خطل الانتخابات تحت الاحتلال

خطل الانتخابات تحت الاحتلال

12 أكتوبر 2016
الصورة
+ الخط -
من بين جملةٍ طويلةٍ من المفاهيم الأميركية التي استولت على خيال المحافظين الجدد في عهد جورج بوش الابن، واستماتوا آنذاك من أجل تطبيقها في الشرق الأوسط، غداة غزو العراق عام 2003، ذلك المفهوم المتعلق بما سموها "دمقرطة" العالم العربي الذي كان بمثابة الاستثناء الوحيد على قاعدة التحول الديمقراطي الجاري في مختلف مناطق العالم، بما في ذلك إفريقيا.
كان العراق، حيث الاحتلال الأميركي المباشر، الميدان الأول لاختبار هذا المفهوم الذي لم يمر به العراقيون بعد نهاية العهد الملكي في بلدهم، فقد ضغط المحتلون على من جاءوا بهم على ظهور الدبابات، لإجراء انتخاباتٍ برلمانيةٍ على أساس تعدّدي، مفترضين أن نجاح هذه السابقة المثيرة سيجعل من العراق نموذجاً ملهماً لشعوب المنطقة، وقدوةً يُقتدى بها في المحيط العربي المجاور.
وكانت أراضي السلطة الفلسطينية، الواقعة تحت احتلال قديم، المختبر الثاني لهذا التطبيق عام 2005، أي بعد مرور نحو عقدين على أول انتخابات فلسطينية، كان مقدراً لها أن تكون أول انتخابات برلمانية وآخرها، بعد أن ارتكست عملية السلام من ألفها إلى يائها، واضطربت الأوضاع الذاتية، ولاحت بوادر انقسام، سوف يعبر عن نفسه بعد عام على إجراء آخر انتخابات تشريعية.
كانت الانتخابات الفلسطينية الأولى عام 1996، جزءاً من استحقاقات عملية أوسلو، إلا أن تعثر عملية السلام قوّض نظرية "الانتخابات تحت الاحتلال" التي انخرطت فيها معظم القوى والفصائل الفلسطينية، هذه القوى التي وجدت نفسها في معركةٍ يوميةٍ ضاريةٍ ضد الاستيطان والاحتلال، ما أسقط مسألة إجراء انتخاباتٍ جديدة في موعدها الدستوري، من جدول اهتمامات الطبقة السياسية الفلسطينية.
كان من المقدّر لأول انتخاباتٍ تشريعية فلسطينية أن تظل يتيمةً، لولا ذلك الإلحاح الأميركي الشديد على السلطة الفلسطينية، ومن جورج بوش شخصياً، على ضرورة إجراء جولة انتخابية ثانية، على الرغم من رفع تقارير إسرائيلية وفلسطينية، تنصح الرئيس الأميركي بعدم الإقدام على مثل هذه الانتخابات، في الظروف الذاتية السائدة في ذلك الوقت، كونها ستعزّز الإسلام السياسي الفلسطيني، وتزيد من شرعيته.
وبالفعل، تحققت المخاوف التي راجت عشية جولة الانتخابات التشريعية الثانية، حيث جاءت نتائجها على العكس تماماً من كل ما كانت تتطلع إليه تلك الإدارة المتبتلة في محراب مفاهيمها الشرق اوسطية الجديدة. فبعد نحو عام على تلك الانتخابات، حدث أعمق وأطول انشقاق شهدته الحياة السياسية الفلسطينية، أدّى، فيما أدّى إليه، إلى وضع مسألة الانتخابات في ذيل قائمة الاهتمامات العامة الفلسطينية.
وفيما فشلت التجربة العراقية على رؤوس الأشهاد، وتحول المثال العراقي المرجو إلى حالة منفرة تدعو إلى الرثاء، فشلت التجربة الفلسطينية في الوقت ذاته، بعد أن تحولت الانتخابات، في كلا المكانين المحتلين، إلى معول هدم، وعنصر مسارع لمزيدٍ من التفتت والانقسام، الأمر الذي فتح الأبواب والأذهان على إعادة تقييم هذه العملية التي بدت وكأنها مقحمة إقحاماً على مسار التطور الديمقراطي المنشود.
في غمرة النتائج المخيّبة للآمال، على الصعيد الفلسطيني، ثار نقاشٌ بصوتٍ غير مسموع، لدى
نخب سياسية وثقافية محدودة التأثير، حول صواب إجراء انتخاباتٍ عامة، ليس فقط تحت سلطة احتلالٍ كريه، وإنما أيضاً في ظلال الحقيقة الساطعة، بأن منظمة التحرير الفلسطينية التي أقامت أول كيان سياسي لها، وبنت هياكل تشريعية وقضائية وتنفيذية، لم تغادر مرحلة التحرّر الوطني بعد.
على هذه الخلفية، ثار بعض النقاش في أوساط خفيضة الصوت، تدعو إلى وقف الانسياق وراء بريق الانتخابات، والكفّ عن الانهماك في لعبةٍ سياسيةٍ، لم تنضج ظروفها الموضوعية بعد، معيدةً إلى الذاكرة الجمعية، أن الفلسطينيين لا يزالون تحت سلطة احتلالٍ غاشم، بدليل أنه لا احترام لمؤسساتهم المنتخبة، ولا لممثليهم في المجلس التشريعي الذين يخطفون على الحواجز العسكرية، ويقبعون في المعتقلات من دون محاكمة.
وأحسب أن هذه النقاشات الداخلية المكتومة قد وصلت إلى أسماع القيادة الفلسطينية التي تحرّرت من ضغوط جورج بوش، ومالت إلى تجميد العملية الانتخابية التي لا تقدم نتائجها ولا تؤخر في الصراع مع احتلالٍ لا يقيم وزناً لأي تعبيرٍ فلسطيني، ولا يعير بالاً إلى خيار ما إذا ذهب الفلسطينيون إلى الانتخابات أم لم يذهبوا، وهو الأمر الذي تجلى عبر تعطيل أي سعي جاد إلى إجراء جولة انتخابات تشريعية على مدى السنوات العشر الماضية.
والحق أن طرفي الانقسام الفلسطيني، في غزة والضفة الغربية، لم تكن لديهما رغبة في الاحتكام إلى صندوق الاقتراع، على الرغم من كل ما يبدو على السطح من كلام مضلل على هذا الصعيد، ففيما اكتفت قيادة السلطة الفلسطينية بالاعترافات العربية والدولية، المعزّزة لصفتها التمثيلية، تجنبت حركة حماس، القائمة بسلطة الأمر الواقع، العودة إلى الصندوق من دون أن تتأكد سلفاً أنها ستحقق نجاحاً لا يقل درجةً عن نجاحها في أول انتخاباتٍ تغامر بخوضها عام 2005. فعلى مدى السنوات العشر الماضية، لم يجر في قطاع غزة أي نوع من الانتخابات البلدية أو الطلابية أو العمالية، أو غير ذلك من أشكال التمثيل للقطاعات الاجتماعية الأخرى، حتى إن نحو 40% من سكان القطاع ممن هم في سن الانتخابات لم يمارسوا هذه الفعلة ذات يوم في حياتهم. كما أنه، حينما جرت انتخابات للمجالس البلدية والمحلية في الضفة الغربية مرتين خلال هذه الفترة، لم تسمح حركة حماس بإجرائها في القطاع المحاصر.
ليست معلومةً الدوافع التي وقفت وراء إجراء انتخابات محلية، كانت مقرّرة في أوائل أكتوبر/ تشرين الثاني الجاري، غير أنه بات من الممكن فهم أسباب تعليقها إلى نحو أربعة أشهر لاحقة، حيث تحولت انتخابات المجالس المحلية والبلدية، ذات الغايات الخدمية، إلى ما يشبه انتخاباتٍ عامة، بنكهةٍ سياسيةٍ كاملة الدسم، وهو ما أدى إلى اشتباك سياسي حامي الوطيس، وإلى تداعياتٍ سلبيةٍ إضافية على مجمل الحالة الفلسطينية المثخنة بجراحاتٍ لم تندمل تماماً.
ولعل نظرةً فاحصةً على تجربة الانتخابات تحت الاحتلال، لا سيما في الأراضي الفلسطينية، وما أدت إليه من نتائج أسهمت في حرف البوصلة، وفي تبهيت الصورة النضالية الفلسطينية، وجرّها إلى لعبةٍ لم يأزف أوانها بعد، أمر يدعو إلى عدم الأسف على تعليق الانتخابات البلدية، وربما إلى حذفها من التداول نهائياً، طالما أنه يتعذّر إجراء الانتخابات الأكثر أهمية، التشريعية والرئاسية.
45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي