حزب الله في تونس

حزب الله في تونس

10 مارس 2016
الصورة
+ الخط -
بعد انتصار الثورة التونسية في عام 2012، تقدم تونسيون متشيعون إلى وزارة الداخلية التونسية بطلب لتأسيس حزب جديد باسم "حزب الله في تونس"، لكن الطلب رفضته السلطات. ومع ذلك، شهدت تونس، علناً وسرّاً، حركة تشيع، بتشجيع من أجهزة الاستخبارات الإيرانية وحزب الله اللبناني. ومن المعروف أن المجتمع التونسي، بغالبيته الساحقة، ينتمي إلى المسلمين السنة، وهناك أقلية صغيرة من اليهود التونسيين، بعد أن هاجر معظمهم إلى فرنسا وإسرائيل، وخصوصاً بعد عامي 1948 و1967. يعيش من بقي من اليهود في تونس بصفة مواطنين، لا يميزهم شيء عن باقي المواطنين الآخرين، ومنهم من انخرط في النضال التونسي ضد الاستعمار الفرنسي، وناضل ما بعد الاستقلال في الأطر النضالية النقابية والحزبية اليسارية. وفي تونس، قلة تكاد لا تذكر من التونسيين المسيحيين الذين اعتنقوا المسيحية في فرنسا، أو على أيدي بعض المبشرين في تونس.
ويميز تونس عن بلدان المشرق العربي، وحتى بلدان المغرب العربي الأخرى، أن الأقليات العرقية فيها، مثل الأمازيغ، مندمجة اندماجاً ملحوظاً، نتيجة عددها القليل، مقارنة بالجزائر، مثلاً، التي أثارت فيها حركة التعريب القسري النزعة القومية لدى الأمازيغ. لم يشهد المجتمع التونسي، كما شهد غيره من المجتمعات العربية، وخصوصاً في المشرق، النزاعات الطائفية أو المذهبية أو العرقية الطاحنة، وإن كان عاش، مثل أي مجتمع، صراعات ذات طابع اجتماعي طبقي، وتمايزاً بين الريف أو مناطق الظل والمدن، وهذا مألوف في مجتمعات مرحلة ما بعد الاستقلال. وإلى مرحلة بروز حركة النهضة الإسلامية، كانت السمة العامة للمجتمع التونسي الذي شكّله الرئيس الحبيب بورقيبة تتميز بتأثير الطابع الليبرالي العلماني، وخصوصاً ما يخص الدستور ومجلة الأحوال الشخصية. ويلاحظ المراقب للواقع التونسي ما بعد ثورة 2011 بروز التيار الإسلامي، ممثلاً بحركة النهضة، قوةً منظمة أولى، وذات شأن كبير في الحياة السياسية التونسية، إلى جانب بروز تيارات قومية كانت راكدة في المرحلة السابقة. ولكن، يمكن القول إن الصراعات السياسية في الحياة التونسية ظلت ناعمةً، لا تتجه إلى ممارسة العنف، الّا فيما ندر، بانبعاث التيارات السلفية.
وفي هذا الإطار، يلاحظ، ومنذ السنة الأولى للثورة، نشاطات فئات تونسية متأثرة بتجربة حزب الله اللبناني، يعزّزها وهم القوة، غافلة عن معرفة الواقع الخاص الذي نشأ في بيئته حزب الله. وقد شهدت تونس ردة فعل هي الأقوى في العالم العربي على القرار الخليجي، اعتبار حزب الله منظمة إرهابية، حتى ليحار المرء في تفسير ردة الفعل هذه التي فاقت ردة فعل اللبنانيين، فقد أصدر تونسيون عريضة للتوقيع تدافع عن حزب الله، وأصدر فنان تشكيلي تونسي تصميمات فنية، تحمل صور حسن نصرالله، أغرق فيها صفحته على "فيسبوك". كما أعلنت فنانة مسرحية حملة شعارها أنها إرهابية، طالما أن التهمة طاولت حزب الله.
أمام هذه الحملات التضامنية التي لم تسأل اللبنانيين آراءهم بهذا الحزب، ومعاناتهم في ظل هيمنة سلاحه على حياتهم، ولم تكلف نفسها جهد التساؤل عن دور حزب الله في سورية، وقتله السوريين والفلسطينيين، وتجويعهم حتى الموت في مضايا ومخيم اليرموك، ودوره القاتل في اليمن والعراق، واغتياله رموزاً ثقافية وسياسية وفكرية لبنانية في لبنان، لا يسع المتابع الّا إحالة هؤلاء المدافعين إلى علم النفس، لتحليل شخصيات هؤلاء الذين يزعمون أن دفاعهم عن حزب الله، إنما لكونه مقاوماً إسرائيل، متجاهلين قتله شعباً آخر، ووضع حاضنته الاجتماعية في خدمة أجندات إيران، وإرشادات الوليّ الفقيه. وإذا كان هؤلاء التونسيون من المنتمين إلى الفكر العلماني، والمتأثرين بفلسفة الأنوار الفرنسية، لا يرون في حزب الله حزباً إسلامياً أصولياً، فتلك مصيبة ستضاعف مخاطر الأصولية الدموية في تونس.