خروج أم زبيدة ودخول محمد هاشم

16 يوليو 2020
الصورة

محمد هاشم في معرض فرانكفورت للكتاب (12/10/2011/ فرانس برس)

أموت وأعرف ماذا فعلت "أم زبيدة" في نظام عبد الفتاح السيسي، كي تظل رهن الحبس في السجون كل هذه السنوات؟ هل قرّر نظام السيسي، منذ البداية، أن يعاقب المساكين، كي لا يعاودوا الكرّة، ويرفعوا رؤوسهم مرة أخرى في خير جنود الأرض الذين لم يسعوا يوماً إلى حكم مصر، هل لأن انكسار عينيها ذكرهم بانكسار شعب مكسور أمام الطغيان منذ 7000 سنة، فكيف تجرؤ هذه المسكينة، وتتكلّم في ذلك الظلم الذي وقع عليها وعلى ابنتها وعلى ابنها؟ فهل آن لشعب مكسور أن يراجع الملوك والأباطرة والضباط في قسوتهم؟

سيدةٌ تذكّرك بجارتك التي تستدين من جارتها، وتعطي ابنها المجنّد لسنوات ثلاث الجنيهات كي يؤدي خدمته العسكرية، ويبحث له عن فرصة عملٍ هنا أو هناك أو يسافر إلى الخليج.

سيدة لم تتهرّب من دفع ضرائب قيمتها 665 ألف جنيه، كما فعلت هنا شيحة، ولم ترغب في أن توقِف "ثورة في يناير"، كي يعبر الموتسكل إلى بيتها في المهندسين حاملاً الريش والكباب إلى ابن أختها، كما أرادت السيدة عفاف شعيب، ولا أخذت سرير السيدة المرحومة رجاء الجدّاوي وطردتها ونامت مكانها.

سيدة تذكّرك بالسيدات الطيبات في ريف مصر وصعيدها، ولكنها تضع تحت ضلوعها كرامةً تخصّها، وتخص ابنتها التي تم التنكيل بها نفسياً وبدنياً وإعلامياً على يد عمرو أديب الذي يوقع عقد عمله بالملايين أمام الشاشات مع تركي آل الشيخ، وهو في غاية البجاحة والسرور بتلك الملايين التي يحصل عليها من "كرامة" هؤلاء، بعدما يتم تخويفهم وقطع ألسنتهم داخل غرف الأجهزة الأمنية، ويلقاهم بكاميراته شبه متسمّرين. ولكن في جانب ما من "محجر العين" هناك كرامة تم اغتصابها تدين الكاميرات، وقابض الملايين من دماء مساكين، يتم التضحية بكرامتهم من أجل أن تزداد أرصدة هؤلاء الكذبة في البنوك، ويظل المساكين كما هم عبيداً فقط للبيادة.

سيدة ممكن أن تراها في السوق تبيع بيض دجاجها أو دجاجاتها، لأن رمضان داخل عليهم أو المدارس، وهي تقوم بتدبير حالها، بعيداً عن كسر عين زوج مريض أو زوج توفاه الله، وترك لها التعب والعيال.

تعبٌ مركونٌ في نهاية محجر العين يذكّر بفقراء مصر وتعبهم وصمودهم العجيب أمام لقمة العيش، ولا يحيلك أبداً إلى مسلسلات يسرا أو فساتين ليلى علوي أو كعب حذائها الذي التوى تحت رجلها في 30/ 6، من جرّاء الزحف الثوري الهادر الذي عبر الكباري بالملايين من الورّاق والجيزة وأبو النمرس وفرشوط حتى ميدان التحرير، وكتب المخرجون القصائد في ذلك الكعب. وأغلب أطباء مصر لم ينم ليلته إلا بعد الاطمئنان على العصب الذي ارتخى، فأدّى إلى ذلك الالتواء العظيم في كعب السيدة ليلى علوي.

سيدة كل ما يخرج من عينيها يقول لك: "أنا عملت إيه بس؟؟". لا تلاعبت بأموال البورصة، ولا هي المرأة الحديدية، ولا أخذت قرضاً وهربت، ولا أي شيء مسّ أمن البلد القومي، سيدة بسيطة تخرج من يومين من سجون السيسي. ومن المدهش أن يتم اعتقال الناشر والكاتب محمد هاشم بالأمس، فقيرة تخرج وكاتب وناشر تقدّمي يدخل. واحدة من الشعب تخرج وناشر من النخبة (يحسب فكرياً على الشعب) أيضاً يدخل. الآن هل وعت النخبة الدرس؟ ألّا فرق ما بين مسكينة وناشر طالما امتلك العسكر السلطة، وألا فرق ما بين مسكينةٍ كانت أيّدت محمد مرسي وناشر كان يقف مع ثورة يناير من أول يوم بالبطاطين والمأوى، ثم انحاز إلى 30/ 6 كما انحازت النخبة، ظنّاً منها أن محمد مرسي سيطفئ كل شموع الفرح والحضارة والحرية، وكانت أول غزوة منها هي احتلال وزارة الثقافة بمشاة المدفعية، وكان منهم للأسف محمد هاشم.

هل يستطيع الآن بهاء طاهر (مسمار احتلال وزارة الثقافة الكبير قامة وعلماً وإبداعاً وخلقاً والله) فقط أن يحمل شمعةً ليلاً، ويمشي بها أمام مكتبة مدبولي كما كان يفعل في أيام مرسي؟ خصوصاً أن محمد هاشم كاتب وناشر، وأن هذا يحدث في الغرب الذي عاش به بهاء ردحاً من الزمن؟ أم الآن فقط، بعد اعتقال محمد هاشم، قد فهم بهاء طاهر ويسار وسط البلد ويسار (معركة بدر الصغرى لاحتلال وزارة الثقافة المصرية) في أول تحرّك لدبابات النخبة مختلطة بدبابات الجيش، أن الزواج كان على ورق بفرة؟