ثورة العراق إلى إسقاط الطغمة الفاسدة

11 نوفمبر 2019
الصورة
لم يترك رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، وحكومته أمام الشعب العراقي سوى مواصلة الثورة الشعبية، حتى تحقيق أهدافها كاملة غير منقوصة، وفي مقدمتها إسقاط النظام ومحاكمة الفاسدين والمجرمين، فبدلا من الاستجابة لأي مطلب متواضع من مطالب الثوار، وجّه، كما فعل أسلافه، خطاباتٍ مهينة، وتهما باطلة، لينتهي إلى استخدام القوة العسكرية وقتل مئات الثوار وجرح أكثر من عشرة آلاف. أما المراهنة على المرجعيات الدينية لإجبار الحكومة على الرحيل، وتلبية مطالب الثوار، فقد منحت هذه المرجعية بركاتها للحكومة، واعتبرتها الجهة الشرعية التي ينبغي على الثوار انتظار ما تجود به من مكارم. وهذا يتعاكس تماما مع مطلبهم الرئيسي بإسقاط هذه الحكومة، وتقديم أعضائها للمحاكم المختصة.
استهتار هذه الطغمة الفاسدة بالناس، وبهذه الأساليب الفجة والعنجهية، والقتل من دون رحمة، عوامل ولدت قناعة راسخة لدى العراقيين بأن تحقيق الإصلاحات لا يتحقق عبر هذه الحكومة وبرلمانها المزور، ولا عبر دستورها الملغوم أو قضائها المرتشي والمسيس، ولا عبر المرجعيات الدينية المتسترة على الفساد والفاسدين، الأمر الذي منح الثورة مشروعيتها، ودفع كل فئات الشعب للاشتراك فيها، والانضواء تحت لوائها، ووسع من حجم الدعم والإسناد لها، والالتفاف حول أهدافها التي تلبي طموحات العراقيين كافة، بكل أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم وفئاتهم السياسية والاجتماعية، بل رفض الثوار جميع المقولات البائسة التي روّجها أتباع الحكومة، لتشجيع الثوار على قبول أنصاف الحلول، من قبيل أن السياسة فن الممكن، أو التصرف بالعقل وليس العواطف، أو عدم تجاهل القوة الضاربة للمحتل وللحكومة، وصولا إلى القول إن الإصرار على إسقاط الحكومة سيؤدي إلى مزيد من سفك الدماء.
أمام هذا الإصرار لدى أبناء الثورة، وبسبب النضوج السياسي لقيادتها، واستعداد الثوار لتقديم
 مزيد من التضحيات، لجأت حكومة عبد المهدي إلى البحث عن وسائل أخرى، لإنقاذها من السقوط، فوجدت ضالتها في إشاعة حالةٍ من الخوف والفزع في صفوف الثوار، ظنا منها أنها ستكون كافية لإحباط عزيمتم وكسر إرادتهم، ومن ثم تخليهم عن الثورة. من هذه الوسائل أن الحكومة العراقية لن تتنازل عن السلطة، حتى لو اضطرت إلى إغراق العراق ببحر من الدم، وأن ملالي طهران سيقاتلون الثورة بشراسة، من أجل الاحتفاظ بالعراق الذي يشكل بالنسبة لهم الحلم التاريخي الذي عجز الأسلاف عن تحقيقه، وأن المليشيات المسلحة ستقاتل أيضا للدفاع عن مكتسباتها. ولم تنس الحكومة تذكير الناس بأميركا التي ستقف ضد هذه الثورة، أو على الأقل حماية الحكومة، كونها الوحيدة التي تحمي وجودها في العراق، وتحافظ على مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية، ناهيك عن خشيتها من امتداد لهيب الثورة إلى الدول المجاورة التي ترتبط معها بعلاقات وطيدة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.
طرق هذا الباب في هذا الوقت بالذات، بسبب ترديد أنصاف السياسيين والمثقفين والمحللين وغيرهم هذه المقولات، لتنتقل عدواها إلى بعض من الناس، الأمر الذي سيجعل من فرحة الانتصار كابوسا مفزعا، خصوصا وأن ذلك كله يترافق الآن مع علاماتٍ تنبئ بقيام قوات الحكومة العسكرية ومليشياتها المسلحة بمجزرة ضد ساحات التحرير في مدن العراق. ولكن عادل عبد المهدي نسي، ونسي معه هؤلاء، أن كل هذه التهديدات والتلويح بالمخاطر، على الرغم من فاعليتها، كونها تدخل في باب الحرب النفسية، ذات التأثير الفعال، لا تعد قدرا حتميا ينبغي الاستسلام له، فقد تعرّضت ثوراتٌ كثيرة في بلدان عديدة لمثل هذه المخاطر، وتمكّنت من مواجهتها والتغلب عليها، وتحقيق انتصارها النهائي. والعراقيون من بين هذه الشعوب التي تصدّت للمحتل البريطاني، الدولة العظمى حينها، وقامت بثورات عديدة ضد ذلك الاحتلال، وفي مقدمتها ثورة العشرين، لينتهي هذا الشعب الصغير إلى طرد بريطانيا نهائيا في ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958. مثلما تصدّت مدينة الفلوجة الصغيرة للقوات الأميركية المحتلة، وهزمتها باعتراف العدو قبل الصديق.
واجه الثوار، على أرض الواقع، قوة الحكومة العسكرية بصدور عارية، وأحدثوا خللا في توازنها، وأفقدوها قواها العقلية إلى درجةٍ لم يعد فيها مسؤول قادرا على صياغة جملة مفيدة. في حين وجهت الجماهير الثائرة ضرباتٍ قاضية لإيران وملاليها، وهدمت ما بنته في ستة عشر عاما، من ركائز سياسية واقتصادية ومليشيات مسلحة ومنابر حسينية وقنوات فضائية ومرجعيات دينية، هدمته في ستة أيام، ليس باستخدام الأسلحة المتوسطة أو الثقيلة، وإنما 
بشعارات مدوية، يقول أحدها "إيران برّه برّه وبغداد تبقى حرّة". والآخر الذي انطلق من مدينة كربلاء، بعد حرق قنصليتها هناك، ورفع العلم العراقي عليها يقول "هذا وعد هذا عهد إيران ما تحكم بعد". يضاف إلى ذلك ما قام به أهالي النجف والناصرية والعمارة، حيث مزّقوا صور مرشد إيران، علي خامنئي، وداسوا عليها وحرقوا بعضا منها، لينتهوا الى مسح اسم الخميني من شوارع كربلاء والنجف، وتسميتها بأسماء تخص الثورة العراقية، ومنها اسم شارع ثورة تشرين. أما تهديد الملالي باستخدام القوة وإرسال جنرالهم قاسم سليماني، إلى العراق، فقد قوبل بالاستهزاء والاستخاف به وبقواته. وأثبت لهم أهالي جنوب العراق الذين توهم ملالي طهران أنهم أصبحوا فُرسا أنهم عرب أقحاح وعراقيون يعتزون بعروبة العراق وتاريخه وحضارته، ولن يسمحوا لمحتل أو غاز مهما كانت جنسيته أو عقيدته احتلال بلدهم، كما فعلوا مع الاحتلال البريطاني للعراق في عام 1917، وفضلوا حكم الأتراك السنة على حكم البريطانيين، لتتوج تلك المشاركة في ثورة العشرين المجيدة. ولا يغير من هذه الحقيقة ارتباط حفنة من الطائفيين الشيعة بإيران، مثلما ارتبطت حفنة من الطائفيين السنة بتركيا وبدول خليجية، وفي المقدمة منها السعودية. وليس في هذا ما يعيب العراقيين، فخيانة بعضهم وولاؤه للأجنبي ظاهرة تشترك فيها كل الشعوب.
وفي المقابل، يتناسى من يدّعون قتال المليشيات المسلحة بشراسة لإنقاذ عبد المهدي وحكومته، والحفاظ على مصالحها، حقيقة هذه المصالح، كونها، ببساطة شديدة جدا، مصالح أساسها السرقة والنهب وتجميع المال والثروة. وهذه ليست من مقومات القتال والصمود، وإنما هي مقومات الانهيار والسقوط، في حين أن مصالح الشعوب مشروعة، قوامها تحرير البلد واستعادة استقلاله وسيادته ووحدته الوطنية وإعادة بنائه وإقامته على أسس الديمقراطية والتعدّدية وسيادة القانون. ترى هل هناك عراقي واحد مخلص لوطنه يرفض القتال والتضحية من أجل هذه المبادئ النبيلة؟ ألم تشكل هذه المبادئ العمود الفقري لمقاومة المحتلين، وتحقيق النصر في كل بلدان العالم؟
أما أميركا التي يخشى قوتها كل من على وجه الأرض، فلم تعد قادرةً على إخراج عادل عبدالمهدي من ورطته، وأصبحت في موقف حرج جدا، فلا هي قادرة على التدخل المباشر 
لحماية الحكومة ضد تظاهرة سلميةٍ لم تتجاوز حقها في الدستور الذي كتبه سفيرها في العراق، بول بريمر، فتفتضح كذبة الديمقراطية التي برّرت بها احتلال العراق، ولا هي قادرة على السكوت، حيث نجاح الثورة وتشكيل حكومة وطنية مستقلة ستنهي وجودها في العراق، وتوجه ضربة موجعة لكل مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وستظل هذه الدولة العظمى في حيرةٍ من أمرها حتى انتصار الثورة، لتكتفي بتحصين دول الخليج العربي ضد وصول نيران الثورة إلى عروش أمرائها.
لهؤلاء وغيرهم من معشر المحتلين نقول إن الثورة العراقية العملاقة واعية تماما طبيعة الصراع، وتتبع مجراه الرئيسي المؤدي إلى طرد إيران، وكل محتل أجنبي من العراق، وتطهير أرضه من رجسها، وإن العراقيين سيحكمون بلدهم، وليس الأجنبي ومرتزقته من عراقيي الجنسية زورا وبهتانا. وهذا يعني أن إيران ستخرج من العراق بسواد الوجه. وإذا كان الخميني قد تجرّع السم بعد هزيمته في العراق بعد حربٍ دامت ثماني سنوات، فإن علي خامنئي سيتجرّع السم الزعاف، وسينتهي إلى الأبد مشروع إيران القومي الفارسي الذي يستهدف الأمة العربية عموما، والعراق خصوصا، سيما أن الثورة العراقية قد استوفت مستلزمات الانتصار النهائي وشروطه، وفرضت وتفرض وجودها في جميع الساحات العامة، وفي مقدمتها ساحة التحرير في بغداد، ومرورا بتعاظم الحشود الشعبية مع مرور الأيام، وانتهاء بانضمام جميع النقابات المهنية، من محامين ومهندسين وأطباء وعمال وغيرهم، إلى الثورة العملاقة، ناهيك عن انضمام نساء العراق وطالبات المدارس اللواتي أبلين بلاء حسنا في الدفاع عن الثورة، وعن أبنائها الأبطال.
تمثل المرحلة الراهنة التي تمر بها الثورة العراقية المشهد الاخير من سقوط حكومة عادل عبد المهدي ومجلسه النيابي ومليشياته المسلحة، وكل اتباع الحكومة ومرتزقتها وأقلامها المأجورة.
تعليق: