تراجع اهتمام الإعلام الإيراني بالقضية الفلسطينية

تراجع اهتمام الإعلام الإيراني بالقضية الفلسطينية

23 مارس 2017
الصورة
+ الخط -
قلّصت إيران نفقات مكاتبها الإعلاميّة في فلسطين، ولم تسدّد ديوناً متراكمة عليها لشركات الإنتاج التلفزيونيّ، تقدّر بثلاثة ملايين دولار، ولم تصرف رواتب مراسليها خلال أشهر طويلة، بحجّة الأزمة الماليّة التي تعانيها، ودعمها حروب سورية واليمن والعراق، ما اضطرّ الشركات لوقف العمل مع وسائل إعلام إيرانيّة، بعد تراكم الديون... تنشغل السطور التالية في معرفة أسباب الأزمة وتوقيتها، وما إذا كانت هناك أولويّات جديدة لإعلام إيران غير فلسطين.

تخفيض الموازنات
تمتلك إيران إمبراطوريّة إعلاميّة تنتشر في معظم الدول العربيّة، ومنها فلسطين، وتنفق عليها أموالاً طائلة، ليست معروفة بدقّة، وتشمل عشرات الفضائيّات، الإذاعات، الصحف، والمواقع الإلكترونيّة، أبرزها القنوات التلفزيونية اللبنانية، كالمنار والميادين، والإيرانية كالعالم، ولديها مكاتب في فلسطين، ويعمل فيها مئات المراسلين والفنيّين ومنتجي الأخبار، والمقصود فيها وسائل إعلامية إيرانية بحتة، تبث من طهران مباشرة، أو قنوات غير إيرانية تصدر من دول أخرى، كالعراق ولبنان وفلسطين، وتتلقى كامل تمويلها من إيران.
لكنّ السنوات الأخيرة، أي منذ عام 2011، حين اندلعت الثورات العربيّة، وتورّطت إيران في حروب سورية والعراق واليمن، تراجع دعم إيران المالي لوسائلها الإعلاميّة في فلسطين خصوصا، من دون أن يشمل بلدانا أخرى، ربّما بسبب استنزافها الماليّ في تلك الحروب، وما شكّلته من أزماتٍ ماليّة، ولإعادة تقييمها حجم إنفاقها الماليّ على تلك الوسائل الإعلاميّة.
تحدّث كاتب هذه السطور مع صحافيّين ومنتجي أخبار ومديري شركات إنتاج تلفزيونيّ في فلسطين ولبنان وإيران، زوّدوه بمعلومات عن مظاهر الأزمة، من دون كشف هويّاتهم، خشية تضرّر أعمالهم مع إيران.
تمثلت أزمة الإعلام الإيرانيّ الماليّة في إغلاق بعض مكاتبه في فلسطين، كإذاعة إيران،
والقنوات التلفزيونية مثل الكوت والرافدين وخبر، وتقليص ميزانيّات مكتب قناة المنار، وفصل موظّفين في تلك القنوات، وإجراء تغييراتٍ في إدارات بعض القنوات، ونقل بعض الموظفين إلى وسائل أخرى.
وبعض القنوات التلفزيونيّة الإيرانيّة التي لديها مكاتب في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، انخفضت موازنتها الشهريّة إلى النصف، وبعضها إلى ألفي دولار، تشمل أجرة مراسل وفنّي مونتاج وخدمات، ولجأت مكاتب قنوات أخرى إلى تخفيض التقارير الخاصّة بالأوضاع الفلسطينيّة، لتصل إلى تقريرين أسبوعيّاً فقط بدلاً من تقرير يوميّ.
ويذكر أن اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلاميّة، وهو المؤسّسة الإيرانيّة الرسميّة، يتولى تمويل القنوات الإيرانيّة، أو الصادرة في 34 دولة، وتضمّ 300 إذاعة وقناة وصحيفة وموقع إلكترونيّ وقناة تلفزيونية، تسهم كلّها في ترويج السياسة الإيرانيّة في الشرق الأوسط، ويتركّز أهمّها في فلسطين، العراق، اليمن، ولبنان.
وقد بدأت الأزمة الماليّة في أوائل عام 2016، وزادت، في صورة واضحة، في منتصفه، ومن مظاهرها وقف قنوات إيرانيّة مكاتبها في فلسطين، مثل قناتي سحر وخبر التلفزيونيتين الإيرانيّتين، وقناة المسيرة اليمنيّة، وقناتي الغدير والفرات العراقيّتين.
كما أن مظاهر أخرى للأزمة الماليّة التي تعاني منها وسائل الإعلام التابعة لإيران في فلسطين تمثّلت في تخفيض الرواتب والنفقات التشغيليّة لقنواتها، وعدم تكليف المراسلين بإعداد تقارير يوميّة عن فلسطين، في مقابل رفع اهتمامها بتطوّرات حروب سورية والعراق واليمن، حيث توجد إيران بقوّة، ما يعني أنّ أولويّات الدعم الإعلاميّ الإيرانيّ باتت تتوجّه أوّلاً إلى تلك الحروب، في مقابل تراجع اهتمامه بالموضوع الفلسطينيّ الذي بات ترتيبه في المقامين، الثالث والرابع، في نشرات أخبار القنوات الإيرانيّة وتقاريرها.

فلسطين ليست أولوية
وهكذا، فإن هناك عشرات القنوات التلفزيونيّة والمكاتب الصحافيّة التابعة لإيران، أو المقرّبة منها، الموجودة في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، مثل قناة الاتجاه التلفزيونية العراقيّة، واللؤلؤة البحرينيّة، والكوت الكويتيّة، وقناتي الثبات وآسيا اللبنانيّتين، وقناة عدن لايف اليمنيّة، وفيما تقلّص إيران نفقاتها الماليّة على إعلامها في فلسطين، تمّ الإعلان في 16 فبراير/ شباط عن تأسيس إذاعة نداء البحرين التي تناهض النظام هناك.
ويُذكر أن بعض الشركات الفلسطينيّة التي تعمل مع الإعلام الإيرانيّ منذ عشر سنوات،
تراكمت ديونها على القنوات التلفزيونيّة الإيرانيّة بشكل غير مسبوق، وتحديداً منذ ثلاث سنوات، وتتعلّق باستئجار معدّات البثّ التلفزيونيّ، وحجز الأقمار الصناعيّة، ووصلت قيمتها إلى ثلاثة ملايين دولار. وعلى الرغم من مناشدتهم المسؤولين في إيران لتسديد المستحقّات، إلّا أنّهم يمنحون وعوداً من دون تحقيقها، فضلاً عن تأخّر صرف رواتب مراسليها لما يزيد عن ستّة أشهر، بعدما تمّ تخفيض نسبة أجورهم 20%.
وتتركز مشكلة المراسلين الفلسطينيّين مع وسائل الإعلام الإيرانيّة وغيرها، في أنّهم لا يوقّعون عقوداً معها، بل يعملون عبر شركات الإنتاج التلفزيونيّ. وهناك مئات آلاف الدولارات من الديون المستحقّة لهذه الشركات على الإعلام الإيرانيّ، وترسل الجهات الإعلامية المسؤولة في طهران دفعات غير منتظمة إلى الشركات في غزة، لتسديد ديونها المستحقة بين حين وآخر.
وقد يعود السبب في أزمة وسائل الإعلام الإيرانيّة في فلسطين إلى صراع متنامٍ بين هيئة الإذاعة والتلفزيون والحكومة الإيرانيّة، حول حجم التمويل الذي تقدمه هيئة الإذاعة والتلفزيون لوسائل الإعلام التابعة لإيران، أو إلى سوء إدارة هذا الملفّ من إيران نفسها، بإنتاجها وتمويلها مزيداً من القنوات، لبناء إمبراطوريّة إعلاميّة غير فعّالة، إلّا على تردّدات الأقمار الصناعيّة، بمعنى أنه لا تأثير لها على الأرض بين المشاهدين، باستثناء أنها مدرجة على الأقمار الصناعية فقط كأسماء قنوات فضائية.
تتفاوت التقديرات حول نفقات إيران على إعلامها الخارجي، أو التابع لها في خارج حدودها، وتصل بعضها إلى 900 مليون دولار ومليار دولار سنويّاً، وقد أجرت الحكومة الإيرانيّة، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، تقييماً لحجم المؤسّسات الإعلاميّة التابعة لها العاملة في فلسطين، فاتّضح أنّ كميّة الدعم الماليّ لها لا يوازي حجم العائد المعنويّ والسياسيّ الذي يعود إيجابيّاً على إيران. فهذه الوسائل لم تنجح في تسويق الرواية الإيرانيّة لأحداث المنطقة بين الفلسطينيّين، على الرغم ممّا ينفق عليها من أموال باهظة، ويسود توجّه بالإبقاء على قناة العالم التلفزيونية واجهة رسميّة لإيران، وإغلاق بعض القنوات، ودمج أخرى مع بعضها.
كما أنّ أسبابا أخرى لتراجع الدعم عن الوسائل الإعلاميّة التابعة لإيران في فلسطين والبلدان الأخرى، تتمثّل في الظروف الاقتصاديّة غير المريحة التي تعيشها إيران، حيث تمّ تخفيض بعض الموازنات، إضافة إلى أنّ عدم رضا الحكومة الإيرانيّة على أداء هيئة الإذاعة والتلفزيون قد يكون له تأثير على عدم رفع موازنتها المالية التي ترسلها إلى وسائل الإعلام التابعة لإيران في الخارج، بما يلبّي حاجاتها.

شعارات بدون رصيد
يتزامن تراجع الإعلام الإيراني بالقضية الفلسطينية مع نشر،المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، أخيرا، نتائج المؤشّر العربيّ لعام 2016، وتركز في الإجابة عن سؤال: كيف ينظر الفلسطينيون إلى السياسات الخارجية للقوى الإقليمية والدولية الفاعلة؟
المميز في المؤشر أن تقييم الرأي العام الفلسطيني سياسات إيران الخارجية جاء سلبيا، إذ إن 70% من الفلسطينيين متوافقون على أن هذه السياسة تجاه المنطقة العربية سلبية، وسلبية إلى حد ما، ونصف المجتمع الفلسطيني متيقن من أن هذه السياسة سلبية، في مقابل 6% قيّموها إيجابية، وأفاد 15% بأنها إيجابية إلى حد ما، ما يعني أن نسبة الذين لديهم رأي واضح وقطعي بإيجابية السياسة الإيرانية في المنطقة هي 6%، ويقابل ذلك أكثر من ثمانية أضعافهم، ونسبة 50% عبّروا عن رأي قطعي في سلبية السياسات الإيرانية.
وفيما يتعلق بتقييم السياسة الإيرانية نحو القضية الفلسطينية، كانت الأقل سلبيةً من تقييم مواقف
إيران من البلدان الأخرى، فقد عبر 52% من الفلسطينيين عن أن سياسات إيران نحو فلسطين مواقف سلبية، 24% سيئة جدًا و28% سيئة، مقابل 36% أفادوا بأن السياسات الإيرانية نحو فلسطين إيجابية جدًا أو إيجابية، ونسبة من اعتبروا أن سياسات طهران نحو فلسطين جيدة جدًا، ولديهم رأي إيجابي قطعي تجاه مواقف إيران نحو فلسطين يمثلون 9% من جميع مستجيبي فلسطين.
يعني ذلك كله أن اقتناع الفلسطينيين في أدنى مستوياته إزاء اعتبار الخطاب الإيراني تجاه فلسطين ذا مصداقية، وأنه يترجم على أرض الواقع، والملاحظ أن التقييم السلبي لدى الفلسطينيين لسياسات طهران في المنطقة بصفة عامة مرتبط بتقييمهم هذه السياسات في البلدان العربية، خصوصا في العراق وسورية.
كما أن أغلبية الرأي العام الفلسطيني يعتقد أن إيران تستغل الأزمات في المنطقة، من أجل توسيع نفوذها، إذ أيد 72% من الفلسطينيين ذلك الطرح، بل أيد نصف المستجيبين بشدة استثمار إيران أزمات المنطقة، في البحث عن دور وتأثير ونفوذ أوسع، وعبّر 17% من المستجيبين عن معارضتهم تلك العبارة، كما أيد 68% من الفلسطينيين عبارة أن إيران تغذّي النزعات الطائفية والعرقية والانفصالية في البلدان العربية، في مقابل 18% عارضوها، كما عارضت أغلبية الفلسطينيين 68 % العبارة أن إيران تساهم في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها، في حين أن 7% وافقوا على هذه العبارة، و13% وافقوا إلى حد ما.
وهكذا تفيد النتائج التي توصل إليها المؤشر العربي بأن الرأي العام الفلسطيني يتخذ رأيًا سلبيا تجاه دور إيران في المنطقة العربية، حيث يجمع الفلسطينيون على أن طهران تحاول الاستثمار في أزمات المنطقة، من أجل لعب دورٍ أكثر فاعلية وتأثيرا، كما أنها تستثمر في النزعات الطائفية والعرقية وتغذيها، في الوقت نفسه، وبالتالي، هي قوة معيقة لعملية التحول الديمقراطي في الدول العربية التي شهدت ثورات شعبية، تطالب بالحرية والعدالة والكرامة.
أخيراً... قد تتعارض هذه التقليصات الماليّة الإيرانيّة على إعلامها التابع لها في فلسطين مع دعواتها إلى دعم الفلسطينيّين، من خلال المؤتمرات السياسية التي شهدتها طهران أخيرا، لكنّها قد تكشف أنّ أولويّات إيران تبدّلت في اتّجاه دعم إعلامها في مناطق ساخنة، مثل سورية والعراق ولبنان، حيث يتمّ تثبيت وجودها السياسيّ والعسكريّ، فيما تحافظ على إطلاق شعاراتها العلنيّة بدعم الفلسطينيّين، مع تخفيض نفقاتها لهم.