تونس... هذا البلد الغريب

تونس... هذا البلد الغريب

21 نوفمبر 2016
يحمل المستقبل القريب العديد من التحديات للتونسيين (أمين الأندلسي/الأناضول)
+ الخط -
يبدو المشهد التونسي سريالياً من الداخل. أمواج متلاطمة من الأحداث المزدحمة والمتداخلة والمتناقضة. وينبغي أن تمر بيوم الجمعة 18 نوفمبر/تشرين الثاني، وأن تعيش تفاصيله في تونس لتفهم غرابة هذا البلد وفرادته في نفس الوقت.

وشهد ذلك اليوم جملة من الأحداث الموزعة على بعض أحياء العاصمة المتباعدة، في مشهد جدير بالتقطيع السينمائي، بسبب المشاهد المتنافرة وغير المترابطة أصلاً ولكنها كانت تقع في نفس المدينة وبنفس الشخوص وفي سياقات زمنية غريبة بين الماضي والحاضر، والدموع والضحكات، والآمال والخيبات.
في مشهد أول ثبّت عقارب الزمن، كان التونسيون يفتحون جراح الماضي، ويستعيدون قسوة الظلم ويتذكرون ظلام السجون، بعد أن انطلقت أولى جلسات الاستماع لضحايا الانتهاكات على مر عقود من الزمن، سبقت حتى استقلال البلاد، وتجاوزت ذكرى ثورتهم. وتابع كثر من التونسيين قصص الضحايا بدموع كسرت حاجز الصمت وأذنت بفتح الملفات أخيراً.
أما في المشهد الثاني، وبموازاة الأول تحديداً، كانت الضحكات تنطلق من شارع بورقيبة، الذي أتى ذكره في قصص الضحايا، بمناسبة انطلاق أيام قرطاج المسرحية. غير بعيد عن ذلك، كان رئيس الحكومة يوسف الشاهد في باردو يحاول إقناع النواب بصعوبة الظرف وبالإكراهات التي فرضت موازنة صعبة، على الجميع اقتسام أعبائها.
وعندما تكون تونسياً وتتابع بشغف كل هذه المحطات بأدق تفاصيلها، تتساءل إن كنت بالفعل في مدينة واحدة، في يوم واحد، لأنه يصعب كثيراً أن تكون مستعداً للضحك والبكاء والعقلانية في الوقت نفسه، وأن تستوعب كل ما يحدث بمسافة تمكنك من التفاعل مع ما يحدث بمنطق معقول وبهدوء أو ببرود... ولكنها تونس، تجتمع فيها الصحراء بالبحر والجبل، وشدة البرد بقساوة الصيف، وأمل شباب أنجز ثورة بمغامرة آخر على قارب موت.
وبالتوازي مع ملف الماضي المفتوح على مصراعيه، سيكون أيضاً على التونسيين أن يستعدوا لمستقبل قريب سيحمل أيضاً جملة من التحديات الجديدة، إذ رفضت النقابة (الاتحاد العام التونسي للشغل) نهائياً مقترح الحكومة، فيما أعلنت الأخيرة أنها أيضاً لن تتراجع عن برنامجها، بما يفيد بأن المواجهة أصبحت قريبة وبأن الأيام الصعبة آتية، لكنها تونس، بلد التناقضات الدائمة، التي عرفت إلى حد الآن كيف تتفادى الوقوع في المحظور في الأمتار الأخيرة... وربما تنجح هذه المرة أيضاً.

المساهمون