تظاهرات العراق: الصحافيون يعيشون أسوأ أيامهم

26 يناير 2020
الصورة
الحكومة تلتزم الصمت إزاء قتل الصحافيين (مرتضى سوداني/الأناضول)
+ الخط -


يعيش الصحافيون في العراق أسوأ أيامهم، بسبب التهديدات التي تطاولهم من قبل جماعات مسلحة ومليشيات مناهضة للتظاهرات ومقربة في الوقت نفسه من الحكومة العراقية وأخرى من شخصيات سياسية حزبية وأمنية، في سبيل تقليل تغطية أحداث الاحتجاجات وما يتخللها من مشاهد دموية وقمع يتعرض له المنتفضون منذ أكثر من 110 أيام، في بغداد وثماني محافظات وسط وجنوب البلاد. 

وتعرّض صحافيون لعمليات اغتيال أودت بحياتهم، ومنهم المراسل الصحافي أحمد عبد الصمد في مدينة البصرة، على خلفية انتقاده دور إيران في العراق، والتلميح إلى أن الأطراف التي تواجه المحتجين بالرصاص الحي تتبع جهات خارجية ومرتبطة بطهران، وكذلك المصور صفاء غالي. وأخيراً قُتل المصور يوسف ستار برصاص قوات الأمن خلال الصدامات التي شهدتها ساحة الطيران والطريق المؤدية إلى جسر محمد القاسم. 

ويحدث ذلك في الوقت الذي اضطر فيه عشرات الصحافيين، لا سيما العاملين في وكالات وصحف عربية وأجنبية، للجوء إلى إقليم كردستان شمال العراق وتغطية الأحداث من هناك، بعد حملة واسعة شنتها مليشيات تتبع الحشد الشعبي، لتكميم الأفواه ومنع استمرار الانتفاضة العراقية. 

وقال الصحافي العراقي، علي الحياني، إن "المليشيات وبعض القوات الأمنية متحاملة على الصحافيين، لأنهم يفضحون تواطؤها مع السلطة والقرارات الحزبية والسياسية تجاه الحراك الشعبي الحالي"، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن "الصحافيين العراقيين أسهموا في إيصال رسائل المتظاهرين إلى العالم، ورغم التضييق الذي مارسته السلطة وأجهزتها القمعية والمليشيات من إغلاق للقنوات الفضائية واعتداءات وقتل ومنع وصولهم إلى ساحات الاحتجاج، إلا أن كثيراً من الصحافيين تمسكوا بالكلمة الحرة ودعم الشعب والوقف معه". 

ولفت الحياني إلى أن "الحكومة تلتزم الصمت إزاء قتل الصحافي، فهي غير قادرة على مواجهة المليشيات المتنفذة في محافظات جنوب العراق، مع أن لديها كل الأدلة على إدانة المتورطين، لا سيما وأن شوارع العراق من أقصاه إلى أقصاه مزودة بكاميرات المراقبة، ولذلك بات دم الصحافي رخيصاً ولا توجد جهات تقتص من قاتليه". 

من جهته، بيَّن الإعلامي ومقدم البرامج العراقي، ليث ناطق، أن "الأجهزة الأمنية عاجزة عن حماية الصحافي، كما أنها عاجزة عن حماية كل العراقيين منذ عام 2003، وأنها فشلت في كل الاختبارات الأمنية"، مشيراً إلى أن "الصحافيين في العراق لا يرتدون الزي الخاص بهم، ولا يهتمون كثيراً لإجراءات السلامة، ولكن حتى لو اهتموا لها، فالمنظومة الأمنية والمسلحين لا يبالون بأي من هذه الاعتبارات". 

وأضاف ناطق أن "السلطة الأمنية في العراق مملوكة لسياسيين وأحزاب، وكل جهاز أمني يديره حزب، وبالتالي فقد تحولت القوات المسلحة إلى أدوات لضرب المخالفين للحزب، حتى وإن كان هذا المخالف هو الشعب نفسه"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "القوات الأمنية تصطف مع السلطات ضد الصحافيين، وهي تتعامل بسلبية مع الصحافة المحلية والعربية والعالمية وتصفها بالكذب والتلفيق، وأغلقت قنوات فضائية وحطمت أجهزتها واعتدت بالضرب على العاملين فيها". 

في السياق نفسه، أفاد عضو في لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي بأن "بعض التشكيلات العسكرية تلقت رسائل من مكتب رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي، في الأسابيع الأولى من الانتفاضة، وكانت تحتوي على تأييد بشكل غير مباشر لكل عمليات القمع التي طاولت المتظاهرين"، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن "بعض القادة العسكريين المقربين من الأحزاب والضباط، يظنون أن نجاح التظاهرات يعني اجتثاثهم من مناصبهم، وبالتالي فهم يريدون قمع هذه الانتفاضة للحفاظ على مناصبهم وحياتهم". 

إلى ذلك، أكد عضو في مفوضية حقوق الإنسان، علي البياتي، أن "المسؤولين في وزارة الصحة والجهات الأمنية لا يزالون يتكتمون على أعداد لضحايا، سواءً من المتظاهرين أو الصحافيين الذين تعرّضوا للقتل وحوادث الاغتيال"، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن "الصحافيين يمثلون رعباً حقيقياً للسلطة، خصوصاً أنهم في حالة تأهب قصوى منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لنقل كل الأحداث وتطورات الاحتجاجات". 

وأفاد مسؤول وحدة رصد النقابة الوطنية للصحافيين في العراق، حيدر ميثم، بأن "النقابة وثّقت أكثر من 120 انتهاكاً فعلياً تعرّض لها الصحافيون والإعلاميون خلال تغطية التظاهرات، منذ انطلاقها في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2019 لغاية نهاية ديسمبر/كانون الأول 2019. أما في الأول من يناير/كانون الثاني 2020 فقد تعرّض أكثر من 8 صحافيين للاعتداء والتضييق، وبين هذه الانتهاكات حادثة اغتيال مراسل قناة (دجلة) الفضائية، أحمد عبد الصمد، والمصور صفاء غالي، في محافظة البصرة". 

وتابع، في اتصالٍ مع "العربي الجديد"، أن "الانتهاكات تنوعت بين التهديد بالتصفية الجسدية، وإصابات مباشرة بإطلاقات نارية خلال تفريق المتظاهرين، وإصابات بالاختناق نتيجة إطلاق الغازات المسيلة للدموع، والضرب بالعصي والهراوات من قبل قوات مكافحة الشغب، وهناك جهات خارج إطار الدولة ترهب الصحافيين وتحاول منعهم من تغطية التظاهرات، وكان آخر الانتهاكات منع مراسل قناة (دجلة) الفضائية في محافظة بابل، عمار الطائي، من تغطية التظاهرات". 

وفي ما يتعلق بقتلى التظاهرات من الصحافيين، فقد "بلغ عددهم خمسة شهداء، هم كل من المصور هشام فارس، وأحمد المهنا، وهو أيضاً مصور، وأحمد عبد الصمد، ومصوره صفاء غالي، ويوسف ستار"، مؤكداً أن "أغلب الانتهاكات كانت صادرة من جهات أمنية عائدة إلى القائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي، وجهات خارج إطار الدولة تابعة لجهات حزبية أو سياسية". 

ويشهد العراق، منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تظاهرات احتجاجية للمطالبة بإصلاح العملية السياسية وحل مشاكل البطالة وتحسين الواقع المعيشي، أسفرت عن إسقاط حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ورافق التظاهرات أعمال عنف مفرط، باستخدام الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع واختطاف واغتيال للناشطين.