تهديدات عباس تزيد أبعاداً جديدة على أزمة غزة

10 ابريل 2018
الصورة
خشية من انهيار شامل في القطاع (Getty)
حملت تصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس الأخيرة تجاه قطاع غزة، مزيداً من التهديدات والوعيد، وهو الذي ألمح إلى وقف كل ما تدفعه السلطة وحكومة الوفاق إلى القطاع، بما في ذلك رواتب الموظفين والموازنات التشغيلية لبعض القطاعات الصحية والتعليمية، وغير ذلك من القرارات التي ستعمّق أزمات غزة الإنسانية والاقتصادية والمعيشية. وبالفعل، أغلقت البنوك الفلسطينية في قطاع غزة، أمس الاثنين، الصرافات الآلية، التابعة لفروعها بالحديد، بعد ساعات من بدء دفع السلطة الفلسطينية رواتب موظفيها في الضفة الغربية من دون القطاع، ومن دون صدور بيان رسمي من وزارة المالية بشأن تأخر الرواتب عن غزة. وقال مصدر مصرفي لـ"العربي الجديد"، إنّ وزارة المالية في رام الله لم تحول حتى الآن الكشوف المالية الخاصة برواتب موظفي السلطة في قطاع غزة والبالغ عددهم نحو 70 ألف موظف، رغم تأتخر الرواتب عن الموظفين في شقي الوطن لخمسة أيام بدون مبررات واضحة.

وقال عباس، في اجتماع اللجنة المركزية لحركة "فتح"، مساء الأحد، حول المصالحة الفلسطينية، إنه تحدّث مع المصريين بشأنها، وأبلغهم بكل وضوح، إما أن "نستلم كل شيء، بمعنى أن تتمكّن حكومتنا من استلام كل الملفات المتعلقة بإدارة قطاع غزة من الألف إلى الياء، الوزارات والدوائر والأمن والسلاح، وغيرها، وعند ذلك نتحمّل المسؤولية كاملة، وإلا فلكل حادث حديث". وفي إشارة واضحة إلى ما سيكون عليه الوضع لاحقاً، أكد عباس أنه "إذا رفضوا (حماس) لن نكون مسؤولين عما يجري هناك"، موضحاً أنه ينتظر الجواب من "الأشقاء" في مصر، "وعندما يأتينا نتحدث ونتصرف في ضوء مصلحة الوطن ومصلحة الشعب الفلسطيني".

وسبق لعباس التهديد بقطع كل شيء عن غزة عقب التفجير الذي تعرّض له موكب رئيس الحكومة رامي الحمدالله ورئيس جهاز المخابرات ماجد فرج شمالي القطاع، قبل أسابيع، لكن تدخلاً مصرياً أوقف مؤقتاً تنفيذ التهديدات تحت وقع الحديث مجدداً مع "حماس"، إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن.
وقبل عام بالضبط، خفّضت السلطة الفلسطينية رواتب موظفيها في غزة البالغ عددهم نحو 70 ألفاً، عبر خصومات وصلت إلى ما يزيد عن 30 في المائة من قيمتها، وحوّلت أعداداً كبيرة إلى التقاعد الإجباري، ما أحدث أزمة اقتصادية ونقصاً حاداً في السيولة النقدية في أسواق القطاع، وأربك كل شيء في القطاع المحاصر.

وأخذت هذه التهديدات بُعداً جديداً مع تكرارها، ونقلها إلى الوسيط المصري في ملف المصالحة الفلسطينية، الذي يُجري محاولات حالية لاستدراك الموقف والتواصل مع حركة "حماس" للعودة إلى تنفيذ ما اتُفق عليه في اتفاقية المصالحة، في 12 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. ولا يبدو أن حركة "حماس" ستقدِم على تسليم غزة بالشكل الذي تريده السلطة الفلسطينية، إذ إنّ ملف موظفيها في القطاع، والبالغ عددهم 45 ألفاً، لم يحل حتى الآن، وهي لا تستطيع أن تتركهم في الشارع من دون إيجاد حل ودمجهم في القطاع الحكومي الرسمي.

وتعثّرت المصالحة قبل تفجير موكب رئيس الحكومة، لكنها كانت تقاوم الانهيار التام بوجود الوفد المصري الذي انسحب عقب التفجير من دون تقديم مبررات، وكانت الأوضاع تراوح بين التعثّر الملحوظ ومحاولة إخفائه من قبل الطرفين المتحاورين. ولم تنجح مصر، حتى الآن، في تجاوز أزمات المصالحة، إذ إنها لم تقنع السلطة الفلسطينية كما وعدت "حماس" بدمج موظفي غزة في السلم الوظيفي الحكومي، كما أنها لم تنجح في تجنيب ملف سلاح المقاومة النقاش الداخلي بعد تعهدها بذلك، وفق مصادر "العربي الجديد".


وقال مسؤول في غزة لـ"العربي الجديد"، إنه عقب خطاب عباس بعد تفجير موكب رئيس الحكومة، لم يزر أي من المسؤولين الحكوميين غزة، ولم يجر أي تواصل مع الموظفين الرسميين التابعين للسلطة في القطاع من قبل مسؤوليهم المباشرين، بعكس ما كان يجري بعد تسلّم السلطة جزئياً مسؤوليات مختلفة في القطاع والوزارات والمؤسسات الحكومية.
ووضع عباس، حركة "حماس" أمام خيارات صعبة وقاسية، خصوصاً مع إصرار رئيس مكتبها السياسي في غزة، يحيى السنوار، على أنّ حركته غادرت مربع الانقسام ولن تعود إليه، ولن تعود إلى تسلّم الملف الحكومي كما كان سابقاً.

وعلى الأرض، باتت الخشية تتزايد من الانهيار الشامل، بعد الانهيار الحالي الذي وصل إلى مراحل متقدمة، إذا أقدمت السلطة الفلسطينية على تنفيذ تهديداتها، في ظل الغطاء العربي الممنوح لها للتعامل مع غزة كيفما تشاء.
وعن هذا الأمر، قال القيادي في حركة "حماس"، النائب عن كتلتها البرلمانية في المجلس التشريعي الفلسطيني، يحيى موسى، لـ"العربي الجديد"، إن عباس "لا يتفضّل على غزة بما يدفعه من رواتب أو موازنات تشغيلية لصالح المؤسسات الخاصة فيه". وأضاف موسى أن إجمالي ما تحصّلت عليه السلطة من أموال المقاصة (الضرائب التي تجبيها إسرائيل على معابر غزة نيابة عن السلطة) الخاصة بغزة منذ الانقسام وحتى اللحظة، يتجاوز 6 مليارات دولار أميركي، وهو ما يعني أن القطاع قادر على تغطية نفقاته بنفسه من دون احتياج لأحد.

واتهم القيادي في "حماس"، الرئيس الفلسطيني، بأنه يستغل قطاع غزة من أجل الإنفاق عليه وعلى السلطة الفلسطينية، بما يعود عليه من عائدات الضرائب التي يحصّلها الاحتلال المعروفة بأموال المقاصة، إلى جانب الدعم الدولي. ورأى أن التصريحات الأخيرة لعباس تُعتبر "سلوكاً مشيناً لا يليق برئيس مؤسسة أو رئيس سلطة، خصوصاً في ظل ثورة الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال، عبر مسيرات العودة، الرامية إلى إفشال صفقة القرن". وعن موقف حركته في حال أوقف الرئيس الفلسطيني دفع فاتورة الرواتب لغزة، قال موسى: "عندها سيكون لكل حادث حديث، وسينفجر الشعب الفلسطيني في وجه المحتل وفي وجه كل من يطعنه في ظهره".