حصار غزة: مناورات إنسانية لتغييب الحلّ سياسي

28 مارس 2018
الصورة
فلسطيني يجر عربة عليها مساعدات (عبد الحكيم أبو رياش)
+ الخط -
يتزايد الحديث عن حلول "إنسانية" لأزمات قطاع غزة، بعيداً عن الحل السياسي، المفترض أن يكون تعثره السبب الرئيس في الأزمات والانهيار الذي يعيشه مليونا فلسطيني في القطاع الساحلي المحاصر منذ 11 سنة، ما يطرح كثيراً من علامات الاستفهام والتساؤلات والمخاوف.

ومنذ إبريل/نيسان الماضي، تتدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية في غزة، حتى وصلت حد الكارثة، مع تشديد قبضة الحصار الإسرائيلي الخانقة على القطاع، وبقاء معبر رفح مع مصر مقفلاً معظم أيام السنة، واتباع السلطة الفلسطينية سياسة فرض الإجراءات "العقابية" ضد غزة، والتي أنهكت الغزّيين، معيشياً واقتصادياً وخدماتياً. وأخيراً، نظمت الإدارة الأميركية مؤتمراً في وزارة الخارجية قالت إنه لحل الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، شاركت فيه 19 دولة عربية وأجنبية، بينها الاحتلال الإسرائيلي، ودار الحديث فيه عن ضرورة تنفيذ مشاريع جديدة لإنعاش القطاع وتخفيف الأزمات الاقتصادية عنه، بما فيها الكهرباء والمياه، في ظل إصرار على تجاهل أصل المشكلة الإنسانية، أي الحصار الإسرائيلي والمصري والتضييق الفلسطيني من قبل السلطة في رام الله.

هذا المؤتمر، الذي رفضت السلطة الفلسطينية المشاركة فيه وعدّته "تجاوزاً وتلاعباً وتصفية للقضية"، يؤكد على أن الدول التي تبحث عن حل جذري لأزمات قطاع غزة، قد تتعاطى مع الأزمة بشكل إنساني، غير أنّ خبراء يعتبرون أن الأموال، التي دفعت إلى غزة على مدار السنوات الماضية، زادت من نسب الفقر والبطالة وانعدام الأمن الغذائي، ولم تحل المشاكل الحقيقية التي يعيشها السكان. وعقب المؤتمر، كشفت مصادر موثوقة، لـ"العربي الجديد"، عن إنشاء الإدارة الأميركية ومصر وإسرائيل لجنة مشتركة للقيام بمهام "إنسانية وإغاثية" في قطاع غزة، تتجاوز السلطة الفلسطينية، وتنسق ميدانياً مع مؤسسات أميركية ذات علاقة مع مؤسسات أهلية في القطاع. ومع بداية العام الجديد، اشتدت الأوضاع المأساوية في غزة، وراح القطاع يسير نحو انهيار كامل، حذرت منه مؤسسات المجتمع الدولي ومراكز حقوقية. وحتى أن الأمم المتحدة قالت، في وقت سابق، إن استمرار الأوضاع الراهنة في غزة، سيجعل القطاع مكاناً غير صالح للعيش بحلول العام 2020. لكن التعامل مع غزة كملف إنساني "خطير جداً"، إذ يُثبت محاولات فرض حلول سياسية عليه، مع تزايد الحديث عن فرص إقامة "دولة غزة الكبرى" بدلاً من الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، ومعها يتمدد القطاع إلى سيناء المصرية.

ويؤكد مدير شبكة المنظمات الأهلية في غزة، أمجد الشوا، أن الأوضاع في القطاع على كل المستويات، الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، تعيش تدهوراً كبيراً، وأزمة غير مسبوقة، مشدداً على أن "الأسباب الرئيسية لهذه التداعيات الخطيرة ليست إنسانية أو بفعل الطبيعة. هي بسبب الاحتلال الإسرائيلي وممارساته. أي أسباب سياسية". ويضيف الشوا، لـ"العربي الجديد"، أن "حل إشكاليات قطاع غزة يأتي في إطار إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ورفع الحصار بشكل كامل، وتمكين الشعب الفلسطيني من الحصول على حقوقه. وحتى الانقسام السياسي الفلسطيني له تأثيرات على كل نواحي الحياة، وبالتالي الحلول الإنسانية لا تكفي ولا تحل إشكاليات القطاع". ويلفت إلى أنه إذا ما أريد تخفيف وطأة الأوضاع وتعزيز صمود المواطن الفلسطيني في غزة، فإنه لا بد من إنهاء الانقسام السياسي، وتوفير خطة حقيقية لإنعاش الأوضاع في القطاع، بعدما وصل إلى مستويات غير مسبوقة من الانهيار. ويقول إنّ التجربة على الأرض أثبتت أنّ هناك أموالاً كثيرة دفعت في إطار الدعم الإنساني لقطاع غزة، لكن هذا التمويل، في ظل استمرار الحصار واعتداءات الاحتلال الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني، جاء بنتائج عكسية، إذ زادت نسب الفقر  والبطالة وانعدام الأمن الغذائي.

ويشير مدير شبكة المنظمات الأهلية إلى مؤتمر المانحين لإعادة إعمار قطاع غزة، الذي عقد في القاهرة في أكتوبر/تشرين الأول العام 2014، بعد العدوان الإسرائيلي الأخير، والذي تعهد المجتمع الدولي خلاله بدفع أكثر من خمسة مليارات دولار، لكن ما وصل هو 37 في المائة من هذه الأموال حتى اللحظة. ويشدد الشوا على أن الحلول لقطاع غزة لا تأتي في إطار إنساني، مؤكداً ضرورة "إيجاد حل سياسي يتجاوب مع قرارات الشرعية الدولية ومع حقوق الشعب الفلسطيني، من دون الاجتزاء منها، وأن ما تطرحه الإدارة الأميركية الآن هو إنقاص حقوق الفلسطينيين على حساب حلحلة الوضع الإنساني في غزة". والحل الأساسي لما يعيشه قطاع غزة من أوضاع مأساوية غير مسبوقة، هو "سياسي بإنهاء الاحتلال ورفع الحصار بشكل كامل، وإنهاء الانقسام السياسي وتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، فضلاً عن قيام المجتمع الدولي بدفع المستحقات والتعهدات التي أقرها خلال مؤتمر إعادة الإعمار 2014، وخطة دولية لإنعاش الأوضاع في إطار حقوقي وليس إنسانيا"، وفق الشوا.

أما المحلل السياسي، طلال عوكل، فيقول إن "عنوان المؤتمر الأخير للإدارة الأميركية إنساني، والذي هو مُحق بطبيعة الحال، لكن الغرض سياسي. لا يوجد شيء اسمه مساعدات إنسانية خالصة، وكل ما هو مطروح عملياً له علاقة بإقامة البنية التحتية لدولة في غزة، وهو جوهر المشروع الأميركي". ويرى عوكل، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن المؤتمر والحديث العام عن حلول إنسانية لغزة "استكمال لفرض صفقة القرن والحل الأميركي، الذي بدأ عملياً بموضوع مدينة القدس ثم اللاجئين، ووقف المساعدات للسلطة الفلسطينية"، مؤكداً أن "كل الأموال التي صُرفت في غزة، سواء لإعادة الإعمار أو غيرها، كانت دائماً مُسيسة، وليست بغرض تقديم مساعدة حقيقية إنسانية لسكان القطاع". وينوه المحلل السياسي إلى أن الخبايا السياسية من المدخل الإنساني للمؤتمر تتعلق بالمشروع الإسرائيلي القاضي بـ"دولة في غزة، والقدس عاصمة لإسرائيل، وفرض سيادة الأخيرة على مناطق في الضفة الغربية بنسبة 60 في المائة، ومنطقة الغور، وترك الباقي بعلاقة مع الأردن، بمقابل استفادة السكان من التسهيلات الاقتصادية".

وبحسب خبراء، ووفقًا لتقرير البنك الدولي الأخير، فإن "قرب انهيار الأوضاع الاقتصادية بشكل كامل في غزة، يؤكد أن الحل الأمثل لما يجري هو سياسي، وأن ما يقدم من مشاريع ذات تأثير محدود وبسيط لا تحل الإشكاليات التي يعاني منها أكثر من مليوني مواطن في القطاع". ووصل القطاع إلى مرحلة غير مسبوقة من انهيار الأوضاع، ارتفعت خلالها نسبة البطالة إلى 46.6 في المائة، وتجاوزت نسبتها في أوساط الشباب 60 في المائة، و85 في المائة في صفوف النساء. كما سجلت الأرقام 100 ألف أمر حبس بحق أفراد وتجار على خلفية الذمم المالية، بداعي تدهور الأوضاع الاقتصادية. ومنذ فرض الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إجراءات عقابية ضد غزة، تمثلت بحسومات على رواتب الموظفين وتقليص التحويلات الطبية الخارجية والامتناع عن دفع فاتورة خطوط الكهرباء الواردة عبر إسرائيل، تراجع حجم التمويل الدولي، الذي أثر على المستوى المالي للسلطة الفلسطينية، وأنهك الأوضاع المعيشية والاقتصادية في غزة، فضلاً عن الأزمة المالية التي تعاني منها منظمة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، بعد تجميد واشنطن، في يناير/كانون الثاني الماضي، مبلغ 65 مليون دولار من مساعداتها البالغة 125 مليون دولار، قلّصت بدورها من مستوى الخدمات والدعم الذي تقدمه الوكالة الأممية إلى اللاجئين الفلسطينيين.

المساهمون