"ويتس/كوربيجن77-11": سوء تفاهم بصري

07 ديسمبر 2019
الصورة
يجمع الكتاب صوراً التُقطت خلال 35 عاماً (Getty)
+ الخط -
"ما هذا الهُراء؟". سؤال باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء حضوره الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي، والمشترك مع أربعة طلاب آخرين. للوهلة الأولى، اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط. في تلك اللحظة، كنت سأقبل هذا الوصف لو كان يتعلّق باللوحة، إلا أنّه كان يشير إلى الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو.

صحبت هذا التعليق ابتسامةٌ فوقيّة، تسخر من هذا النوع من الموسيقى التي، كما يرى الأستاذ، تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها، من دون أن يستفيض ويوضّح لماذا، وإلى ماذا استند يقينه بأن ما يسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "خراء"!

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!". أجبته، ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي اليمنى بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوتُ توم ويتس، مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير: God's Away On Business.

***

في عام 1977، التقط المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي، أنطون كوربيجين، الصورة الأولى لـ توم ويتس. تعاونٌ بدأ بصورة أحادية اللون؛ وهو طابع تم اعتماده في ما بعد، ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد، والرمادي، والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان: "ويتس/كوربيجن77-11" (waits-corbijn 77-11). عمل، بغلاف من كتّان، وضعه كل من المخرج جيم جارموش، والكاتب روبرت كريستاو.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب الـ 35 عاماً. توثيق لحياة ويتس بين عمر الـ 27 والـ 61. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمنياً، ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه: التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البهلوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لآخر. لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم تخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر.

يتسلّق ويتس أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة، على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور، وأشجار عارية مائلة متدلّية نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة. كذلك، نرى غرباناً، وشوارع فارغة، حصاناً ثابتاً كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة. يستدعي هذا كله تساؤلاً حول ما إذا كان مصادفةً، أم عن قصد، وجودُ عنصرين يشكلان مفارقة زمنيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. لكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصراً أساسياً مفعماً بالحركة، هو جسد توم ويتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، نتفاجأ بأن الصورة الملتقطة تُظهر المغني متعدّياً على صديقه المصوّر، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني ويتس. سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة، غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا، معلّقاً كرسيّاً خشبيّاً حول رقبته، وممسكاً آلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه، موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى، الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صوراً التقطها ويتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوادر، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو ويتس في مقابلاته والفيديوهات المرافقة لموسيقاه المغناة: جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتاً، أو لمّاحاً، حاضراً للإجابة. لا يكترث بالفضاء المحيط به، وبأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته، بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظران، والآخر مهتم بإشعال سيجارته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى ويتس، تلك الموسيقى التي تسترعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، من دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةً مدروساً ومضبوطاً مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد ويتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا، يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته المهمة والشاقة قليلاً في الرغبة بإظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كـ ويتس، سواء سيطرة جسديّة، أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها من دون استشارة أو الرجوع لمن يقف خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار توم ويتس ليكون محوراً لمشاهده على مدار ثلاثة عقود ونصف من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما، ليكون سبباً هامشياً وليس أساسياً، رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها في ما بعد لتجمع بكتاب مصّور.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل معاً، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين"، يقول كوربيجن معلّقاً على الكتاب.

يدفعنا الكتاب، بما يحتوي من مشاهد، للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لـ ويتس من وجهة نظر بصريّة مختلفة. هكذا، نجد ويتس عنصراً رئيسياً في تجربةٍ أخرى، شكّلها خيال الفنان مات ماهورين عبر صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة. نقع في كتاب ماهورين، الذي يحمل عنوان Tom Waits by Matt Mahurin على عناصر أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها، ورد فعلها على السواء.

مات ماهورين مصوّر، ورسام ومخرج أفلام، وأغانٍ مصوّرة لفرق موسيقيّة، مثل "ميتاليكا".
يبدو ويتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. ويتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة، لكن مكمّلة لبعضها بعضاً في المشهد الواحد. الزّمن هنا يبدو عنصراً مهمّاً، نجد أنفسها أمام صور تظهر كأنها قصة تجري أحداثها، أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة، سواء أكان رسماً أم تصويراً.

كل تفصيل في أعمال ماهورين له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضع ويتس في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار ويتس وتوثيق حركات جسده ووجهه كـ عنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما باقي الكادر فمهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب ويتس.

دلالات

المساهمون