مطاعم مغلقة في باريس
30 يوليو 2020

رفضت شركة التأمين التي تعاقدت معها الثلاثينية الجزائرية أمل خليف، وهي مالكة مقهى ومطعم بشارع الشانزيليزيه، وسط باريس، تعويضها عن خسائرها التي بلغت 16 ألف يورو، جراء الإغلاق الإلزامي خلال الحجر الصحي الذي فرضته الحكومة الفرنسية في 17 مارس/آذار الماضي وحتى 11 مايو/أيار، ضمن تدابير الوقاية من فيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19)، رغم أن عقدها مع شركة "أكسا" axa يتضمن التعويض في حالة الإغلاق الإداري.

ولم يكن مارسيل ليوتار، الذي يملك شركة تعنى بتنظيم الحفلات، أفضل حظا من خليف، إذ لم يحصل من شركة (موتيال) mutuelle للتأمين إلا على 1000 يورو، كما يقول لـ"العربي الجديد"، مضيفا أن خسائره بلغت 62 ألف يورو، ما دعاه إلى تكبيل نفسه بالأغلال أمام شركة التأمين التي رفضت تعويضه بمبلغ مقبول، بعدما تذرعت بثغرات في العقد وبررت موقفها بأن الوباء لا يدخل ضمن الكوارث الطبيعية، متوعدا بالتصعيد والدخول في إضراب عن الطعام.

وأدى الإغلاق إلى تضرر قطاع المطاعم والنزل والمقاهي في باريس وضواحيها، والذي يعمل فيه  نحو 20% من المهاجرين، كما توضح إميلي جونزات، مسؤولة الإعلام في اتحاد الحرف والصناعات الفندقية، الذي يمثل أرباب العمل والموظفين في القطاع، مضيفة في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الخسائر في باريس وضواحيها فقط جراء أزمة كورونا، وصلت إلى أكثر من مليار يورو، وهو ما يستلزم تعويض أصحاب تلك المشاريع الصغيرة والمتوسطة وإنقاذها من الإفلاس، خاصة الحديثة منها.

تهرب شركات التأمين

يشرح المحامي المتخصص في القضايا العمالية بالمحكمة التجارية في باريس،  جيروم بانتريي، طبيعة العقود التي تلزم شركات التأمين بتغطية الخسائر التشغيلية قائلا: "يفترض أن العقود تغطي خسائر انقطاع الأعمال كما هو الحال بعد توقف العديد من المحلات والمطاعم عن العمل خلال فترة الحجر الصحي بسبب تفشي فيروس كورونا، ويتم احتساب قيمة التعويض عبر تقدير متوسط الربح الذي عادة ما تحققه الشركة في تلك الفترة وحجم المعاملات دون احتساب الأداءات أو الضرائب".

"وأغلقت المطاعم والفنادق بقرار حكومي، الأمر الذي يعطي للمتعاقدين مع شركات التأمين التي تتضمن عقودها بنودًا قانونية تنص على التعويض في حالة الإغلاق بقرار إداري، الحق في الحصول على تعويض. لكن أغلب شركات التأمين تتلكأ وتبحث عن تأويلات قانونية للتملص من التعويض، لأن الخسائر المسجلة كانت ضخمة"، كما يوضح المحامي الفرنسي من أصل تونسي حسين الباردي. 

محاولات التهرب والتملص من تعويض المتضررين وثقتها معدة التحقيق عبر 4 حالات، من بينها حالة اللبناني جهاد خوري، المقيم في فرنسا منذ ثمانينيات القرن الماضي، والذي يطالب شركة (غروباما) Groupama  للتأمين بالتعويض عن الخسائر التي لحقت بمشاريعه المتمثلة في نزل صغير وسط باريس وسلسلة مطاعم متخصصة في المطبخ اللبناني، مضيفا أنه لا يعلم إلى أين ستصل النقاشات مع الشركة، رغم تلقيه ردودا مطمئنة، على عكس ما جرى مع خليف والمغربي محسن مصدق، الذي يمتلك مطعما في ضواحي باريس، ونظيره  التونسي محمد المزوزي، والذين لم يحصلوا على تعويض أو حتى وعود من شركة أكسا كما يقولون.

ويرد المسؤول القانوني بشركة أكسا، نيكولاس ماجيني، قائلا: "عندما تتم المطالبة بالتعويض من قبل جميع أو غالبية المتعاقدين مع الشركة، فإن ذلك يسمى مطالبة جماعية وهي غير قابلة للتأمين، لأن الوباء فاجأ العالم، والإغلاق الذي حصل بسبب الوباء لا يدخل ضمن الأضرار المادية المعتادة والناتجة عن كوارث طبيعية مثل فيضان، أو حريق أو تكسير أو سرقة، والتي لا تمس بالضرورة كل المتعاقدين مع الشركة في ظرف واحد مثل ما حدث مع الوباء"، مضيفا أن "أقل من 10% من إجمالي العقود مع أصحاب المطاعم فيها غموض، وأكسا ترغب فى إيجاد حل سريع لدفع الجزء الأكبر من التعويضات، بعدما قامت بإجراءات تضامنية مع عملائها غير منصوص عليها في العقود مجاراة للوضع الاستثنائي"، وتابع: "العقود لم تكن واضحة على مستوى الصياغة ولها العديد من التأويلات القانونية، خاصة إذا كانت لا تتضمن بنودا تلزم الشركة بالتعويض عن الغلق الإداري"، مستدركا: "الشركة بصدد التوصل إلى حلول مع المضارين حتى يتم التعويض عن جزء كبير من تكاليفهم، وذلك من خلال الحوار مع كل صاحب مطعم لإيجاد حل في حال عدم وضوح العقد".

لكن الفرنسي ستيفان منيكولد، والذي يملك أربعة مطاعم في باريس تسمى بـ"مجموعة الاكلور"، يدحض ما ذهب إليه ماجيني، إذ رفضت شركة أكسا تعويضه عن خسارته جراء الاغلاق الإداري لدى مطالبتها بالتعويض تحت مبرر أن الوباء لا يندرج ضمن عقد التأمين، ما دفعه إلى اللجوء للقضاء في 16 إبريل/نيسان الماضي بعد تعرضه لخسارة 90% من حجم المعاملات، كما يقول لـ"العربي الجديد"، مضيفا أنه حصل على تعويض بقيمة 27 ألف يورو بمقتضى حكم صادر عن المحكمة التجارية ضد الشركة في 22 مايو/ أيار الماضي.

شكوى جماعية

"بات العديد من أصحاب المطاعم والمشاريع المتضررة في فرنسا بشكل عام أكثر قابلية للتقدم بشكاوى قضائية ضد شركات التأمين"، كما تقول إميلي جونزات، مؤكدة أن اتحاد الحرف والصناعات الفندقية وجه بلاغات متعددة، أحدثها قبل إعلان الحكومة الفرنسية عن قرار نهاية الحجر الصحي الإلزامي، للتنديد بما وصفته بالممارسات غير المسؤولة لقطاع التأمين الذي لم يكن سندًا قويا إلى جانب عملائه في هذه الأزمة الاستثنائية، كما تقول.

وعمل اتحاد العمّال التونسيين المهاجرين في فرنسا على توعية المتضررين للمطالبة بحقوقهم في التعويض، وفق ما أكده فتحي التليلي، رئيس الاتحاد، في حديث لـ"العربي الجديد"، قائلا: "طلبنا من شركات التأمين أن تتآزر مع المتضررين بدل التنكر لهم والاعتراف القانوني الكامل بحالة الكارثة الصحية في عقود التأمين المستقبلية حتى لا يتكرر هذا الوضع غير العادل مرة أخرى".

وشجع الحكم الصادر لصالح منيكولد، أمل خليف ومحسن مصدق ومحمد المزوزي على تقديم شكوى، كما يؤكدون لـ"العربي الجديد"، موضحين أنهم بدأوا منذ يوليو/تموز مع ملاك مقاهي ومطاعم قريبة عانوا من الأزمة نفسها، بالعمل من أجل تقديم شكوى جماعية إلى المحكمة التجارية في باريس، بعد الاطلاع على عقود التأمين التي تنص على التعويض عن كل المخاطر بما في ذلك الغلق الإداري الناتج عن خطر الوباء.

خذلان حكومي

بسبب أزمة كورونا تراجع الاقتصاد الفرنسي، ما قاد إلى خسائر تشغيلية ضخمة، بلغت حتى النصف الأول من العام الجاري 60 مليار يورو، وفق تقدير بينيديكت كوفار، المسؤول الإعلامي بالفيدرالية الفرنسية لشركات التأمين والتي تجمع أكثر من 260 شركة تأمين وإعادة التأمين (من بين 300 شركة تأمين في فرنسا)، مؤكدا في حديث لـ"العربي الجديد"، أن  الدولة عليها التدخل وصرف تعويضات للمتضررين.

المماطلة ومعاناة أصحاب المطاعم والشركات، دفعت إلى طرح قضية تعويض الشركات المتضررة بسبب أزمة كورونا في مجلس الشيوخ الفرنسي، ودخلت الحكومة في جدل مع النواب الذين طالبوا  وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير بأن يعتبر ما حدث كارثة طبيعية والإعلان عن ذلك قانونيا والضغط على شركات التأمين بتطبيق الفصل 125 من قانون التأمين الفرنسي الذي يلزم الشركات بالتعويض، بحسب إفادة  المسؤول الإعلامي في وزارة العمل جوريس أوبرسبان مارسال، لـ"العربي الجديد"، مضيفا أن وزير الاقتصاد رفض ذلك في معرض رده الرسمي على هذه المسألة في 25 يونيو/ حزيران، مقترحا أن "يتم تعديل قانون التأمين بفرض تغطية خطر الوباء ولكن مستقبلا".

وتحمي فرنسا شركات التأمين في هذه الأزمة، لأن قطاع التامين فقد الكثير من وزنه، إذ تراجعت أسهم شركاته في البورصة بنسبة 40%، الأمر الذي دفع بالحكومة للمصادقة على خطة على شكل قروض من أجل مساعدة آلاف الشركات الصغرى والمتوسطة. وساهمت في هذه الخطة الفيدرالية الفرنسية لشركات التامين التي قدمت مساعدة بمائتي مليون يورو، بحسب مارسال، مؤكدا أن تسديد القرض سيتم في غضون عام، وإذا تجاوز ذلك صاحب المشروع فهو مجبر على دفع أرباح القرض، لكن خليف لم تحصل على تلك المساعدة البنكية حتى الآن، مضيفة أنها تعرضت إلى الكثير من المماطلة والتأجيل، معيدة ذلك إلى ظواهر أخرى كالمحسوبية والعنصرية تجاه أصحاب المشاريع الصغيرة والمملوكة لغير الفرنسيين.