تعلّموا السياسة من الصينيين

24 فبراير 2015
الصورة

الفيلسوف لاوتسي: من يعرف الفضيلة لا يتكلم عنها (Getty)

+ الخط -

ظل الشيوعيون الحاكمون في الصين، منذ الزعيم الراحل ماوتسي تونغ، الذي أعلن بنفسه، في 1 أكتوبر/تشرين أول من عام 1949، ولادة جمهورية الصين الشعبية، وحتى الرئيس الصيني الحالي، شي جين بينغ، أمناء للغاية على التراث الصيني العظيم، متجسداً في مدارسه الفكرية والسياسية والمعتقدية والفلسفية الكبرى، ولا سيما من خلال أدبيات الحكماء/الرموز: كونفوشيوس ولاوتسي وموتسي وهوي شي، وغيرهم.. من الذين تداولوا وناقشوا مأزق الإنسان الصيني، وتحولاته الدراماتيكية، خصوصاً في أزمنة الفوضى والاضطرابات التاريخية الطويلة، التي امتدت من القرن السابع وحتى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد. لكن مدرستي الكونفوشيوسية (نسبة إلى كونفوشيوس) والطاوية، ومعناها الطريق، (نسبة إلى لاوتسي) ظلّتا الأرسخ في الذاكرة الوجدانية المجتمعية والسياسية للصينيين، لما تمثلانه من قواعد ومبادىء أخلاقية ودينية وتعليمية وإصلاحية، لم تستطع سياسة فرض أفكار الأسس المادية للاقتصاد الاشتراكي من جانب الحزب الشيوعي الصيني الحاكم شطبها من أولويات العقل الصيني، فرداً وجماعات.. بل إن كثيرين من الشيوعيين الصينيين أنفسهم كانوا، وما زالوا، يحتفون، مثلاً، بكتاب لاوتسي "طاو ته تشينغ" أي "الطريق"، والذي ألّفه قبل 2500 سنة. كما أن بعض قادة الحزب الشيوعي الصيني، ووزراء في الحكومات الصينية (سابقاً وحالياً) يحرصون على رعاية وحضور نشاطات لجمعيات طاوية شعبية فاعلة، كالجمعية الطاوية الصينية التي أقامت، قبل سنوات، حفلاً ضخماً في "قاعة الشعب الكبرى" في بكين، وقال فيه مندوب الحزب الحاكم "إن الطاوية شأن ثقافي صيني قديم، لا يزال يمارس تأثيراً إيجابياً على حاضر حياتنا الثقافية، وبالتأكيد، سيمتد تأثيره الراسخ إلى حياتنا المستقبلية".

في فكر الفيلسوف الصيني القديم لاوتسي، الطاو مفهوم ثابت، يتضمن شبكة أفكار اجتماعية وسياسية وفلسفية ثرية، منها، مثلاً، التناغم داخل الإنسان نفسه وبعلاقاته بمحيطه الخارجي، فضلاً عن مبادئ أخرى جوهرية، كالعدل والعفو والسلم والتسامح والمحبة والتواضع وطرائق الحكم المطلوبة في إدارة البلاد والعباد.

من هنا، يرى مؤسس الطاوية لاوتسي وأتباعه أن على الملوك والنبلاء وكل السياسيين الأقوياء، إذا أرادوا أن يصيروا حكاماً موثوقين، وضامنين أن كل شيء تحت السيطرة، أن يتّبعوا أحكام الطاو. وقال "إذا اتبع الملوك والنبلاء أحكام الطاو، لن تستطيع، حتى الأشباح والأرواح، أن تزعجهم".. هذا على الرغم من أن لاوتسي، في تفكيره الفلسفي السياسي، كان يحترم المنطق، ويستخف بما يسمونه الأشباح، والأرواح، وسائر الغيبيات والخزعبلات.

وعى فيلسوف الطاو الكبير، الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد أنه سيكون هناك المزيد من أشكال الصراعات والحروب مستقبلاً، طالما أن البشر يلهثون وراء مصالح متباينة ومتناقضة. وعلى الناس، إذّاك، أن يجيدوا التعلّم من مكونات الطبيعة، وأن يأخذوا الحكمة السياسية من مكوناتها. واتخذ عظيم الصين من الماء، هنا، مثالاً، عندما قال: "الخير الأسمى مثل الماء. الخير المتأتي عن الماء، هو أنه يفيد عشرات الآلاف من المخلوقات، ومع ذلك، الماء لا يتزاحم، وإنما يرضى بالمكان الذي يزدريه كل الناس. وذلك ما يجعل الماء شديد القرب من الطاو".

وفي مديح واضح للماء، نصح لاوتسي كل من هم في السلطة بأن يجيدوا تقديم العمل النافع للناس، والتصرف بتواضع جم، كما الماء، الذي يستمد موجوديته من كل ما يقع عليه. ولم تكن فلسفة لاوتسي، في حقيقتها، هكذا شأناً معارضاً ببساطة لمن هم في السلطة، بل كانت نصحاً لهم ليتعلموا من الساسة العظام في التاريخ، خصوصاً تجاه ألاّ يكونوا البتة في مواجهة مع شعوبهم. ومن ثم، فإنه وبّخ بعض الوزراء، بقوله "إن الوزراء الذين يعاونون الملك وفقاً للقواعد، لا ينبغي أن يرغموا أفراد الشعب على أن يكونوا رعايا بقوة السلاح، فالقتال يورّث بسهولة نتائج كارثية، ولا تنتهي مفاعيلها إلا بصعوبة".

وبالنسبة إلى لاوتسي، أيضاً، كانت خاطئة جداً فكرة أن يعتمد السياسي المثقف على السلاح، وأن يشعر بالتوازن بسببه. التفكير بالسلاح، خصوصاً المتطور منه، يعني في الجوهر جعل القتل متعة وهواية. وعليه، كانت هناك تعليمات صارمة من لاوتسي بضرورة رفض الحروب. وطالب السياسيين بالعمل الدؤوب على تجنبها، وتحريم اللجوء إليها. وناشد القادة تقديم مصالح شعوبهم بمرونة ولطف، وإدارة المجتمع، مهما تعقدت مشكلاته، بسلام. ورأى أن الحكمة السياسية العميقة هي التي تقدَر التناغم بين كل الأولويات المجتمعية، حتى لا يحدث الخلل، واستطراداً التناقض التناحري الذي يؤدي إلى الحرب والدمار. هكذا، فالتناغم اللاوتسي هو إشراقة سياسية حصيفة، ينبغي أن يتأملها السياسيون اليوم. والقائد السياسي الصحيح، في المحصلة، هو من يفرض نفسه بقوة العدل والعقل، ولا يستجدي الناس في ذلك.

وإذا كان الصينيون أول من اكتشف البارود في القرن السابع الميلادي، فإن اكتشافهم هذا لم يكن من باب استخدامه مادة كيميائية متفجرة، وإنما، ويا للمفارقة، كان من باب بحثهم المحموم عن مقاومة الموت، والعثور على إكسير الخلود. لكن، وبعد عقود طويلة من اكتشافه، استخدم البارود سلاحاً متفجراً، وقاوم طاويون كثيرون هذا السلاح الفتاك، واعتبروه لعنةً ما كان ينبغي لها أن تكون، و"هو أيضاً وسيلة مغلقة، لاغية، نافية، صنمية، من شأنها إبقاء الجهالات معششة في العقول والقلوب"، على حد تعبير تسوانغ تشو، وهو شاعر صيني عاش في القرن التاسع عشر. وأنشد قصيدة يقول فيها: "لماذا أوجدتم هذا السلاح الجديد؟/ لماذا لفّقتم كل أشباحه الانشطارية؟/ وكل لغته الدخانية السوداء الحاسمة/ والذي سوادها بآلاف الألوان؟/ من أنتم لتتقنوا فن إبادة الإنسان والكائنات/ هكذا بضربة نار غادرة؟ / من أمركم بتسعير مملكة الفزع هذه؟/ أما كفاكم اللجّة الداجية التي يتحرك فيها كل حي؟/ أما كفاكم انتظام هذا الخواء المشتت؟/ مع بارودكم لم نعثر إلا على ليل وضباب/ دم وهاويات/ لم نعثر إلا على جحيم يقتلع جحيماً".

ومن الأهمية بعد أن نشير إلى أن لاوتسي بذل قصارى جهده، لجعل العقل رأس كل شيء، ومطالبة العاقلين بطاعة الطريق المتجرد (الطريق السماوية)، بغية الحفاظ على المجتمع البشري مستقراً ومنتظماً. آمن بأن قوانين أمور البشر يجب أن توافق قوانين أفعال السماء. وكان ذلك بمثابة نظرية فلسفية، أيضاً، تدعو البشر إلى احترام قوانين الطبيعة، احتراماً مطلقاً، من أجل بقائهم.

وكان يدعو الملك أو الحاكم إلى ألاّ يتكلم عن الفضيلة، بل يمارسها، فمن يعرف الفضيلة، لا يتكلم عنها، ومن يتكلم عنها لا يعرفها. ويحذر لاوتسي الحاكم في عقر داره: "كلما زادت المحرمات في المملكة، زاد الفقر، وكلما زادت أدوات العدوان في أيدي الناس، أظلم عقل الدولة، وكلما زادت مهارة الناس، زادت البدع في المملكة، وكلما كثرت القوانين والأوامر، زاد اللصوص وقطاع الطرق".

ورأى فيلسوف الصين، في المحصلة، أن القائد السياسي الحكيم يجب أن يتصرف مثل الماء، بغية أن يفيد بانتشاره السلس والمُحيي البشر جميعاً، والطبيعة بامتداداتها. وينصح لاوتسي الحاكم بالقول: "إياك والانغلاق، وسدّ الذرائع بالذرائع، وإرهاب الأمة باستعراض الجيوش. وأعظم ما عليك فعله في حياتك، هو أن تتعلّم كيف تكون إنساناً. وكيف لا يشعر الناس بوجودك إلا لماماً، ويقولون بعد أن تفرغ من عملك، وتكتمل الأشياء كلها معك: "ها نحن قد حققناها بأنفسنا".

دلالات