"الذئاب المنفردة" في باريس.. إرهاب "الخلافة الافتراضية" يضرب فرنسا

18 يوليو 2016
الصورة
الشرطة الفرنسية تبحث فرضية "الذئب المنفرد" بهجوم نيس(فرانس برس)

يعمل المدعي العام الفرنسي، فرانسوا مولينس، على بحث حقيقية الفرضية القائلة إن التونسي محمد لحويج بوهلال، منفذ اعتداء نيس الإرهابي، الذي تسبب في مقتل 84 شخصاً، من بينهم عشرة أطفال، قد يكون "ذئباً منفرداً"، إذ لم يكن بوهلال مُتابَعاً من قبلُ في قضايا تتعلق بالإرهاب، وهو ما دعا وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف إلى محاولة تفسير تحولات المهاجم الذي وصفه تنظيم "الدولة الإسلامية" في بيان تبنّي الاعتداء، بأنه "جندي للدولة الإسلامية" قائلا "يبدو أنه تطرف بسرعة كبيرة".

لا تعد جريمة نيس استثناء من حيث طبيعة منفذها، إذ يكَثُر الحديث عن "الذئاب المنفردة" منذ الاعتداءات الإرهابية الأخيرة التي عرفتها فرنسا، "واكتسى هذا المصطلح مصداقية كبرى بعد الاعتداء الأخير الذي قام فيه الإرهابي لعروسي عبالا، بذبحه شرطيين فرنسيين (رجل وزوجته) منتصف شهر يونيو/حزيران الماضي"، وفقاً لما أوضحته الباحثة في الشؤون الأمنية إنغريد ميرك المختصة في هذا النوع الجديد من الإرهاب، تقول ميرك:"نحن أمام جيل جديد من الجهاديين، منعزلين، ويمنحون أنفسهم علامات الانتماء لتنظيمات إرهابية..."، ولكنهم "يمحون الفارق بين الجريمة العادية وبين الاعتداء".

من هم الذئاب المنفردة؟

يعرف المستشار الأمني الفرنسي ألان بوير، مصطلح الذئب المنفرد بأنه "فاعل إرهابي مستقل ومعزول ويمتلك أيديولوجيا خاصة به"، ويلفت بوير الذي عمل مع عدة حكومات فرنسية أن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي هو الذي اخترع هذا المصطلح، الذي أصبح يؤرق المسؤولين والمتخصصين في هذا الميدان، إذ يحتمل أن يكون الإرهابيّ "جارك في المبنى وفي الطابق، الذي التحق بتنظيم داعش، قبل أشهر، أو قُبَيْل ارتكاب الاعتداء، أو ساعة ارتكابه".

وتوضح الباحثة ميرك أن هؤلاء الأفراد ممن ينفذون تلك العمليات الإرهابية، لا يتحركون ضمن بنية تنظيمية لها من يخطط لها، كما يبادرون لتنفيذ اعتداءاتهم من دون تكليف من قيادات تنظيمية هرمية. وغالبا ما يكونون من غير المشتبه بهم في التورط مع جماعات إرهابية، قائلة بعضهم سجن سابقا في جرائم وسرقات أو اتهموا باستخدام العنف والاعتداء على الممتلكات العامة أو الخاصة، وبعضهم بدأ يتطرف بعد دخوله إلى السجن.


حصر العمليات الإرهابية


حصر معد التحقيق الوقائع الإرهابية التي يوصف مرتكبوها من قبل عدد من الخبراء الأمنيين بالذئاب المنفردة، ويأتي على رأسها اعتداءات 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، والتي شهدها مسرح باتاكلان وشهدتها أيضا مقاهٍ وأرصفة في مقاطعتين باريسيتين 11 و12، ثم استاد دي فرانس، حيث كان يوجد رئيس الجمهورية فرانسوا هولاند أثناء مباراة كرة قدم ودية بين فرنسا وألمانيا، وبعد تنفيذها أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنها، بعد ملاحقة الشرطة الفرنسية، لعبد الحميد أبا عود، الشاب البلجيكي المغربي (من مواليد 1987)، المتهم بكونه العقل المدبّر لهجمات باريس.

ومن بين المتورطين في تلك الاعتداءات الإرهابية، بلال حدفي، وهو من مواليد 22 يناير/كانون الثاني 1995، فرنسي من أصول مغربية، فجّر نفسه في استاد دي فرانس. أما سامي عميمور، الذي فجر نفسه في مسرح باتاكلان، فهو فرنسي من أصول جزائرية، من مواليد 15 أكتوبر/تشرين الأول 1995، وكذلك اسماعيل عمر مصطفاي، الذي فجر نفسه في مسرح باتاكلان، فرنسيّ، من أب جزائري وأمّ برتغالية، اعتنق الإسلام، وهو من مواليد 21 نوفمبر/تشرين الثاني 1985، في حي شعبي بالضاحية الباريسية الصعبة بـ"كوركورون".

وكذلك فؤاد محمد عقاد، الذي فجّر نفسه في مسرح باتاكلان، وهو من مواليد ستراسبورغ في فرنسا، وتبدو حالة الأخَوين صلاح وإبراهيم عبد السلام، الفرنسيين من أصول مغربية، لافتة، إذ إن إبراهيم الذي فجّر نفسه في مقهى شارع فولتير كان يدير مقهى في بروكسل، قال عنه بعض الجيران أنه كان مرتعاً للصوص، ثم أغلقته السلطات في ما بعد بشبهة استخدامه وسيلة لترويج المخدرات.

أما شكيب أكروح، الانتحاري العشريني فقد قام بتفجير نفسه مع أبو عود في بيت بـ "سين سان دوني"، بالضاحية، يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2015. وهو بلجيكي من أصول مغربية، تحديدا من إقليم الحسيمة.

وقبل هذا الاعتداء الإرهابي عرفت فرنسا اعتداءات يومي 7 و8 يناير/كانون الثاني 2015 في باريس. أولها الهجوم على صحيفة "شارلي إيبدو"، الساخرة، التي سبق لها أن نشرت رسوماً مسيئة عن النبي محمد (ص). وقام بتنفيذ الاعتداء الأخَوان الفرنسيان من أصول جزائرية، شريف، مواليد 1982، وسعيد كواشي، مواليد 1980، لكن باسم القاعدة في جزيرة العرب، فيما قام أميدي كوليبالي، مواليد 27 فبراير/شباط 1982، وهو فرنسي ينحدر والداه من دولة مالي، وانتقل في حياته من ارتكاب جرائم صغرى إلى أخرى كبرى بالتنسيق مع الأخَوين كواشي، واتهم بقتل شرطية ثم قتل أربعة أشخاص في الاعتداء على متجر يهودي، باسم القاعدة في جزيرة العرب.

وقبل اعتداءات باريس، عرفت فرنسا، وبالتحديد في مدينتي تولوز ومونتوبان، سنة 2012، اعتداءات إرهابية قام بها الفرنسي، من أصول جزائرية، محمد مراح، مواليد 1988، وتمثلت في قتل عسكري في تولوز وعسكريَيْن في مونتوبان، ثم قتل رجل وولديه وطفلة في مدرسة يهودية.

وقبل هذا شهدت فرنسا ما بين سنتي 1994 و1996 اعتداءات نسبت إلى الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر والتي شهدت عشرات من العمليات النوعية في فرنسا، كاختطاف طائرة الخطوط الجوية الفرنسية أو اغتيال أئمة كالشيخ الصحراوي، أو تفجيرات محطة سان ميشيل أو ساحة شارل ديغول، ومحاولة تفجير أسواق ومدرسة يهودية وميترو باريسي وانتهت هذه الموجة باعتقال بوعلام بنسعيد وإسماعيل أيت علي بلقاسم وقتل خالد قلقال.

وخالد قلقال، من مواليد 1995، وكان عضوا في الجماعة الإسلامية المسلحة، ويتهم بالمسؤولية عن موجة التفجيرات التي عرفتها فرنسا، وكان له ماض سيئ مع السجون الفرنسية. والتقاه عالم الاجتماع الألماني، ديتمار لوش، في سجنه، سنة 1992، أي قبل الاعتداءات بثلاث سنوات، ويقص ديتمار لوش كيف أنه كان بإزاء شخص اكتشف في السجن هويته "الحقيقية"، وهي أنه "ليس فرنسياً ولا عربياً، وإنما هو مسلم فقط". وهو ما جعل الباحث الألماني يكتشف أن الطريقة الفرنسية في إدماج أقلياتها قد أفلست.


لماذا يتحولون إلى "ذئاب منفردة"

تعتقد إنغريد ميرك أن تنظيم داعش أصبح الملاذ الأخير لكلّ اليائسين الذين يشعرون ألا هوية لهم أو الذين يبحثون عن البطولة وعن انتماء ما، أو عن مثال أعلى أو الباحثين عن المطلق. وترى أن "تنظيم داعش يحصد، بشكل انتهازي، هؤلاء المجندين حديثي العهد الذين يعلنون عن ولائهم من دون أن يكون التنظيمُ بحاجة إلى تجنيدهم".

ويتفق الكثيرون من الباحثين والمختصين في ميدان الإرهاب، ومن بينهم الدكتور حسن مصدق والأكاديمي ماثيو غيدير، أن على هؤلاء المجندين الجدد هم ثمرة "حملة اتصالات مكثفة لتنظيم داعش جعلته يحقق على الأرض الافتراضية المَكاسبَ التي خسرها على الأرض الحقيقية، وجعلته يحوّل ما يتعلق بجرائم فظيعة، ولكن عادية، إلى انتصار جديد في حربه ضد الغرب".

ويبدي الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي، رافائيل ليوجيي ملاحظة على تبني داعش لعمليات الذئاب المنفردة قائلا:"إعلانُ تنظيم داعش عن تبني هذا النوع من العمليات، يؤكد أن هويات من يقومون بتلك العمليات ليست راسخة في المجتمعات الأوروبية والغربية، أي أن التنظيم يعمل كخلافة افتراضية، تلصق عمليات هؤلاء الأفراد به، لبث المزيد من الدعاية بين المجتمعات الغربية عن قدراته واستقطاب آخرين".

ويفسر المختص النفسي سيرج هيفيز كون هؤلاء الذئاب المنفردة من صغار السن، قائلا "دعاية داعش، التي تَعِدُهُم بالطهارة وإيجاد حلّ لصراعاتهم الداخلية".

وأصبح تنظيم داعش، ملاذا للشباب، من دول الشمال والجنوب، الذين يُحسّون أن لا مستقبل لهم، والذين يَعتبِرون العنفَ "بديلا" كما يرى الباحث فرهاد خوسروخافار، من مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية بباريس. أي أن التنظيم صار "منظور شفاء، عبر الانقياد لقوة أعلى".

مواصفات "الذئاب المنفردة"

إننا أمام "نينجا جدد للإسلام"، كما يطلق عليهم الفيلسوف رافائيل ليوجيي، والذين "غالبا ما وصلوا إلى الجهاد عن طريق الجريمة"، يشير ليوجيي:"أغلبيتهم من أصول لا تُعرَف عنهم مُيولٌ نحو التديّن، يأتون إلى الجهاد من أجل منح أنفسهم بروفايل بطولة، وأثناء تدربهم على الجهاد يقومون بتبنّي تبرير أصولي لاحقاً".

ويحذّر عالم الأنثروبولوجيا، سكوت أتران، من مغبة اعتبارهم "مرضى سيكوباتيين أو عدميين"، لأنهم: "موجودون في كل البلدان وكل الأوساط، تجذبهم الثورة التي يحملها تنظيم داعش والتغيُّرُ العميق الذي يمكن أن يمنحه لهم في حياتهم"، أو كما يرى سيرج هيفيز: "إنهم يمثلون كلَّ أنواع الشحصيات".


رفض نظرية "الذئاب المنفردة"


في  كتابه "الأيديولوجيا الأمنية ومجتمع المُراقَبَة"، يرى الباحث الأمني وخبير الذكاء الاستراتيجي، إيريك ديلبيك، أنه ليس باستطاعتنا القول بطريقة جامدة إننا نحارب ذئاباً منفردة حين يقع اعتداءٌ ما، لمجرد أن مُنفِّذَهُ شخصٌ واحد"، ويشرح الأمر بالقول: "يتعلق الأمر بشبكة من المسؤوليات. أُولاها تتعلق بدينامية التجنيد التي يقوم بها أفرادٌ أو مجموعات راديكالية".

ويذهب الباحث والأكاديمي جيل كيبل في الاتجاه ذاته، حين يرى أن "فرنسا استطاعت حماية نفسها من الجهادية سنة 1995، بعد مقتل خالد قلقال، وسنة 2012 بعد مقتل محمد مراح. علماً أن الإرهاب العالمي كان هرميّا، في تلك الفترة، مع أسامة بن لادن، باعتباره قائدا يعطي الأوامر".

هذا الترديد لمصطلح "الذئب المنفرد"، يشدد ألان بوير، إنما يُستَخدم، "من أجل تبرير فشلنا"، إذ قد يقال: "بما أن الأمر يتعلق بذئب منفرد، إذن لم يكن بمستطاعنا رؤيته". ويقارن ألان بوير حالة لعروسي أبّالا بحالة خالد قلقال من قبل (وهي حالة تدرس في جامعات عالمية كثيرة)، التي يرى فيها أول صورة عن "العصابة الإرهابية"، أي الانتقال من الجريمة إلى الإرهاب، ويعترف ألان بوير أنّ لا رجال الشرطة ولا علماء الإجرام توقعوا انبثاق ظاهرة خالد قلقال. وأما حالة محمد مرّاح، فيكشف بوير أن "أجهزة الشرطة اكتشفته، ولكنها لم تدرك مراميه".

ويتفق الباحث الفرنسي في وزارة الدفاع الفرنسية، إليامين ستّول مع بوير، قائلا لـ"العربي الجديد":"هؤلاء الذين انتقلوا إلى ممارسة العنف والإرهاب، لا يعيشون منعزلين عن بيئة حاضنة لهم، رغم أن درجة الحضانة قد تختلف، من مكان لآخر".

"كل هذه السجلات والمعلومات عن هؤلاء الإرهابيين تخلُصُ إلى أن ثمة خللا استخباراتيا فرنسياً وغربياً هائلاً، إن على مستوى تحليل المعلومة أو غياب التنسيق بين المصالح الأمنية المختلفة في البلد الواحد أو على صعيد تبادل المعلومات على الأصعدة الأوروبية والغربية والعالمية"، وهو ما توصلت إليه لجنة برلمانية فرنسية، قبل أيام، في تقرير لاذع. تقرير لا تختلف خلاصاته وتوصياته عما يقوله، منذ بعض الوقت، ألان بوير من أنّ مشكلة أجهزة الأمن في فرنسا تكمُنُ في كونها "غير قادرة على تحليل ما تعرفه، مسبقاً".

دلالات