فرويد وهرتزل في فيينا

فرويد وهرتزل في فيينا

08 سبتمبر 2017
الصورة

فرويد وهرتزل أقاما في الشارع نفسه بفيينا ولم يلتقيا

+ الخط -
لا يتميز شارع بيرغ غاسي في العاصمة النمساوية فيينا عن غيره من شوارع المدينة في الطراز المعماري لأبنيته، إلا أنه دخل التاريخ من خلال شخصيتين تاريخيتين، تركتا آثاراً عميقة على القرن العشرين.
عاش مؤسس نظرية التحليل النفسي، سيغموند فرويد، في المبنى رقم 19 في "بيرغ باسي"، وعمل فيه، من عام 1891 إلى أن اضطر للهروب إلى لندن عام 1938، بعد سيطرة النازيين والحزب الفاشي النمساوي. أقام نظريته في التحليل النفسي وطوّرها، في الطابق الثاني من هذا المبنى، وألّف كتبه وطوّر أبحاثه الإكلينيكية من خلال علاج مرضاه.
ربما ليس معروفا لغير المهتمين بتاريخ الحركة الصهيونية أنه في ذلك الشارع الذي ظهرت فيه نظرية التحليل النفسي التي وسّعت الآفاق لمعرفة النفس البشرية، وإنقاذها من الخرافة والتأويلات الدينية والتفسيرات الشعبية الساذجة والأساطير، ولدت أيضاً الفكرة الصهيونية التي أدت إلى تحطيم الزمان والمكان الفلسطينيين. ففي العمارة رقم 6 من "بيرغ غاسي" عاش ثيودور هرتزل، مؤسس الصهيونية التي أسست لفكرة الدولة اليهودية في فلسطين. وأقام بين عامي 1896 و1898 جاراً لفرويد، لا تفصلهما سوى أمتار قليلة، لكنهما لم يلتقيا ألبتة. كان هرتزل، في ذلك الوقت، يعمل محرّراً ادبياً ومراسلاً ل "نيو فراي برس"، الصحيفة الأهم في أوروبا في ذلك الزمن. وهناك كتب كتابه "الدولة اليهودية" عام 1896.
كان فرويد شخصية مؤثرة في دوائر علم النفس والفلسفة والفكر، وكان هرتزل شخصية مؤثرة في الأوساط اليهودية الليبرالية. وعلى الرغم من عدم رغبة هرتزل في لقائه، بسبب أفكاره البعيدة عن الصهيونية، إلا أن فرويد أرسل مؤلفه المهم "تفسير الأحلام" إلى هرتزل، رغبة منه في أن يقرأه، لكن هرتزل تجاهل الكتاب. بعد سنوات، عالج فرويد نجل هرتزل، واسمه هانز، الذي عانى ميولاً مرضية للانتحار، ومن عقدة أوديب متضخمة.
لا شيء يشير في شارع بيرغ غاسي اليوم إلى أن هرتزل عاش هناك، وذلك ليس مألوفاً في فيينا التي تخلد الأماكن التي عاش فيها المشهورون في عالم الفكر والأدب والموسيقا. ما يثير الاهتمام في رقم 6 من الشارع مطعم البيتزا "فالنتينو". هناك يمكنك أن تتأمل هذا الشارع الذي كان مسرحاً لولادة فكرة كان تطبيقها وبالاً على شعوبٍ كثيرةٍ، وعلى اليهود أنفسهم الذين أصابتهم الصهيونية بخللٍ في الهوية، وباضطرابٍ في علاقتهم مع بلدانهم الأصلية.
وعلى الرغم من هروبه من فيينا التي شهدت نشاطه الفكري والمهني، ولجوءه إلى لندن، إلى أن رحل انتحارا بعد معاناة من مرض السرطان، إلّا أن فرويد (اليهودي) لم يذهب إلى فلسطين، ولم يكترث بالصهيونية، على غير ما فعل هرتزل الذي أوصى قبل وفاته عام 1904 في النمسا بنقل رفاته إلى فلسطين. وهذا ما تم في العام 1949، حيث دفن في ما يطلق عليه الإسرائيليون جبل هرتزل في القدس. وأوصى أن يدفن ولده وابنته وزوجته في المكان نفسه، غير أن هذه رفضت، إذ لم تكن على وفاق معه طوال حياتهما معاً. وبالفعل، تم نقل رفات ابنه وابنته من فرنسا عام 2006، بعد وفاتهما هناك في أربعينيات القرن المنصرم، ودفنا في جبل هرتزل قريباً منه.
في الرقم 19 من شارع بيرغ غاسي في فيينا اليوم متحف سيغموند فرويد، حيث يمكن للزائر أن يتعرف على عالمه الفكري والمهني كاملا، بإستثناء تلك الأريكة الشهيرة التي استرخى عليها مرضاه، يستمع إلى ما تختزنه عقولهم من رواسب اللاوعي. ظلت الأريكة في لندن، حيث عاش عامه الأخير، وأقيم له متحف آخر هناك، يخلد ذكراه وأعماله وإبداعه في التحليل النفسي.