الصراع على هوية جنوب السودان

الصراع على هوية جنوب السودان

11 أكتوبر 2016
الصورة
+ الخط -
منذ العام 1955، وقبل عام من إعلان استقلال دولة السودان في برلمانها، ظهرت حركة تمرّد مريبة جداً في جنوب البلاد، فُسّرت، في ما بعد، بأنها بداية لقيام حركة موازية لسودان آخر، غير المُعلن عن استقلاله في 18 أغسطس/ آب 1955. فلقد انطلق متمردو مدينة توريت في أقصى جنوب السودان بشعار مشبوه، يقول بالفم الملآن: "نريد الانفصال عن السودان"، معلنين بذلك بدء قيام سودان آخر مختلف؛ ظلّوا يرفعون شعاره على هامش قتالهم القوات الحكومية المركزية التابعة للخرطوم بدعمٍ خارجي، جُلّه من إسرائيل ودول غربية أخرى.. وبعض كنائس التبشير المسيحي السياسي. وكان للمتمردين الانفصاليين ما أرادوا في نهاية المطاف، وحدث انفصال جنوب السودان عن شماله، بإعلانه دولة مستقلة جديدة في 9 يوليو/ تموز من العام 2011.
وكان قد سبق إعلان قيام دولة "جنوب السودان" رسمياً (وباعترافات متوالية من دول كثيرة، وخصوصاً على مستوى الغربين الأوروبي والأميركي الشمالي) محطّة اعتراف رسمية، شبه دولية، بحركة تمرّد الانفصاليين السودانيين العسكرية، وذلك من خلال ما وقّعته حكومة الرئيس جعفر نميري في إبريل/ نيسان عام 1972، من اتفاق معهم دُعي "اتفاق أديس أبابا"، ويقضي بإعطاء المتمردين حكماً ذاتياً في الجنوب، إنما في إطار سودان واحد موّحد.
وبات معروفاً، ومنذ أحداث توريت، وما تلاها من حروبٍ قامت بها القوات الانفصالية السودانية، تارة باسم "جيش الرب"، وطوراً باسمٍ جامع لكل القوى المناوئة لوحدة السودان "الحركة الشعبية لتحرير السودان" بقيادة جون قرنق.. بات واضحاً وقوف إسرائيل وراء كل
هذه القوى، تسليحاً وتدريباً وتذخيراً وتخطيطا مستداماً، سواء أعلى أرض السودان نفسها أم في إسرائيل، وذلك بشهادة الإسرائيليين أنفسهم؛ وعبر كتابٍ سمحت المخابرات العسكرية الإسرائيلية بإصداره ونشره منذ سنوات قليلة تحت عنوان "مهمّة الموساد في جنوب السودان". ونقرأ فيه "إن جهاز الاستخبارات والعمليات الخاصة (الموساد)، حقق إنجازاً إسرائيلياً، ونجاحاً خاصاً، جرّاء تدخّله في عملية تقسيم السودان، وبناء القوة العسكرية والاقتصادية للانفصاليين الجنوبيين، منذ ستينيات القرن الماضي، وحتى انفصال "جنوب السودان"، وإعلانه رسمياً دولة مستقلة في يوليو/ تموز 2011".
ويقرّ رئيس حركة الأنيانيا الجنوبية الانفصالية في خمسينيات القرن الماضي، جوزيف لاكو، بدور الموساد، ويشيد بـ"بالدعم العسكري الفني واللوجستي الذي قدمه لحركته في أثناء حربها الاستقلالية على حكومة الخرطوم". وكشف لاكو في كتابه "حركة تحرير جنوب السودان" عن معلومات مفادها بأنه هو، وضباط جنوبيون آخرون، كانوا تلقّوا تدريباتٍ عسكرية في إسرائيل في الستينيات، ومنهم جون قرنق مؤسس"الحركة الشعبية لتحرير السودان"، وأليسون موناني مكايا الذي تبوّأ منصب أول وزير داخلية في حكومة دولة جنوب السودان المستقلة.
لكن، هل توقّف دور إسرائيل عن دعم دولة جنوب السودان المستقلة، خصوصاً وأن الأخيرة لم ترس على أقدام ثابتة بعد، بل إنها وفور إعلان استقلالها دولة قائمة بذاتها، بدأت فيها حروبٌ قبلية أهلية جنوبية – جنوبية ما زالت مستمرة. وقد أُعلن في تقارير تابعة للأمم المتحدة أن جنوب السودان "دولة فاشلة"، ولديها موقع ثاني أعلى درجة على مؤشر"الدول الهشّة"، وهو التعبير الجديد والملطّف الذي باتت تستخدمه مؤسسات الأمم المتحدة بديلاً من مصطلح "الدولة الفاشلة".
طبعاً، إسرائيل لم تتخل، ألبتة، عن دورها في دعم دولة جنوب السودان، خصوصاً وأن هذا الدور بات أعقد وأكثر "مسؤولية" وأهميةً على مستوى خدمة أهدافها الإستراتيجية، خصوصاً وأن المعركة باتت ثقافية، وأكثر من أي أمر آخر، تتعلق بهوية هذه الدولة ولغتها وانتماء شعبها الحضاري، إذ أنها دولة لم تزل ثقافتها في الإطار الحضاري العام، ثقافة عربية، على الرغم من كل محاولات جرف هذه الثقافة منذ الثلاثينيات من القرن الفائت وتحديداً، مع المندوب السامي البريطاني اللورد لويد الذي وضع مذكرةً سريةً تتضمّن ما سمّاها "مشكلة السياسة التعليمية في جنوب السودان"، بدأها بالقول "هناك مشكلة لغة في المنطقة الواقعة بين خطي عرض 4 و12 شمالاً (الجنوب)، وهي المنطقة التي يعيش فيها السودانيون الوثنيون. أما طبيعة هذه المشكلة فهي "هل ستبقى اللغة العربية لغة تفاهم عام؟". ويضع حلولاً وتوصياتٍ،
من أبرزها: أولاً، تشجيع الموظفين في المديريات الجنوبية على تعلّم اللهجات المحلية، واعتبار العربية المنتشرة في الجنوب، لغة هِجنة ورطانة غامضة. وثانياً: محاربة اللغة العربية وتشجيع الإنكليزية بدلاً منها.
واليوم، تتجدّد سياسة ضرب اللغة العربية واجتثاثها من جنوب السودان، واستبدالها بالإنكليزية لغة إدارة وثقافة ومصير كياني وحضاري، ما يمكّن ذلك من ترسيخ الهوية الجديدة والمغايرة للدولة، بما يقطع نهائياً مع ماضيها ومحيطها العربي والإسلامي، علماً أن هناك أكثر من 25% من سكان جنوب السودان هم عرب ومسلمون.. وأن هناك 2,6 من السكان الوثنيين، والأغلبية الباقية من المسيحيين الكاثوليك (مع أقلية قبطية)، والذي يعتبر بعضهم أن لا مشكلة لديه مع الثقافة العربية، حتى وإن أيّد سيادة الإنكليزية لغة رسمية ونهائية لبلاده. وقد هاجم بعض كاثوليكيي الجنوب بيان وزير التربية والتعليم، حسن مايكل ميلي، في حكومتهم، الداعي فيه إلى التخلّص من المناهج التي تستخدم العربية في مدارس الجنوب، والاتجاه إلى تكثيف تدريس الإنكليزية. يقول يوسف الفرنسيس، وهو مثقفٌ من دولة جنوب السودان: "الأميركيون والغربيون جميعاً، فضلاً عن الهنود والصينيين، يُقبلون بكثافة اليوم على تعلّم اللغة العربية، ويريد وزيرنا العتيد أن يجتثّ هذه اللغة من جغرافيتها وتاريخها الطويل..ألا ليس بسياسة ثقافية كهذه تورد إبل التعليم في السودان".
وفي المناسبة، ما زالت قبائل عديدة في دولة جنوب السودان، وعلى الرغم من اختلافاتها وتناقضاتها وحروبها، تعتزّ بالعربية لغة تفاهم في ما بينها، وتحديداً ما يتسمّى في العاصمة جوبا، وسائر المدن الجنوبية الكبيرة، لغة "عربي جوبا" و"عربي واو"... إلخ.
ولعل دعوة أمين عام جامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قبل أيام، دولة جنوب السودان إلى الانضمام إلى الجامعة بصفة "مراقب خاص" لـ"قطع الطريق على إسرائيل في البلدان الأفريقية" كما يقول بعضهم، في محلّها تماماً، على الرغم من كل الانتقادات التي توجّه إلى الجامعة، خصوصاً عندما يوضح أبو الغيط "أن ميثاق الجامعة ليس فيه صفة مراقب، لكن لجنوب السودان وضع خاص، لأنه كان جزءاً من السودان، واللغة العربية سائدة فيه، وكذلك الأحاسيس تجاه العرب".