حماية الاحتلال من ظريف الطول

21 مارس 2019
الصورة

(عمر أبو ليلى)

(1)
بهدوء شديد، مع ابتسامة بعرض وجهه، يفتح شابٌّ في سن عمر أبو ليلى، كاميرا هاتفه المتنقل، ويبث منشدا:
يا ظريف الطول نازل ع سلفيت/ وجنود الكيان والله ذليت/ واحنا صحاب الأرض/ واحنا صحاب البيت/ واحنا صحاب الحق وغنى رصاصنا/ يا زريف الطول تمرق ع برقين/ بتطخ برشاش وبتضرب سكاكين/ واحنا صحاب الأرض وهم المحتلين/ مسخنا الكيان وقرب نصرنا.
ثم يختم مواله بابتسامة تملأ وجهه قائلا: يا رب... هو يعرف أن مواله يمكن أن يجلب له مساءلة، ولكنه لم يستطع أن يصمت، فعبّر عن فرحه بطريقته المبتكرة، شأن آلاف من أبناء الشعب الفلسطيني الذين ابتهجوا بما فعله عمر أبو ليلى، "زريف الطول" الخارج من قاع الهزيمة والخذلان، ليسجل "نصرا" على مقاس فدائي فرد، يواجه جيشا مدجّجا بكل وسائل القتال والرصد والحذر، والدعم اللوجستي الذي توفره "دولة" يحتل جيشها رقم أحد عشر من حيث ترتيب أقوى الجيوش في العالم.
(2)
تُرى ما الربط العفوي بين عمر أبو ليلى وزريف الطول، أو بالأحرى "ظريف الطول"؟ بل من هو الشاب الظريف الذي تحول اسمُه إلى لازمةٍ لأغانٍ شعبية فلسطينية، تبدأ عادة بمطلع يقول: "يا ظريف الطول وقف تا اقولك/ رايح عالغربة/ بلادك أحسن لك/ خايف يا المحبوب اتروح وتتملك../ وتعاشر الغير وتنساني أنا"؟
تختلف الروايات المتحدثة عن قصة "ظريف الطول"، لكن معظمها يتفق على حكايةٍ بعينها، تقول إنه شاب يُدعى "فلسطيني". ولأنه كان"ممشوق القوام"، أُطلق عليه هذا اللقب. أقام هذا الشاب في قريةٍ كان غريباً عنها، وكان يعمل نجّاراً عند أحد سكان القرية. وأجمع أهل القرية أنه كان ذا خلق، ولا يرفع عينه تجاه امرأة، على الرغم من أن فتيات القرية كنّ يحاولن التقرّب منه، حتى أن زوجة مختار القرية طلبت منه أن يصنع لها خزانة، كي تلفت نظره لابنتها، وزوجة خطيب المسجد صنعت عنده صندوقاً خشبياً للملابس، وحدّثته عن ابنتها، حتى الخطيب لمّح إلى الموضوع في خطبة الجمعة، من دون فائدة، لأن "ظريف الطول" لا تعنيه هذه الأمور.
تحكي الرواية أنه في يوم هجمت إحدى العصابات الصهيونيّة على القرية، واستشهد ثلاثة
أجمع أهل القرية على أنه قاتل بشراسة، وقتل أكثر من 20 من أفراد العصابات، وأنقذ بعض شبان القرية، لكنه لم يظهر بعد المعركة. ومرّت الأيام، وصار "ظريف الطول" أغنية القرية: "يا ظريف الطول وين رايح تروح.. بقلب بلادنا تعبّقت الجروح.. يا ظريف الطول وقف تاقولك.. رايح عالغربة فلسطين أحسن لك". بعد سنوات عدّة، قيل إنه تمت مشاهدة "ظريف الطول" مع الثوار في يافا. وأقسم ناس عديدون على أنهم شاهدوه مع جمال عبد الناصر في بورسعيد، وآخرون شاهدوه في غزة، ومنهم من قال إنه كان في بيروت إبان اجتياح عام 1982، ليتضح أن ظريف الطول هو كل مقاوم فلسطيني، لتبقى الأغنية تُردّد، بكلمات تختلف ما بين أغنية وأخرى.
(3)
يكاد عمر أبو ليلى يتحول اليوم إلى أسطورة، تشبه قصة "ظريف الطول"، فهو اليوم "رامبو فلسطين"، وعمليته "ببجي فلسطين" نسبة للعبة الإلكترونية. أما وقد استشهد، فسيخلد ذكره كما خلد ذكر قناص الخليل.. وقناص رام الله، ومنفذ عمليات تل أبيب نشأت ملحم، ومنفذ عملية عوفرا الشهيد صالح البرغوثي. ومنفذ عملية بركان أرئيل الشهيد أشرف نعالوة. هؤلاء الشهداء الأحياء هم من يمثل شباب فلسطين، لا من يخدمون في سلك "التنسيق الأمني"، ولا من يطاردون النساء والرجال المحتجين في شوارع نابلس ورام الله وجنين، بحجة الحفاظ على "المشروع الوطني الفلسطيني" الذي تقزم إلى حجم "سلطةٍ" بحجم الوهم، كل همها حماية الاحتلال من "ظريف الطول".

تعليق: