توم ويتس: ما زلتُ هنا

07 ديسمبر 2019
الصورة
لقد أصبحت صورة كاريكاتورية عن نفسي (إلين جاكسول/Getty)
+ الخط -
عند حصوله على جائزة غرامي لأفضل آلبوم موسيقى بديلة عام 1992، شعر توم ويتس بانزعاج عميق لم يسعه إلا أن يعبّر عنه: "بديلة عن ماذا؟ ما الذي يعنيه هذا بحق الجحيم؟".

تمتد ديسكوغرافيا توم ويتس (1949)، الذي يبلغ اليوم عامه السبعين، لأكثر من خمسة عقود، اشتغل فيها على تقويض صورة النجاح، وقصّ سير الأشخاص الأقل حظًا، أولئك الذين رُمي بهم وراء عجلات القيادة وأكشاك البيع، حيث يطؤون أحلامهم الموؤودة، وينجون يومًا تلو الآخر؛ مترًا؛ وكأسًا تلو أخرى، من الأماكن المميتة. بصوت أشبه ما يكون لصوت "متشرد ثمل، يجادل مالك مطعم حول سعر طبق الحساء"، غنّى ويتس البلوز والروك والجاز والفولك.

في أعماله توليفة سحرية بين جاز الساحل الغربي وكاباريه الثلاثينيات، جنبًا إلى جنب مع البيبوب والموسيقى اللاتينية والغوسبل، وصولًا إلى قعقعة الإيقاعات التجريبية والموسيقى الكرنفالية والسيركيّة.

هبط ويتس آبار المدن، حيث البؤس هو نهر العالم المتدفق، مستحكمًا عصب العالم السفلي الخفي لمدينة نيويورك، قابضًا على قلب ليلة السبت من حانات الأقبية الضبابية للوس أنجليس. عالمه هو عالم المقاهي والبارات وفلاسفة الشوارع وبيوت الدعارة والمسافن والجدران المنقوعة ببول المتشردين وذوي الياقات الزرقاء؛ عالم كل من لا عالم له. إنه العالم المقلوع من جذوره، مع ذلك يبقى مسقيًا، حيًا، يُزهر الحب، يمدح الفشل ويحتفي بالخسارة.

لـ ويتس علاقة خاصة مع الزمن، إنه ماضويّ محارب للأيقنة، عدو للتقاليد، ومُجدد يتوجّس من الدُرجة (التريند)، هو "المتمرد ضد المتمردين"، ذاك الذي يخشى التحشّد والانشداه بظاهرة ما. ما كان لشاب كهذا إلا أن ينشز عن موجة الستينيات والسبعينيات الموسيقية المعاصرة له، والتي تلخّصت في اتجاهين؛ يتمثّل أحدهما في مرحلة ما بعد البيتلز والسايكاديلاك روك، والآخر في أغاني الروك فولك (الشعبية) كما في حالة جاكسون براون. لم يلتقط ويتس عدوى الهيبيز وروك "تأمل الذات" هذه؛ شيء ما لفه من الوراء، فجنح إلى موسيقى كول بورتر، وليد بيلي، وبيغ ماما ثورنتن.

لقد حنّ إلى مرحلة زمنية سابقة، حيث سادت الكحول لا المخدرات، فسُحر في بداية شبابه بتشارلز بوكاوسكي، وبكتّاب جيل ما بعد الحرب؛ جيل البِيْت Beat Generation، متأثرًا بشكل خاص بـ جاك كيرواك وآلن غينسبرغ وويليام إس بوروز الذي سيتعاون معه لاحقًا. جمع ويتس بين عالمي التشرد والطليعة، وهو تحالف لم يعقده فوق رؤوس المنكودين، ولا سعى عبره إلى إظهار تعاظم عبر التواضع، لقد أتقن فن "التقاط الطيور دون قتلها". إن تجاربه الموسيقية المتباينة والمتنافرة، تشي إلى حد ما بطبيعته، وتمتد من إرث لوي آرمسترونغ، وليتنين هوبكنز، وصولًا إلى نهج كورت فيل، وهاري بارتش، وكابتن بيفهارت ما بعد الحداثي.

"كل بكائك لن يجدي/ تعال إلى المنزل/ انزل عن الصليب/ بوسعنا استخدام الخشب". لم يُعرف ويتس كمغنٍّ فحسب، بل برز كممثل وكاتب أغانٍ. يجادل بعض ممن يسعون إلى إزاغة الحدود الفاصلة بين الشعر والقصيدة الغنائية حول اعتباره شاعرًا، في حين لا يتردد هو في نبذ التعبير الخطير عن نفسه، مفضلًا وصف "القاص".

من يقرأ سيرته الذاتية التي تتخذ شكل مجموعة من المقابلات يجريها ويتس مع نفسه، يستطيع أن يستوضح مهارته اللغوية، وأثر الأدب الروائي والشعري على أعماله، إلا أنه لم ينشر شعرًا خارج نطاق أغانيه حتى عام 2011، حين تعاون مع المصور الأميركي مايكل أوبراين على كتاب "هارد غراوند"، الذي يضم صورًا فوتوغرافية لأناس يعيشون على الطرقات، ترافقها مقاطع شعرية من كتابة ويتس تصف جوهر حياة الشوارع؛ موضوع عَرف عنه ويتس الكثير.

في سعيه المستمر والعفوي نحو الأصالة، كان لويتس البالغ أسئلة عديدة لم تكن له في شبابه: هل أنا شخص غرائبي فعلًا؟ أم أنني أرتدي قبعة غريبة وحسب؟ إنه ذلك النوع من الأسئلة الذي، كما الصداع، لا يطرق رأس المرء إلا عندما يصحو.

ما قدّمه ويتس عبر عقود من العمل، كان مزجًا متجانسًا بين الواقع والخيال والتجربة والذاكرة؛ صورة مرتاد الحانات، أشعث الشعر، الساخر، عدو الاستيقاظ المبكر، والمخاطر. إنها الإينيغما التي نجحت في جذب انتباه الكثيرين ممن تلقفوا الألقيّة وحاولوا، عبثًا، فك رموزها، هو فضول مزعج يجابهه ويتس بمزيد من المراوغة والتمويه، من دون أن يجعل من الحقيقة عائقًا أمام سرد حكاية جيدة، إذ يعيد ويتس إنتاج قصص حياته، في أسلوب الكوميديان لورد باكلي، فيسترسل بشطحات يواجه بها أي سؤال صحافي مبتذل. وراء ذلك الاستعراض المدروس للمغني، سخرية عميقة من مفهوم "الحقيقة" عبر إعلام "الشو بيز" المزيف، ومن صورة النجم والبطل في آن.

أما ما هو أسفل ذلك القناع الصلب الذي ربما التحم مع وجهه، فهو ما لا يستطيع أحد البت فيه، حتى ويتس ذاته: "لقد أصبحت صورة كاريكاتورية عن نفسي". لعلّ التفاصيل القليلة التي نعرفها عن حياة ويتس، لم نجدها في مقابلات صحافية أو تلفزيونية، إنما عبر أغانيه نفسها، أو في ذلك البرولوغ الصغير الذي يبتدأ به عروضه في بعض الأحيان.

إن جرح العائلة، فضلًا عن أي شيء آخر، هو أكثر ما يدفع المرء إلى العمل، خصوصًا في مجال الترفيه. يروي ويتس لاحقًا في واحدة من مقابلاته الجدية النادرة، أنّه قضى سني طفولته الأولى في مدينة بومونا، يجمع أعقاب الدخان الرطبة عن الأرصفة، ينقذ قطط الحي، ويتعلم الأوكاليلي مع والده فرانك؛ المدرّس، عازف الغيتار الخائب، الكحوليّ العاطفيّ، والملهم الحقيقي وراء كثير من شخصيات ويتس في مرحلة لاحقة، وسبب افتتانه برجال البيت اللاذعين.

لم يحظ ويتس بطفولة اعتيادية، خصوصًا بعد انفصال والديه عام 1959، كحال العديد من الأزواج في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت للولايات المتحدة. "لقد اقتلع نفسه بنفسه" يعلّق ويتس على رحيل والده، "كان السن المنخورة في ابتسامة". وضعت هجرة الأب ويتس في رحلة بحث مستمرة عنه، انتهت في زج نفسه موضع الأب، حاملًا عصا جده في الثانية عشرة من عمره، مرتديًا معطفًا وقبعة لم يتخلّ عنها حتى اليوم.

يشكل رحيل الأب منعطفًا هامًا في حياة الصبي لأنه سينتقل إثره، بصحبة والدته أيلما، إلى المدينة الأكثر تأثيرًا على ذاكرته؛ ضاحية سان دييغو بالقرب من الحدود مع المكسيك. تعرّض ويتس هناك لموسيقى المارياتشي والباندا التي سيكون لها أثرها الواضح على أعماله، وعلّم نفسه عزف البيانو والغيتار بأسلوب سيظل متواضعًا حتى يومنا هذا.

في مدينة البحارة تلك، حيث أضحى غياب الآباء فصلًا من حياة كل عائلة، خاض ويتس معترك الحياة طفلًا، فاختبر صحبة أفراد العصابات والباعة المتجولين والأفّاقين، كما حصل على وظيفته الأولى في سن الرابعة عشرة من عمره. أربع سنوات طوال من جلي الصحون وتنظيف الحمامات في الناشونال سيتي، تنقّل بعدها بين أعمال عدة؛ فمن محطات الإطفاء إلى المطاعم ومحلات البيتزا، وصولًا إلى خفر السواحل والحراسة الخارجية لأبواب الملاهي، التي سيشق طريقه تدريجيًا إلى داخلها، إذ ابتدأ ويتس الغناء داخل حانات صغيرة، مقدمًا أغاني لبوب ديلان، ناسخًا أسلوبه الغنائي إلى حد كبير، الأمر الذي سيتخلص منه حالما يبتدأ بكتابة أغانيه الخاصة، التي تشكّل في معظمها ملاحظات عن أحاديث المارة أمام الملهى.

لن يمضي وقت طويل حتى يتجه ويتس إلى لوس أنجليس، حيث ينام في سيارته التي يدين لها بالكثير، ويعمل كحارس ليلي في ملهى الهاريتاج. في عام 1969، سيحصل ويتس على فرصته الأولى في ملهى تروبادور الشهير، ما سيقوده في نهاية الأمر إلى تسجيل ألبومه الأول Closing Time عام 1973.

تلاه بعام واحد ألبوم Heart Of Saturday Night. في هذا العمل، صورة جماعية لمجتمع "الأكباد السيئة والقلوب المكسورة"، تؤطّرها نغمة جاز ميلانكولية، تتعاظم في ألبوم بلادات البيانو Small Change عام 1976، الذي ألفه ويتس بعد عودته، ثملًا، من رحلة إلى حي سكيد رو في لوس أنجليس، والذي هو واحد من أكبر تجمعات المشردين في أميركا آنذاك.

لقد سيطرت على تلك الآلبومات شخصية الشاعر المضروب في رأسه، مرتاد الحانات، المحطم، الهائم بجرحه المفتوح، وهي الصورة التي سيستهلكها ويتس وتستهلكه في آن، حتى يتعرّف أخيرًا على زوجته محرّرة النصوص الدرامية كاثلين برينان عام 1980 خلال عمله على موسيقى تصويرية لفيلم فرانسيس كوبولا One from the Heart.

ستغلق برينان الجرح مرة وإلى الأبد، وتصلّب قوام العاطفي المتهالك، النازف على أعماله، وتعلن بداية جديدة لأسلوبه الموسيقي والاستعراضي المستوحى من أجواء شعراء البيت. فمع نهاية السبعينيات؛ نشهد انزياحًا تامًا عن صورة الثمِل في كل من أعمال ويتس وحياته الشخصية: "ليس هناك ما هو مضحك في صورة السكيّر"، يقول ويتس لمجلة الرولينغ ستون عام 1977: "لقد بدأت أعتقد حقًا أن هناك شيئًا مسليًا وأميركيًا بشكل خارق في حالة السكّير. انتهى بي الأمر إلى أن أتوقف عن هذا القرف".

قادت تلك النقلة النوعية ويتس إلى إنتاج أحد أهمّ أعماله، Swordfishtrombones (1983) الذي يشكل أول آلبوم في ثلاثية نحاسية، ممسرحة. يحضر البيانو عبر قطعتين من هذا الآلبوم، بينما تغلب على بقيته أصوات "أوركسترا الخردة"، ومزمار القربة، والطبل الأفريقي والمريمبا، وغيرها من الآلات الإيقاعية والنحاسية التي تتصادم لتفجر افتتاحية الآلبوم؛ أغنية أندرغراوند Underground؛ مارش عسكري لحشد من "المسوخ" كما وصفها ويتس، تحفر طريقها عبر أنفاق مدينة نيويورك.

يركز هذا الألبوم على خلق شخصيات كانت في معظمها رجالًا عادوا من الحرب، وهم على شفير اليأس والموت، معتّقين بروح الفكاهة السوداء. يتابع ويتس النهج ذاته مضاعفًا في ألبوم Rain Dogs (1985)، وهو الجزء الثاني من ثلاثية تنتهي مع الألبوم المعد أصلًا للمسرح Frank's wild years.

لم يكن ويتس، في بادئ الأمر، من معجبي المسرح الموسيقي، إلا أنه ذهل تمامًا لدى مشاهدته مسرحية "آينشتاين على الشاطئ"، تحفة فيليب غلاس وروبرت ويلسون، ليجد نفسه لاحقًا يتعاون مع هذا الأخير عبر عدد من الإنتاجات المسرحية الصادرة على هيئة آلبومات موسيقية أيضًا؛ منها (1992) The Black Rider مع الشاعر والروائي وليام إس بوروز.

حبس توم ويتس أنفاسه مع بداية عام 1993، وتوقف عن العمل لمدة ست سنوات، بعدما كان يصدر ألبومًا كل سنة تقريبًا، إلا أنه مزق حالة الصمت هذه مع آلبوم Mule Variations (1999)، الذي يشكّل نقلة أخرى في أسلوبه الكتابي والموسيقي.

ينطوي الألبوم على مفارقة تاريخية عبر موسيقى جاز الريف القديمة، وينعطف عن المدينة، ناقلًا مشهد الضواحي الجنوبية الريفي بأسلوب سوريالي، فيصف حظائرها الخربة، ومحاصيلها الفاسدة. يدخل ويتس الألفية الثانية مع آلبوم Blood Money (2002)، المستوحى من مسرحية فويتسيك للكاتب المسرحي جورج بوشنر. ساهمت برينان إلى حد كبير في كتابة كلمات الألبوم، في حين كان ويتس يعمل على واحد من أعقد تراكيبه اللحنية والآلية؛ عواء صناعي، وتكشيرة على وجوه المبطوحين، الذين ملّوا الخلاص وتخلوا عن الأمل.

يزداد ويتس ضجيجًا وتجريبًا مع ألبوم Real Gone في عام 2004، فيستغني للمرة الأولى عن البيانو، ويضع مكانه إيقاعات الهيب هوب والفانك وإيقاعات الفم، مع فورة من الألحان الغرب-أفريقية واللاتينية. لعل أجمل ما في الألبوم، أن ويتس يبنيه على افتراض المعرفة المشتركة والصداقة ووحدة الحال وحس الفكاهة بين السارد/المغني، والمستمع.

في عام 2011، يعود ويتس في آخر ألبوم له، حتى الآن، Bad As Me إلى نهج تخلى عنه مع Swordfishtrombones. في موسيقى الألبوم احتضان تام لأسلوب ويتس الموسيقي الذي طالما تأرجح بين الأقدمي والغرائبي. هنا، نستمع إلى ويتس الناضج، الشاب الحكيم الذي يبتسم في وجه الكآبة، الجامح الرقيق، الكهل الذي يمد يديه لشيء يقع وراء الكلمة واللحن، ويلمس فيه الحياة.

دلالات

المساهمون