تطبيقات المواعدة: البحث عن شريك "من بعيد لبعيد"

03 يونيو 2020
الصورة
التواصل الاجتماعي يحتلّ المركز 3 في استخدام التطبيق (Getty)
+ الخط -
ما الذي تغيّر داخلنا خلال الأشهر المنقضية بعد تفشّي فيروس كورونا؟ كيف تعامل الإنسان مع عزلته الإجبارية التي وجد نفسه مضطراً إليها للحفاظ على حياته وحياة المقرّبين منه؟ بل كيف روّض الإنسان غرائزه الأساسية للابتعاد عن أحبّته وشركائه خوفاً من نقل العدوى – إن كانت موجودة – إلى أحد منهم دون أن يعلم؟
تؤكّد المؤشّرات التي عبّر عنها علماء الاجتماع والمحلّلون النفسيون، شرقاً وغرباً، أن التأثيرات النفسية السيئة التي أصابت الملايين حول العالم جرّاء العزل الصحي بسبب كورونا، سيكون لها نتائج وخيمة عليهم لاحقاً. بل إن هناك مؤشّرات أوروبية قوية تُظهر أن عيادات أطبّاء ومحلّلي النفس بدأت تمتلئ بالمواعيد منذ الآن، وحتى أربعة أشهر مقبلة. واضطر الآلاف حول العالم إلى التواصل مع أطبّائهم النفسيين عبر مكالمات الفيديو خلال الأشهر الخمسة الماضية. فيما لجأ 15 بالمئة من الشركاء المنفصلين في إيطاليا وفرنسا وبلجيكا إلى التواصل مجدّداً مع شركائهم السابقين، التماساً للدعم والمؤازرة، في ظل ما خلّفته أزمة كورونا عليهم من عزلة وابتعاد.
لكن يبدو أن العزلة التي فرضها فيروس كورونا على العالم، كانت فرصة جيّدة لانتعاش تطبيقات المواعدة الغرامية، وعلى رأسها تطبيق Tinder الشهير، حيث خلصت دراسة فلمنكية حديثة شملت عيّنة من ثلاثة آلاف شخص، إلى أن عدد مستخدمي تطبيقات المواعدة الغرامية قد ازداد منذ ظهور فيروس كورونا من 7.35٪ في يناير إلى 9.58٪ في مارس الماضي. ووفقاً للدراسة التي قامت بها مجموعة "بحث السلوك الرقمي للأشخاص الفلمنكيين" التابعة لجامعة غينت البلجيكية، والمعروفة اختصاراً باسم Imec-mict تحت رئاسة البروفيسور ليفين دي ماريز، فإن هذه الزيادة طفيفة، لكن فريق دي ماريز وجد أيضاً أن الاستخدام اليومي لتطبيقات المواعدة قد ازداد، وهو ما يؤكده لصحيفة "ده مورخن" البلجيكية، قائلاً: "قبل تفجّر أزمة كورونا، كان هناك 5 في المائة فقط من الفلمنكيين نشطاء يومياً على تطبيقات المواعدة الغرامية، وغالباً ما تصل هذه النسبة إلى 6 في المائة خلال فترة العطلات. ولكن خلال الحجر الصحي شهدنا ارتفاعاً ملحوظاً وصل إلى 7 بالمائة، وهو نمو تجسّد بقوة على تطبيقي Tinder وHappn تحديداً دون غيرهما، فيما ظلّت منصّات المواعدة الغرامية الأخرى على معدّلاتها داخل بلجيكا وهولندا".


الحب في زمن Tinder
كذلك سجّلت الدراسة ارتفاع نسبة التوافق بين الباحثين عن شريك لتصل إلى 180 حالة شهرياً لكل مستخدم على Tinder! وهو ما يعني أن شروط قبول الشركاء تغيرت وصارت تقتصر على الحد الأدنى للتواصل مع شخص آخر خلال عزلة كورونا. فيما أكّد تطبيق Tinder نفسه أنه تلقّى ثلاثة مليارات نقرة سريعة في 29 مارس الماضي، وهو رقم قياسي للتطبيق الثوري الذي بدأ قبل ثماني سنوات فقط، والذي لا يزال يرسل إلى مستخدميه رسائل توصيهم بالبقاء في بيوتهم، والحفاظ على الابتعاد الاجتماعي عن الآخرين خوفاً من الإصابة بالفيروس.
من جهتها، قالت الباحثة الهولندية إليزابيث تِمرمانس المشاركة في الدراسة، والحاصلة على الدكتوراه عن رسالتها "تأثير منصّات المواعدة الغرامية في السلوك البشري الراهن" من جامعة إيراسموس الهولندية في روتردام، ومؤلّفة كتاب "الحب في زمن Tinder": "لديّ شكوك كبيرة حين أسمع عن هذه التقارير التي تصدرها منصّات المواعدة الغرامية عن ارتفاع نسبة مستخدميها، لأن أرباح هذه التطبيقات، كما نعلم جميعاً، تزيد فقط ببقاء المستخدمين على منصّاتها، وليس لأنّ التطبيق يجعل الناس يتعرف بعضهم إلى بعض، ولذلك أشكك في صدقية هذه الأرقام التي أعلنها Tinder أخيراً، لأنّه ليس في مصلحة Tinder كمنصّة تبغي الربح أن يتعرّف الناس من خلاله ليقعوا في الحب ويغادروا التطبيق".
وعلى الرغم من السخرية الواضحة في نبرات تِمرمانس، إلا أنها تؤكد أيضاً أن الدراسة البلجيكية لاحظت المواكبة السريعة لمنصّات المواعدة الغرامية في استثمار عزلة كورونا لتحسّن من خدماتها. وعن ذلك تقول: "استطاعت تطبيقات المواعدة الغرامية إضافة ميزات جديدة لإغراء المشتركين عليها، حيث أضاف تطبيق Tinder ميزة باسم Passport تتيح مواعدة أي شخص في العالم، وقد أتاحها التطبيق مجاناً لمستخدميه منذ بدء حظر كورونا حتى نهاية أبريل الماضي، كذلك أضاف تطبيق Happn ميزة تبادل الرسائل الصوتية لمستخدميه، وهي الميزة التي دفعت تطبيق Bumble الشهير إلى أن يزايد عليها بإضافة ميزة إجراء محادثات الفيديو"!


التصنيفات الخمسة
لم تشكّل أرقام دراسة Imec مفاجأة لإليزابيث تمرمانس، التي توضّح لصحيفة "ده مورخن" في تقريرها عن الدراسة الجديدة، قائلة: "أظهرت بحوثنا أن مستخدمي Tinder لا يبحثون فقط عن الحب أو الجنس، في الواقع يأتي الجنس في المرتبة الحادية عشرة من ثلاثة عشر دافعاً محتملاً وجدناه لاستخدام التطبيق، معظمها يُبرَّر على أنه تمضية للوقت، أو ليرى هؤلاء الأشخاص كيف هي قيمتهم في سوق العرض والطلب. وظلّ التواصل الاجتماعي يحتلّ دائماً المركز الثالث من هذه الدوافع، وأتساءل اليوم عمّا إذا كان هذا الأمر قد تغيّر خلال أزمة كورونا، لأن بمقدوري أن أتخيّل أن الأشخاص المنعزلين، والممنوع عليهم التواصل مع الأصدقاء أو العائلة، وجدوا عزاءً في محادثة مع شخص غريب ومجهول لهم تماماً".

من جهتها، وفي الدراسة البلجيكية ذاتها، رصدت الباحثة الألمانية جوانا ديغين، أربعة تصنيفات لمستخدمي تطبيقات المواعدة الغرامية. تقول: "هذا التصنيف اكتشفناه في مارس الماضي، استناداً إلى 1500 استبيان و100 مقابلة متعمّقة، ومتابعة مباشرة مع 600 مستخدم لهذه التطبيقات في ألمانيا والدنمارك والنرويج، ويقول التصنيف إن الفئة الأولى تستخدم تطبيق Tinder كوسيلة للهروب من أزمة كورونا، وكإلهاء عن تدفّق الأخبار السيّئة وأعداد القتلى التي ترتفع كلّ يوم، وهذه هي الفئة الأكبر. أما الفئة الثانية، فهي التي تستخدم تطبيقات المواعدة فقط لتبديد الملل. فيما جاءت في المرتبة الثالثة فئة تؤمن بأنّ هذا هو الوقت الأنسب لتطوير علاقات عابرة مع عدد من الشركاء المحتملين، بحثاً عن العلاقة الأفضل من بينها، ومن ثم فهم يستثمرون الحجر الصحي ليجنوا حصاده بعد انتهائه". أما النوع الرابع، وفقاً للباحثة الألمانية جوانا ديغين، فهو "الفئة التي لا تزال في حالة إنكار لكل ما يحدث منذ أزمة كورونا، وهم باحثون صراحة عن الجنس السريع، وإن كانوا في أغلبهم غير سعداء مع هدفهم هذا".


التكيّف مع الأزمة
خلال جولة ثانية من الدراسة في إبريل الماضي، كانت جوانا ديغين على موعد مع اكتشاف فئة خامسة من مستخدمي Tinder، تقول: "وهي فئة تتكوّن من أشخاص لديهم علاقات عاطفية فعلية، لكنهم اكتشفوا في أثناء فترة العزل الصحي أنهم غير قادرين على الاستمرار مع شركائهم، لذا بدأوا بالتفكير في بدائل، وكان تطبيق Tinder وسيلتهم السرية في ذلك"! وتضيف ديغين: "لاحظنا أيضاً كيف تسلّلت أزمة كورونا إلى ملفّات تعريف المستخدمين، حيث تغيّرت القيم تماماً، فلاحظنا مثلاً أن أكثر من 100 ألف ملفّ تعريف شخصي قد تغيّرت خلال أزمة كورونا لتضمّ هوايات واهتمامات لم تكن موجودة قبل الأزمة، ومن أبرزها الرسم والقراءة، ما أظهر أصحاب هذه الملفّات أمام الشركاء المحتملين بوصفهم قادرين على التعامل مع الأزمة.
وتقول ديغين: "لقد أصبح الملل شيئاً يفتخر به الناس في ظلّ معضلة كورونا، فيما غابت هوايات السفر وإقامة الحفلات أو الولع بحضور مهرجانات الموسيقى وعروضها. في مارس الماضي كان هناك 6 بالمائة فقط من ملفّات التعريف الشخصية تحتوي على إشارات إلى فيروس كورونا كمزحة، فزادت صور المستخدمين على ملفّاتهم وهم يرتدون أقنعة الوقاية، إلا أن هذه النسبة ارتفعت إلى 28 في المئة في إبريل الماضي، وهو ما يعني أن الناس بدأوا في التكيّف مع الأزمة".

من ناحية أخرى، كان المتحدّث باسم تطبيق OKCupid الشهير في المملكة المتحدة، قد أعلن قبل أيّام أن الشركة لاحظت زيادة بنسبة 262 في المائة في عدد الإشارات إلى فيروس كورونا في الملفات الشخصية لمستخدميه بين شهري يناير ومارس الماضيين، ما دفع الشركة إلى إرسال رسائل تحذيرية بالبقاء في المنزل والحدّ من الاتصال بالآخرين، بحسب ما نقلته صحيفة "ذا غارديان".
وعلى الرغم من هذه التحذيرات، لم يلتزم المستخدمون في المملكة المتحدة الابتعاد عن الآخرين، حيث أظهر استطلاع للرأي قام به التطبيق أن 93 في المائة من المستخدمين الإنكليز قالوا إنهم سيستمرون في ممارسة الجنس مع آخرين خلال فترة العزل الصحي. ورصد التطبيق زيادة بنسبة 7 في المائة في عدد المحادثات الجديدة على مدار الأيام القليلة الماضية.
أما تطبيق Hinge، فأحجم حتى اليوم عن أيّ ذكر للفيروس في رسائله لمستخدميه، لكنه نشر تغريدة أخيراً يدعو فيها مستخدميه إلى غسل اليدين قبل سرقة البطاطس المقلية من شريك اللقاء الغرامي، قائلاً: "لا بأس أن نتشارك البطاطس، ولكن ليس الجراثيم".

المساهمون