ترامب في الشرق الأوسط

23 مايو 2017
الصورة
+ الخط -
لا يملك الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بعد سياسة واضحة، أو استراتيجية محدّدة المعالم، أو حتى رؤية للشرق الأوسط، فالذي قام به، منذ توليه الحكم، لا يتعدى أنه خطوات وأفعال لا تندرج ضمن إطار محدّد للسياسات الخارجية الأميركية. وكانت هذه الخطوات والأفعال مدفوعة بشكل رئيسي بحساباته السياسية الأميركية الداخلية وبفانتازيته الأيديولوجية، فقد استخدم القوة الناعمة والقوة الصارمة، بطرق غير محسوبة: قصف بالقنابل والصواريخ على سورية وأفغانستان، وفي المقابل إعلان تخفيض ملموس للمساعدات المالية الأميركية للأردن ومصر. 
إلاّ أن زيارة ترامب المملكة العربية السعودية، من أجل تأسيس "ناتو عربي"، تهدف إلى بناء تحالف سني إسلامي، للقضاء على "المعسكر الشيعي" و"لمحاربة التطرّف والإرهاب". وهذه الخطوة التي تحتضنها السعودية ستشكل فصلاً مهما في سياسة ترامب المستقبلية للشرق الأوسط، فأوجه الشبه السياسية والشخصية والموقفية بين ترامب وبعض الزعماء الذين التقاهم في السعودية مذهلة ولافتة للنظر. وبالتالي، وبالاستناد إلى خطاب الترامبتية (نسبة إلى ترامب)، سيعمل هؤلاء القادة بشكل منسجم ومتطابق، ما يعني أن نظاما إقليمياً جديداً بقيادة أميركية آخذ بالتبلور.

ومع أن الاستراتيجية العامة لترامب للشرق الأوسط ما زالت في طور البناء، إلاّ أن الدعم غير المشروط لإسرائيل سيبقى دوماً العامل الثابت في المعادلة، وفي حسابات الإدارات الأميركية، فأسوة بالإدارات الأميركية السابقة سيستكمل ترامب دعمه اللامحدود لإسرائيل، ويحميها من المحاسبة الدولية، بسبب خرقها الدائم القانون الدولي وإنكارها له، كما سيستمر في إنكار الحقوق الإنسانية الأساسية للفلسطينيين.
في فحوى الحل والتوجه الإقليمي لترامب لإحلال الاستقرار والنظام الإقليمي الجديد، تكمن 
عملية تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية المجاورة، خصوصا تلك الغنية منها؛ إذ إن الديانة الوحيدة التي يقدّسها ترامب هي ديانة الثروة والمال، كما يحاجج روبرت فيسك. وبالتالي، فإن توجهاً إقليمياً كهذا سيعزّز الموقف الإسرائيلي ويقوّيه في أي مفاوضاتٍ مرحلية أو نهائية مع الفلسطينيين، وسيخلق تشوهات إضافية في معنى السلام وفكرته.
إضافة إلى ذلك، فإن القيادة الأميركية للعملية السلمية في الشرق الأوسط يمكنها إفراز نتيجتين أساسيتين في المدى المنظور: "أمننة" لكل شيء وسلام اقتصادي مَعيب. ولا تشكل هاتان النتيجتان أخباراً جيدة للسلام أو العدالة، في ظل الإطار العام السائد والحقائق على أرض الواقع. وعلى الرغم من أن هاتين النتيجتين سترضيان اللاعبين الأساسين في العملية السلمية، إلاّ أنهما تعنيان أيضاّ استدامة للواقع الراهن المختل، والمنحاز لصالح القوة الاستعمارية. وهذا يعني، فيما يعنيه، أن حفلة العملية السلمية ستستمر، ولكن السلام سيصبح أبعد وأبعد، مع استمرار الهيمنة الكولونيالية الإسرائيلية.
وعلى الرغم من هذا كله، ترغب القيادة الفلسطينية الحالية، وبشغف كبير، في لعب اللعبة السياسية، والالتزام بقواعدها، مع أن اللاعب الرئيسي فيها (الإدارة الأميركية) غير مؤهل للثقة، والأجدر تحدي قواعد اللعبة ومقاومتها، بدل الالتزام بها، إلاّ أن القيادة السياسية الفلسطينية خائفة، بل مرعوبة، من التهميش في هذه العملية واللعبة السياسية. ولذلك، فقد سخرت جهوداً كبيرة من أجل استلام مجرد مكالمة هاتفية من ترامب. وسرعان ما سخرت مزيداً من الجهود للقاء ترامب في البيت الأبيض، وكأن لقاء ترامب أولوية وطنية قصوى للفلسطينيين. فقد شعر الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بنشوة الانتصار بمجرد لقائه ترامب، وبدت عليه السعادة البالغة، خصوصا عندما أطرى وأثنى عليه ترامب. وبالتالي، لم يلق فحوى اللقاء وجوهره القدر الكافي من الأهمية، مقارنة بمجرّد عقد الاجتماع، فمجرد عقد الاجتماع، بغض النظر عن محتواه، مثّل الهدف الرئيسي والجوهري.
وبناء عليه، حظيت اللغة المبهمة لترامب بشأن "البدء بعملية السلام" بالدعم من القيادة السياسية الفلسطينية، كيف لا، وهي اللغة الرئيسة التي يفهمونها، وبالتالي فلم تلق تلك اللغة المبهمة أي شكل من المقاومة، وإنما لقيت استسلاماً لشروط ترامب ونهجه المبهم. فبمجرد الانخراط في "عملية سلمية"، تحظى القيادة الفلسطينية بشرعية دولية، تفتقرها كثيرا وطويلا بين الفلسطينيين، إذ إنها ستصبح لاعباَ في هذه العملية. وهذا كله من أجل أن يتم النظر إلى القيادة الفلسطينية الحالية لاعباً إقليمياً، لا يمكن الاستغناء عنه في المنطقة ومستقبلها.
ولكن، لنكن واضحين، هذا لا يعني، ولا بأي شكل، أن القيادة الفلسطينية الحالية تعمل كل هذا من أجل خدمة الفلسطينيين أو قضيتهم العادلة ونضالهم من أجل تقرير المصير، فهذه القيادة
فشلت فشلاً ذريعاً على مدار العقدين الماضيين، ولا يوجد أي سبب للإيمان أو الاعتقاد بأنها ستنجح الآن لخدمة الأجيال القادمة، فقد استنفدت كل فرصها وطرقها ووسائلها واستراتيجياتها.
وعليه، الفجوة ما بين القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني واضحة وجلية، إذ تعيش القيادة في عالم وواقع مختلف، وأولويتها بعيدة كل البعد عن آمال الفلسطينيين وتطلعاتهم، ما يفسر جوهر الأزمة العميقة للشرعية والتمثيل التي تعصف بالمشهد السياسي الفلسطيني. وليست هذه الأزمات أخباراً جيدة للسلام أو العدالة أو الحرية أو تقرير المصير.
بالطبع، ليست أزمة الشرعية هذه جديدة على الساحة الفلسطينية، ولكن العقد الأخير، والذي مثّل تجذراً للسلطوية القمعية الفلسطينية أحدث واقعين مختلفين، نتيجة لوهم الدولة: نخبة سياسية مهتمة فقط بتعزيز سلطتها وسطوتها، بغض النظر إن كانت سلطة حقيقية أو وهمية، وشعب مجبر على مقاومة ومجابهة مستويات عدة من القوة والسلطة والجبروت. وينعكس هذان الواقعان بالضرورة على الأفعال.
وفيما ينشغل الفلسطينيون، في هذه الأيام، بشكل وحدوي، بدعم صمود الأسرى المضربين عن الطعام، إلاّ أن ساسة السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية ينشغلون بصد تبعات هذا الإضراب في شوارع الأرض المحتلة، أو يحاولون جاهدين تجيير الدعم لعباس، قبيل زيارة ترامب للمنطقة، وفي أثنائها، وبالتالي، تلعب السلطة الفلسطينية مرة أخرى دورا تفريقياً ومشرذماً. فنظرة سريعة على بعض نتائج استطلاعات الرأي التي أجريت أخيرا تدلل على الفجوة العميقة بين الشعب والقيادة السياسية. فعلى سبيل المثال، ما بين 60% و 80% من الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة يرفضون التنسيق الأمني مع إسرائيل والذي تعتبره قيادة السلطة الفلسطينية مقدساً في صالح الأهداف الوطنية الفلسطينية. ويطالب حوالي ثلثي الفلسطينيين عباس بالاستقالة، وحوالي 67% من الفلسطينيين يؤمنون بأنهم يعيشون في ظل نظام حكم غير ديمقراطي قامع للحريات.
لا ينبغي أن تشكل مؤشرات كهذه مفاجأة لأحد، لأن النظام السياسي لما بعد "أوسلو" معتمد على سطوة نخبة سياسية، وتهميش الشعب والناس. فلم تكن أصوات الناس وتطلعاتهم يوماً في صُلب النظام السياسي، ولم تصل تلك الأصوات والتطلعات إلى مراكز (وعمليات) صنع القرار. وفي ظل تغييب هذه الأصوات وتهميشها، سيبقى السلام مستحيلاً.
مرارة الاغتراب في الوطن هذه ومرارة التهميش أفقدت الفلسطينيين أبسط أدوات الوكالة السياسية والتمثيل، والتي تفسر الفجوة العميقة بين الناس والقيادة السياسية. لا يمكن جسر هذه الفجوة إلاّ بإعادة خلق للنظام السياسي الفلسطيني وبناه وهياكله، وهذه ستكون وظيفة أخرى للجيل الجديد من القادة الفلسطينيين.