حرب أسعار النفط: حظوظ المتنافسين والفوضى العالمية

16 مارس 2020
الصورة
في السنوات الثلاث الأخيرة، حوّلت الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط الصخري الولايات المتحدة من مستورد كبير للنفط إلى مصدّر مهم له، وفي مواجهة تأثيرات الكميّات المتزايدة للنفط الصخري، المتدفّق إلى السوق، تحالفت السعودية وروسيا من أجل خفض إنتاج النفط، حفاظا على أسعار مناسبة. ولكن السعودية بدأت تشكو من تلكؤ روسي في خفض إنتاجها النفطي، وضغطت منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي على تحالف "أوبك بلس" (يضم 14 دولة عضوا في "أوبك"، بقيادة السعودية، و10 أعضاء من الدول المنتجة للنفط من خارجها، في مقدمتها روسيا) من أجل تعميق خفض إنتاج النفط إلى 1.7 مليون برميل يوميا، وخسرت المملكة 400 ألف برميل أخرى يوميا من إنتاجها منذ فبراير، وسعت إلى خفض إضافي قدره 1.5 مليون برميل لمواجهة تأثير انخفاض الطلب بسبب انتشار فيروس كورونا. وخلال الاجتماع الوزاري الثامن لتحالف "أوبك بلس"، في الخامس والسادس من مارس/ آذار الجاري، في مقر المنظمة في فيينا، عرضت روسيا تمديد العمل بالخفض الحالي للإنتاج، وهو ما اعتبرته السعودية غير كاف لاستعادة توازن السوق، في ظل تداعيات انتشار الفيروس على الطلب العالمي على الطاقة.
بعد يوم من فشل اجتماعات فيينا في الاتفاق على تخفيضات جديدة، وعلى تمديد عمليات 
التخفيض السابقة (تنتهي في نهاية مارس/ آذار الجاري)، وتزامنا مع إعلان المملكة خفض أسعار مبيعاتها من الخام للأسواق العالمية، لتصل إلى أقل مستوى لها خلال أكثر من عشرين عاما، انخفضت أسعار النفط أكثر من 30% قبل أن تعود لتتعافى نسبيا محافظة على انخفاض قدره 21%، وتحوّلت الحليفتان؛ السعودية وروسيا (شكلتا معا اللاعب الرئيسي في اتفاقية "أوبك بلس" لخفض الإنتاج) إلى خصمين في حرب إنتاج للنفط؛ تخلت معها السعودية عن جهودها التقليدية لدعم أسعار النفط، واستعدت لإغراق الأسواق العالمية بكميات كبيرة (12.3 مليون برميل يوميا أي بزيادة قدرها 26 % في إنتاجها قبل انهيار الاتفاق مع روسيا). ردّت موسكو على الخطوة السعودية بأن أعلنت عزمها على زيادة إنتاجها من النفط بمقدار 500 ألف برميل يوميا، ليبلغ الإنتاج الروسي رقما قياسيا (11.8 مليون برميل يوميا).
الاستراتيجية السعودية الجديدة محفوفة بالمخاطر، مع خروج حرب أسعار النفط عن السيطرة، وقد تتعرّض السعودية نفسها للضرر في ظل اعتمادها في مواردها المالية، وبرامجها الاجتماعية على النفط، إلا أنها تبدو مستعدةً لتحمّل الخسائر، تعويلا على احتياطاتها النقدية، وتكاليف إنتاج للنفط منخفضة، تتيح الاستفادة من تصدير بحجم كبير حتى مع أسعار مخفّضة، لكن قد يعزز انخفاض عائدات النفط العجز المالي الذي تعاني منه السعودية، ليصل إلى 120 مليار دولار سنويا، ما يعني أنها إن صمدت في المدى القصير، فإنها تأمل بحربٍ نفطيةٍ حادّة وقصيرة، واستسلام روسي سريع. أما بالنسبة لروسيا، فظهرت سريعا التأثيرات السلبية لحرب الأسعار على اقتصادها المتذبذب أساسا بفعل العقوبات الدولية، وتدخل البنك المركزي الروسي 
لإبطاء انخفاض قيمة صرف الروبل في مقابل الدولار، وطمأن المسؤولون الروس الجمهور أن الأمور تحت السيطرة.
لم يكن هناك إجماع روسي داخلي بشأن الحاجة إلى الشراكة مع "أوبك"، وبينما كانت وزارة الطاقة الروسية تجد ذلك ضروريا لتوفير أسعار نفط مرتفعة، استفاد الكرملين من التحالف مع السعودية في الحصول على تنازلات (سعودية وأميركية) في الملف السوري، ومحاولة تنشيط مبيعات الأسلحة الروسية إلى السعودية ودول خليجية. لكن ذلك لم يقنع شركات النفط والغاز الروسية، في مقدمتها "روس نفط"، التي رأت أن التحالف مع "أوبك" يحرمها من حصتها في السوق لصالح صناعة النفط الأميركية. لذا، يبدو خروج روسيا من "أوبك بلس" انتصارا واضحًا لإيغور أي سيشن رئيس "روس نفط" أكبر شركات النفط الروسية، والحليف المقرّب من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي اقتنع أخيرا أن في وسع روسيا الاستغناء عن تعاونها غير الرسمي مع السعودية، ودول "أوبك" الأخرى، حتى لو كان ذلك يعني انهيار أسعار النفط، فأكّد بوتين أن روسيا ستخرج بـ"هدوء وكرامة" من الأزمة الحالية، وأن اقتصادها سيكون "أقوى". وأعلنت وزارة المالية الروسية أن البلاد يمكنها التكيف مع أسعار للنفط بين 25 دولارا و30 دولارا للبرميل، من 6 إلى 10 سنوات مقبلة، وأنها ستسحب من صندوق الثروة الوطنية البالغ 150 مليار دولار (9.2 % من الناتج المحلي الإجمالي) لاستكمال الموازنة. يبدو بوتين مستعدا لتحمل إطلاق النار على قدميه، في وقت تطلق فيه حرب الأسعار النار على صدور الأميركيين، إذ تتوقع إحصاءات وأرقام روسية أن يدمّر انخفاض أسعار النفط صناعة النفط الصخري الأميركي عالي التكلفة، وبالتالي تقويض قدرة الولايات المتحدة الاقتصادية والسياسية على ممارسة الإكراه الدولي عبر نظام العقوبات.
مهما كانت الإجراءات الاقتصادية الروسية، فإنها ستكون على حساب المستهلكين الروس الذين سيترتب عليهم، على الأقل، الاعتياد على سعر صرف الروبل الجديد، وسيضطرون إلى ضبط نفقاتهم التي تواجه أصلا تراجعا على مستوى القيمة الشرائية، منذ العقوبات الغربية المفروضة العام 2014. وبالإضافة إلى تضخم محلي محتمل، سيكون عليهم التعامل مع قدرة شرائية 
أضعف أمام الخارج، لتصبح المنتجات المستوردة بعيدة عن متناول عامة الشعب. وعلى الرغم من وعود الكرملين، ستحتاج الحكومة الروسية إلى خفض الإنفاق أو رفع الضرائب، وكلاهما يفتقدان الجاذبية السياسية؛ في وقت يسعى فيه بوتين إلى البقاء في الحكم حتى العام 2036 بحجة عدم الاستقرار العالمي. في حال فوز روسيا في حربها النفطية، فسيكون ذلك انتصارا للكرملين على حساب الشعب الروسي.
في عامي 2014 و2015 أثبتت صناعة النفط الأميركية مرونتها، حين حاولت "أوبك" خنقها بفيضٍ من النفط الرخيص، ويرى خبراء أن هناك اليوم مؤشرات على صمودها في ظل الأزمة الحالية. وقد ألقى الرئيس ترامب اللوم في هبوط أسعار النفط، وأسعار الأسهم الأميركية، على المعركة النفطية بين السعودية وروسيا، لكنه رأى أن تراجع أسعار النفط سيكون مفيدا للمستهلكين الأميركيين، وأعلن عزم واشنطن شراء كميات ضخمة من النفط الخام بسعر جيد للغاية، ليبلغ الاحتياطي الاستراتيجي للولايات المتحدة (حوالي 636 مليون برميل) حده الأقصى. ومن المتوقع أن تنسيقا سعوديا أميركيا محتملا للالتفاف على روسيا (في 9 من مارس/ آذار الجاري، أجرى ترامب محادثة هاتفية مع ولي العهد محمد بن سلمان لم تعلن تفاصيلها)، وثبوت خطأ التقديرات الروسية بشأن صمود صناعة النفط الأميركية، قد يدفعان موسكو إلى اختصار أمد المنافسة، والعودة إلى تحالف "أوبك بلس"، ولكن بعد أن تحاول الحصول على صفقة أفضل مع الرياض.
إغراق السوق العالمية بالنفط قد يخفّض أسعاره سنوات أخرى، والأسعار المنخفضة غير مواتية لجميع الأطراف، بل تنذر بمزيد من الاضطرابات في الاقتصاد العالمي، وتحصد ضحايا في جميع العالم، من شركات الطاقة وعمّالها إلى الحكومات التي ترتبط ميزانياتها بسعر النفط الخام، وقد تؤثر على البرامج الاجتماعية للدول النفطية بما في ذلك جهودها الصحية لمواجهة "كورونا"، وستتبعه مزيد من فوضى سياسية يصعب التنبؤ بنتائجها في ظل معركة تنافسية بين أكبر ثلاث دول منتجة للنفط.