تونس.. عزل مقنّع أم للديمقراطية براثن؟

23 يونيو 2019
الصورة
+ الخط -
أقرّ البرلمان التونسي، يوم الثلاثاء الماضي (18 يونيو/حزيران الحالي)، تعديلاتٍ قدّمتها الحكومة على قانون الانتخاب، وسط جدل حاد لن ينتهي عند هذا الحد. وتفيد أغلب المؤشرات إلى أن تداعيات مهمة ستعقب التنقيحات التي وافق عليها 130 نائبا وعارضها 30. وهي المرة الثانية التي يُعرض فيها المشروع في أقل من أسبوع بعد إسقاطه المرة الأولى. وقد أخذ في الاعتبار أمرين: العريضة التي جمعت، إلى الآن، العدد الكافي من النواب للطعن في دستورية التعديلات أمام هيئة مراقبة دستورية القوانين، بعد تعطل قيام المحكمة الدستورية، كما نص الدستور، أكثر من خمس سنوات، لأسباب غير مقنعة. الأمر الثاني موقف رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي الذي يتيح له الدستور إعادة المبادرة إلى البرلمان، إذا قدّر أنها تنتهك الدستور، وهو الضامن لعلويته. والمتوقع أن إرباكا ما سيطرأ على سير الانتخابات النيابية المقرّرة في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، فكل هذه المواقف ستجعل إجراء الانتخابات في هذا الموعد أمرا عسيرا، نظرا إلى الدخول في المنعطف الأخير منها، ذلك أن تقديم الترشيحات ينطلق في غضون أسابيع قليلة.
يمكن إيجاز مضمون التعديلات التي أجريت على القانون في مسألتين: التضييق القانوني على مسؤولي الجمعيات المشتغلة في العمل الجمعوي، أي التي تقدّم المساعدات والإعانات للفئات المحتاجة والفقيرة، تحت لافتة العمل الخيري والتطوعي، وقد تحوّل بعض من يزاول هذا النشاط أخيرا إلى العمل السياسي، وأعلنوا نيتهم الترشح لعضوية البرلمان، بل وللانتخابات الرئاسية، فالتعديلات التي تم إقرارها تمنع هذا الخلط وتضع حدّا له. ويرى مناصرو التعديلات أن من شأنها وقف التحايل على الديمقراطية، ومنع استثمار العمل الخيري، على نبله، لغايات انتخابية ترهن إرادة الناخبين، وتستثمر بؤسهم واحتياجهم. المسألة الثانية أن تلك التنقيحات التي تشترط النزاهة والإيمان بقيم الدستور وحقوق الإنسان، تأكيد على أن الديمقراطية ليست سباقا انتخابيا فحسب، بل هي إيمانٌ بتلك القيم، حتى لا تأتي الصناديق بجبابرة وجلادين.
وتطرح فحوى التعديلات أزمة أخلاقية حقيقية، فلا أحد ذهب بيقينٍ صلب إلى التصويت عليها، إذ يفترض في الديمقراطية أن تفتح أبواب المشاركة لكل المواطنين، خصوصا أن النخب السياسية تجنّبت الذهاب بعيدا منذ سقوط النظام السابق في أيٍّ من أشكال العزل أو الإقصاء السياسيين. وتقتضي الديمقراطية فتح أبواب المنافسة وإذكاء التنافس السياسي بين الفرقاء، من دون قيد أو شرط، إلا ما نصّ عليه القانون الذي لم يحرِم مسؤولي الجمعيات الخيرية أو غيرها من حق الترشح، غير أن الباب ظل مفتوحا، من خلال ما سها عنه القانون نفسه، أو ما لم يتوقعه أمام استثمار العمل الخيري وتشكيل ثقافة زبونية تشتري الولاء والأصوات بثمن بخس، يقدّم للفقراء والمحتاجين، طعاما وملبسا ومالا، تحت أشكال عديدة من التغطية الإعلامية الفجّة والدعاية المخلّة بقواعد الأخلاق والكرامة البشرية.
ليس لمعارضي هذه التنقيحات أي تحفّظ جذري، من حيث المبدأ، عليها، ولكنهم يعتبرون 
التوقيت غير مناسب أخلاقيا، إذ كان يفترض أن تقدم الحكومة، أو غيرها، هذه التنقيحات قبل مدة محترمة. أما وقد دخلنا الأمتار الأخيرة من السباق الانتخابي، فان هذا يعد تغييرا لقواعد اللعبة الانتخابية، ما يضفي التباسا على النتائج، وتشويها للديمقراطية، حتى يبدو كأنه تنقيح "على المقاس" لاستبعاد خصومٍ بيّنت نتائج استطلاع الآراء أنهم قد يسحبون البساط من زعماء الطبقة السياسية، والحزبية تحديدا.
يردّ مناصرو التنقيحات على هؤلاء أن للديمقراطية براثن تدافع بها عن نفسها، حتى لا تُستباح في بلدٍ يشهد انتقالا ديمقراطيا عسيرا، أبرز سماته الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية. وليس من الأخلاق في شيءٍ أن يستثمر بعضهم في بؤس الناس ومآسيهم لشراء أصواتهم وولائهم. كان يُفترض في هؤلاء أن يدخلوا الحقل السياسي من أبوابه المشروعة والمشرعة في ديمقراطيةٍ مفتوحةٍ منذ الثورة. أما التسلل إليه من فتحات العمل الجمعوي الخيري فهو خلع لأبواب الديمقراطية، في ما يشبه جريمتي الاحتيال والانتحال.
ليست معلومة بعد مآلات الأمور في ظل ما ستقرّره الهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية القوانين، ولا أحد يعرف موقف رئيس الجمهورية، فالكل يحبس أنفاسه انتظارا للحسم، وما يمكن أن تتبعه من قرارات، قد تصل إلى تأجيل الانتخابات. ثمّة إحساسٌ بأن العبء الأكبر سيقع على الهيئة العليا للانتخابات، وقد تم ترحيل القضايا الشائكة إليها، لو ظل الأمر على حاله.
تحتاج الديمقراطية أن تسيّج نفسها بعدالة القانون وصرامته، حتى لا تُستباح، ولا يتم التحايل عليها وسلب ما في جوهرها: إرادة حرّة لشعب واع لا ينخدع، فالضرورات تبيح المحظورات أحيانا.