حروب "الجيص" الرابع!

04 أكتوبر 2015


هي الوصفة المباركية القديمة إذن، لكن يد السيسي تذيقها للشعب بشكل أشد غشومية: في الداخل حديث صاخب مستمر عن حروب الجيل الرابع والسادس، وترهيب إعلامي لا ينقطع بالمؤامرات والمخططات الهادفة لإسقاط مصر التي تقف كرأس حربة ضد المشروع الصهيوأمريكي، وتبرير دائم الوقاحة لأي قتل أو انتهاك للحريات، بأنه أثر جانبي يصاحب إحباط مخططات العالم ضد مصر وقائدها الأسطوري، أما في الخارج، فحديث معسول إلى حد التلزيق عن الصداقة المصرية الأمريكية والمصالح الإسرائيلية المصرية المشتركة وعن تضحيات مصر من أجل حماية العالم المتقدم من أخطار الإرهاب، مع مصاحبة ذلك بتنازلات متوالية في المواقف وقلع سياسي لا ينقطع، من أجل نيل الرضا الغربي اللازم لتأمين المزيد من المعونات التي لا يعلم إلا الله كيف تُنفق، وجلب صفقات الأسلحة مجهولة الجدوى معلومة العمولات.


(1)
في عام 1965 وجد صلاح نصر أشهر رؤساء المخابرات العامة المصرية، الوقت الكافي لكتابة كتاب من جزئين عن (الحرب النفسية) التي وصفها في عنوان الكتاب الفرعي بأنها "معركة الكلمة والمعتقد"، وحين تقرأ الكتاب بعد مرور كل هذه السنين على نشره، تدرك كم كان الرجل واثقا من قدرة "جهازه" المهيب، على حماية البلاد وإحكام السيطرة الإستخباراتية عليها، لدرجة قيامه بالتنظير لفكرة الحرب النفسية في كتاب ضخم، لا يعلم إلا الله هل كتبه فعلا، أم كُتب له من قبل مرؤوسين اجتهدوا في ترجمة وجمع كل ما نشر عن موضوع (الحرب النفسية) بمختلف اللغات، ليتحول الكتاب بعدها ولسنوات طويلة، إلى مقرر على ضباط الأجهزة الأمنية، الذين يوجه لهم صلاح نصر في ختام كتابه رسالة واضحة، هي "أن المعتقدات سواءا كانت خيرا أم شرا، حقيقية أم مفترضة، فإنه يمكن بذرها في العقل الإنساني، كما أنه من الممكن تحويل الناس إلى اعتناق معتقدات تسيطر عليهم وتتنافى تماما، مع ما كانوا يعتنقونه فيما مضى ولو إلى حين".


يتحدث صلاح نصر في كتابه عن أهمية أساليب (الاستثارة الجماعية) التي تتم ممارستها للسيطرة على الشعوب، منبها إلى أنها قد تجعل البعض يظهرون وكأنهم تأثروا بها، لكنهم في الحقيقة يتبعون فقط طريقة سلوك الغالبية، من باب المجاراة لا بسبب الإقتناع، وهو ما كان صلاح نصر بالتأكيد يلمسه بنفسه، من تقارير جهازه الذي ساهم مع باقي أذرع النظام الناصري، في إقناع كثير من المصريين أن الهزيمة المريرة التي وقعت بعد ثلاثة أشهر من نشر الطبعة الثانية للكتاب، لم تكن بشكل رئيسي نتيجة خطايا النظام وجرائمه المتعددة، بل كانت فقط نتيجة لمؤامرة ضخمة تحالفت فيها قوى الشر العالمية ضد مصر، ليكون ذلك عاملا مساعدا لرأس النظام على البقاء في موقعه، بعد التخلص من بعض رجاله، ومن بينهم صلاح نصر نفسه.


لتتم بعدها وعبر مراحل مختلفة، عملية إعادة إنتاج النظام العسكري الذي تسبب في الهزيمة بطبعات مختلفة، قبل أن تعود مصر في عهد ضابط المخابرات الحربية عبد الفتاح السيسي، إلى الطبعة العسكرية والمخابراتية الأشد وطأة، وتعود من جديد ممارسة تكنيكات "الحرب النفسية" القديمة ضد عموم المصريين، ولكن دون تجديد أو ابتكار، ربما لأن نظام السيسي أصبح يحرص باستمرار على تأمين نفسه من دخول معارك خارجية كبرى، قد تنتج هزائم مدوية تضع أوهامه على المحك، لكنه لا يدرك أو ربما لا يلقي اهتماما كبيرا، لحقيقة مفادها أن طبيعة الهزيمة تغيرت، كما تغير كل شيئ في الكون، وأن المواطن مهما كان بسيطا، لن يكون بحاجة مع مرور الوقت، إلى هزيمة عسكرية ليدرك الحقيقة، بعد أن أصبحت الهزائم حاضرة في كل مجالات حياته، حتى وإن اختار إنكارها إلى حين، أملا في وقوع معجزة تعفيه من مواجهة تبعات الاعتراف بالهزيمة الشاملة.