ونبّه إلى أن السودان أخفق في جذب استثمارات كانت مأمولة بسبب عدم وجود إرادة سياسية خليجية بتوجيه الاستثمارات إليه، في الوقت ذاته الذي فشلت فيه الدولة السودانية بتسويق فرص الاستثمار المُتاحة، مستشهداً بعدم وجود خريطة استثمارية تبيّن الفرص والمشاريع المتاحة، فضلاً عن عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي في البلاد.

وشدّد على أن الرهان الاستثماري الأساسي حالياً هو رهان داخلي بتعبئة موارد القطاع الخاص السوداني وما يمكن أن يجتذبه من شركاء خارجيين.

تلبية حاجة الخليج الغذائية

لكن الباز أوضح أن الفرصة لا تزال متاحة أمام الاستثمارات الخليجية، خصوصاً أن فاتورة المواد الغذائية التي تستوردها دول الخليج سنوياً تصل إلى 15 مليار دولار، وهي متصاعدة سنوياً، مشيراً إلى أن السودان قادر على تلبية كل الاحتياجات الغذائية لدول الخليج، حيث يوجد فيه 124 مليون فدان صالحة للزراعة وغير مُستثمَرة بعد، مع وجود ميزات تفاضلية تجعل القدرة التنافسية السودانية عالية جداً.

وأشار إلى أن مستقبل الاستثمارات الخليجية في السودان يعتمد على عاملين: أولاً، تفعيل الإرادة السياسية في دول الخليج، وتوجيهها نحو ضخ رساميل ضخمة تُستثمَر في السودان، لا سيما في إنتاج الغذاء. وثانياً، قدرة السودان على إنشاء بنية تحتية من طرق وكهرباء وغيرها، ووضع سياسات وبيئة جاذبة للاستثمارات.

الاستثمار الصيني بالمركز الأوّل

وزير الاستثمار الأسبق، مدثر عبدالغني، قال إن الاستثمار الأجنبي في السودان حقق نمواً جيداً خلال الأعوام السابقة، اعتماداً على الاستثمارات الصينية في المرتبة الأولى والخليجية في الثانية، مشيراً إلى تأثر الاستثمارات الخليجية بالتطورات السياسية في اليمن وسورية وبلدان عربية أخرى، إضافة إلى تأثرها بعامل آخر داخلي يتمثل بعدم طرح مشروعات ذات أولوية والاعتماد على المشروعات الاستهلاكية دون الإنتاجية، فضلاً عن عدم استقرار السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، موضحاً أن كل ذلك قلل نسبة النمو خلال العامين الماضين.

وأبدى عبدالغني، في تصريح لـ"العربي الجديد"، تفاؤله بمستقبل الاستثمارات الخليجية في البلاد، وقال إن الفرصة تظل قائمة، وإن المستقبل يظل واعداً، بخاصة بعد السياسات الاقتصادية لحكومة رئيس الوزراء معتز موسى، والتوجّه نحو رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفقاً لتصنيف الولايات المتحدة، مع الأخذ في الاعتبار التطور السياسي في علاقات السودان مع دول الخليج، بما يشمل السعودية والإمارات.

أولوية المشاريع الزراعية

أبان وزير الاستثمار الأسبق، مدثر عبدالغني، أن أي مشروعات استثمارية في السودان يُراد لها النجاح، لا بد من أن ترتبط بسلسلة القيمة الزراعية والثروة الحيوانية والتصنيع الزراعي والأعلاف والألبان وتصنيع وتسمين اللحوم والجلود.

وشدّد على ضرورة تنفيذ برنامج لتحريك المشروعات المتعطلة، مبيّناً أن النقص الحاصل في الغذاء في المنطقة، مع عدم استقرار كثير من البلدان، يجعل السودان البلد الوحيد القادر على سد هذا النقص.