حكومة التكنوقراط والانتقال الديمقراطي في تونس

08 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

بدأ رئيس الوزراء التونسي المكلّف، هشام المشيشي، مشاوراته مع أحزاب ومنظمات وشخصيات وكفاءات تونسية لتشكيل حكومة جديدة. وقد قال إنها ستكون للتونسيين كافة، وتسعى إلى تحقيق تطلعاتهم. وكان الرئيس التونسي، قيس سعيّد، قد كلّف يوم 25 الشهر الماضي (يوليو/ تموز) المشيشي، وهو وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بتشكيل الحكومة الجديدة خلفًا لرئيس الحكومة السابق، إلياس الفخفاخ، المستقيل من منصبه بسبب شبهة تضارب مصالح. وتشير طريقة اختيار الرئيس سعيّد المشيشي إلى رغبته في حكومة خبراء وكفاءات من خارج المنظومة الحزبية التونسية، لمساعدته في تمكين السلطة التنفيذية، بما في ذلك توسيع صلاحيات منصبي الرئيس ورئيس الحكومة على حساب مجلس النواب، مستغلًا حالة الإرباك التي يعاني منها الأخير بسبب الصراعات الداخلية بين الأحزاب السياسية، وكذلك قدرة سعيّد نفسه على التلويح بحل البرلمان، والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة، في حال عطلت الأحزاب السياسية منح الثقة لحكومة المشيشي. ولم تُبدِ الأحزاب رفضًا مُطلقًا لتكليف الرجل. على الرغم من أنها تعي رغبة الرئيس التونسي المعلنة بتغيير النظام السياسي في تونس، والانتقال به إلى نظام رئاسي، بغرض الحدّ من تشتت الصلاحيات بين الرئاسة والحكومة والبرلمان، وتفادي الأزمات التي تواجه النظام السياسي، بسبب الصراع القائم بين الرئاسات الثلاث، فعند تكليفه المشيشي بتشكيل الحكومة، صرّح سعيّد: "نحترم الشرعية، لكن آن الأوان لمراجعتها حتى تكون بدورها تعبيرًا صادقًا وكاملًا عن إرادة الأغلبية". وبالتالي، إن كان الرئيس مُحقًا بما قال، فهذه إشارة صريحة يعبر فيها عن رغبته بمراجعة النظام السياسي التونسي، وإشارة يَعُدُّ فيها البرلمان التونسي، القائم على مجموعة من الأحزاب السياسية، مؤسسة تُعاني نقصًا في الشرعية، بوصفها لا تعبر عن إرادة التونسيين كافة.

وكانت الأحزاب قد قدمت مقترحات للرئيس التونسي لعدة مرشحين، لتولي منصب رئيس الحكومة، من بينهم شخصيات سياسية حزبية تمتلك خبرة واسعة في الاقتصاد، بالنظر إلى أن الأحزاب ترى المرحلة المقبلة صعبة، بسبب تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد. في حين أن الرئيس التونسي قرّر مفاجأة الأحزاب، بعدم تعيين شخصية سياسية تمتلك خبرة في الاقتصاد كما دعت، بل شخصية قانونية، ومن خارج المنظومة الحزبية التونسية، ومن الدائرة المقرّبة منه، إذ لم يسبق للمشيشي أن انتسب لأيّ من الأحزاب السياسية في بلده، ولم يسبق له أن مارس العمل الحزبي، وهو الذي تولى عدة مناصب إدارية في وزارات ولجان في الجمهورية التونسية، بوصفه خبيرًا قانونيًا، قبل توليه منصب مستشار أول للشؤون القانونية للرئيس التونسي، ثم وزيرًا للداخلية.

لا تحتاج تونس إلى تعيين خبراء في مراكز صنع السياسة والسياسات العامة من أجل إيجاد حلول سحرية للأزمات

ويبدو أن أولوية الرئيس التونسي من تكليف هشام المشيشي برئاسة الحكومة الجديدة ستكون تجاوز الأحزاب والبرلمان. وسيتعين على المشيشي إيجاد صيغة توافقية مع الأحزاب خلال مشاورات تشكيل الحكومة، لتمرير الثقة بحكومته في البرلمان. وعندما بدأ جولته الأولى من مشاورات تشكيل الحكومة قبل إجازة عيد الأضحى، بدا أن مؤسسات وشخصيات وطنية ونقابات واتحادات وطنية التقى بها أكدت له أنها تدعم فكرة حكومة كفاءات مصغرة، بعيدًا عن المحاصصات الحزبية، بوصفه موقفًا يتواءم مع توجهات الشارع التونسي.

سبق أن استعان التونسيون بحكومة تكنوقراط بعد الثورة في بلدهم الذي أعلن عن موجة التغيير في البلدان العربية، فمنذ مطلع عام 2011 توالت على تونس ثماني حكومات، واحدة منها عُدّت حكومة تكنوقراط صِرفة، وهي حكومة مهدي جمعة (يناير/ تشرين الثاني 2014 – فبراير/ شباط 2015)، وقد جاءت بناءً على توافق سياسي لأغلبية الأحزاب السياسية التونسية بعد تخلي حركة النهضة عن رئاسة الحكومة. وأحد الأسباب الرئيسة في تونس لتعيين حكومة تكنوقراط صِرفة هو الحاجة إلى القيام بمجموعة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بدءًا بمحاربة الفقر والبطالة، ومرورًا بإصلاح قطاعي الصحة والتعليم والتعليم العالي، ووصولًا إلى إخراج تونس من أزماتها السياسية والأمنية، كالإعداد للانتخابات والتصدي لظاهرتي الإرهاب والفوضى. وقد حدث ذلك تحديدًا مع حكومة مهدي جمعة الذي أطلق وعودًا للقيام بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، غير أنّ تلك، في المقابل، لم تحقق سوى عدد قليل منها، ففضلًا عن القيام بالمهمة الرئيسة لها، وهي ضمان الاستقرار السياسي في تونس، والتحضير لانتخابات برلمانية ورئاسية مبكّرة، لم تتمكن حكومة مهدي جمعة من الإيفاء بوعودها بتحقيق إصلاحات حقيقية في منظومة التقاعد والتأمين الصحي، ومكافحة الفقر والبطالة، وتعزيز قدرة الاقتصاد التنافسية. وعرف التونسيون، مع حكومة جمعة، ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات التضخم بالمقارنة مع قدرة التونسيين الشرائية، ولم تكن هذه الحكومة مُنصفة بشأن الضرائب التي يدفعها التونسيون، إلى جانب عجزها عن إيجاد حلول لملفات سياسية وأمنية عديدة.

أولوية الرئيس التونسي من تكليف هشام المشيشي برئاسة الحكومة الجديدة ستكون تجاوز الأحزاب والبرلمان

وفضلًا عن ذلك، عرف التونسيون حكومات أخرى بعد الثورة استعانت بشخصيات تكنوقراط لرئاسة الوزراء، في حكومات ضمّت خليطًا من السياسيين والتكنوقراط، وبرز ذلك تحديدًا في حكومتي الحبيب الصيد (فبراير/ شباط 2015 – أغسطس/ آب 2016) وإلياس الفخفاخ (فبراير/ شباط – يوليو/ تموز 2020). وجاء تعيين الحبيب الصيد ضمن اتفاق سياسي بين حركتي نداء تونس والنهضة، ومدعومًا من بقية الأحزاب. وبعد أقل من عام على تعيينه، جدّد البرلمان التونسي للصيد في حكومته الثانية، في يناير/ كانون الثاني 2016، والتي ضمت مناصفة وزراء سياسيين محسوبين على أحزاب ووزراء تكنوقراط. وعلى المنوال نفسه، وبعد مخاض عسير فشل فيه المكلف الأول لتشكيل الحكومة التونسية، الحبيب الجملي، في نيل ثقة البرلمان التونسي، شكّل إلياس الفخفاخ فريقًا حكوميًا من ثلاثين وزيرًا، نصفهم من السياسيين المحسوبين على الأحزاب، ونصفهم الآخر من التكنوقراط. وعلى الرغم من عدم قدرة تينك الحكومتين، أي حكومتي الصيد والفخفاخ، على تحقيق تقدّم ملموس في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنهما نجحتا في إخماد لهيب بوادر صراعات سياسية بدأت تظهر بين الرئاسات الثلاث في تونس. وقد لوحظ الدور المهم للصيد والفخفاخ في تخدير المشهد السياسي المعقد، والذي بدأ يظهر مع بروز صراعات باردة بين رأسي السلطتين التنفيذية والتشريعية على صلاحيات كل منهما. 

بناءً على ذلك، إذا نجح هشام المشيشي في تشكيل حكومة تكنوقراط صِرفة أو حكومة مناصفة بين السياسيين والتكنوقراط، فسوف يُساهم في تجاوز تونس أزمتها السياسية الراهنة، ويثبت استقرار سياساتها على المدى القصير. ومن شأن مثل هذا الاستقرار السياسي أن يُحسن موقف الرئيس قيس سعيد، ويعزّز من موقعه السياسي، بوصفه الرئيس الأوحد للبلاد، لا سيما أنه يرى أن رئيسي البرلمان والحكومة منافسان له، وليسا شريكين في الحكم. وما يعزّز ذلك ما تُبيّنه تصريحاته، ففي أواخر مايو/ أيار صرح: "الدولة التونسية واحدة، ولها رئيس واحد في الداخل والخارج". وقد فُسِّر قوله انتقادًا لرئيس البرلمان، راشد الغنوشي، بعد تهنئته رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية، فايز السراج، إثر سيطرة قواتها على قاعدة الوطية الجوية.

يبحث قيس سعيد عن آلية تضمن له العمل السياسي من خارج المنظومة الحزبية التقليدية

وعلاوة على ذلك، من شأن نجاح المشيشي في تشكيل حكومة تكنوقراط، أو حكومة مناصفة تجمع سياسيين وتكنوقراط، تعزيز رغبة الرئيس التونسي في تكوين حزب أو تكتل أو تجمع سياسي، وإن لم يكن حزبًا أو تكتلًا أو تجمعًا سياسيًا بالمعنى التقليدي للكلمة، فهو يبحث عن آلية تضمن له العمل السياسي من خارج المنظومة الحزبية التقليدية، بغرض اختراق الاستقطاب القائم في الساحة السياسية، معتبرًا أن الشباب والمهمشين في تونس سئموا فضائح السياسيين التونسيين وتجاذباتهم.

ولكن، تجربة التكنوقراط الصاعدة في تونس، والتي أضحت تؤدّي دورًا مهمًا في رفد العمل السياسي العام بنخبة من الكفاءات والخبراء والتقنيين في الآونة الأخيرة، يُمكن أن تؤثر على تجربة الانتقال الديمقراطي الوليدة في تونس، بالاستناد إلى أن تغييب الأحزاب التي وصلت إلى البرلمان عبر تصويت التونسيين، تعني تغييبًا للمواطنين عن المشاركة في صنع القرار العام، فالتونسيون توجهوا إلى صناديق الاقتراع لاختيار أفرادٍ ينتمون لأحزاب سياسية لتمثيل مصالحهم، ولم يختاروا التكنوقراط للقيام بالمهمة نفسها. لذلك، يُعدّ التكنوقراط حكم الخبراء وليس حكم المواطنين. وما يعزّز التحدّيات أيضًا أن تجربة التكنوقراط في تونس، بوصفها تُعدُّ مخرجًا، كلما واجهت تونس أزمة سياسية (أزمة البرلمان أخيرًا، مثلًا) ربما تعطي، هذه المرّة، الرئيس فرصة مناسبة لتقوية سلطته، والانتقال بالنظام السياسي إلى نظام رئاسي. ولذلك، لا تحتاج تونس إلى تعيين خبراء في مراكز صنع السياسة والسياسات العامة من أجل إيجاد حلول سحرية للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فهؤلاء لن يتمكّنوا من ذلك، ولا يمتلكون هذه الحلول؛ إذ لم تحقّق تجربة التكنوقراط السابقة في تونس تقدمًا في إيجاد حلول للأزمات نفسها. كما أن دخول التكنوقراط إلى السياسة في تونس في المرحلة الحالية يُرشحهم لأن يصبحوا جزءًا من بنية السلطة القائمة وتحدّياتها، وليس جسمًا بديلًا له القدرة على إيجاد حلول وبدائل سياساتية لأزمات تونس المتراكمة، وهذا تحديدًا ما حصل في تجارب الانتقال الديمقراطي في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية. ولذلك، ما تحتاج إليه تونس اليوم هو البحث عن طرق وآليات لجعل جميع المؤسسات والنخب السياسية التونسية أكثر استجابةً للتونسيين ومطالبهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بدلًا من مجرّد تأجيل الأزمات القائمة بمنح السلطة للتكنوقراط لفترة مؤقتة. إن لم يحصل ذلك، فإن جاذبية طبقة الخبراء والكفاءات في تونس ستزداد.