أزمات السلطة الفلسطينية داخلياً وخارجياً

أزمات السلطة الفلسطينية داخلياً وخارجياً

06 يوليو 2017
الصورة

احتجاج في غزة ضد السلطة الفلسطينية ومحمود عباس (2/6/2017/Getty)

+ الخط -
تسارعت، في الأسابيع الأخيرة، الأزمات التي تعصف بالساحة الفلسطينية، داخليا وخارجيا، ما أثار مخاوف فلسطينية من زيادة حالة الانقسام السائدة بين الفلسطينيين، وصولا إلى مرحلةٍ من التشظي غير المسبوقة، بفعل حالة التنافر القائمة بين قطاع غزة والضفة الغربية، أو القطيعة المتواصلة بين حركتي فتح وحماس، فضلا عن حالة الاستقطاب الساخنة داخل أوساط السلطة الفلسطينية وحزبها الحاكم حركة فتح.
ومع تواصل هذه الخلافات الفلسطينية الداخلية، بات المشهد الفلسطيني مستباحا من تدخلاتٍ إقليمية ودولية، وأصبح لكل عاصمة مريدون وموالون داخل الساحة الفلسطينية، ما ساعد في محاولة رهن القرار الوطني الفلسطيني إرضاءً لأجندات وبرامج سياسية غير فلسطينية.
وقد أوجد ذلك سلسلة أزمات تعيشها السلطة الفلسطينية: داخلية وخارجية، سواء ما تعلق بتركيبتها القيادية، أو في قرارها السياسي، بما في ذلك مواجهة التحديات المتعلقة بعملية السلام مع إسرائيل، أو مستقبل العلاقة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلا عن علاقتها مع الدول العربية، وتأثير التجاذبات الخارجية على قرارها، ومستقبل قيادتها.

العامل الإقليمي
لم يعد سرا أن القيادة الفلسطينية الحالية ممثلة بالسلطة وحركة فتح تعيش حالة من تنافس تياراتها المتعدّدة، بل والمتناقضة أحيانا، ما يؤثر سلباً على وحدة تماسكها، وقدرتها على قيادة المشهد الوطني الفلسطيني، وتمكن الإشارة بالتفصيل إلى أهم مؤشرات حالة التشظي في مشهد القيادة الفلسطينية.
يمكن القول إن عباس خرج من معاركه الداخلية، ولديه نقاط قوة على خصومه، صحيح أنه لم يستطع التخلص منهم نهائياً، لكنه تمكّن، في المقابل، من تطويع أنصارهم ومريديهم داخل الحركة ومؤسساتها التنظيمية، ترغيباً بمنحهم مواقع قيادية متقدمة، أو ترهيبا بقطع رواتبهم وإقصائهم عن دوائر صنع القرار داخل الحركة.
لا تتوقف المسألة عند أبعادها الداخلية فحسب، لأن لدى أطراف الخلاف الفتحاوي الداخلي
ارتباطات خارج الأراضي الفلسطينية، ويحاول كل طرفٍ التمسك بقوى إقليمية ودولية لترجيح كفته على خصمه في داخل البيت التنظيمي الواحد.
إقليمياً: لا تمر علاقة الرئيس محمود عباس مع مصر في أحسن أحوالها، عقب رفضه الاستجابة لوساطات الرئيس عبد الفتاح السيسي لمصالحته مع المفصول من حركة فتح، محمد دحلان، في حين تمر علاقته مع الأردن ببرود تدريجي، مع صدور تصريحات فتحاوية مقرّبة من عباس تغمز من قناة تدخلات أردنية في الضفة الغربية.
أما عن علاقات عباس مع دول الخليج العربي، فالأمور متأرجحة بين علاقات طيبة مع قطر مثلا، التي تقدم دعما ماليا سخيا لموازنة السلطة الفلسطينية، ولعلها من الدول العربية القليلة التي تحافظ على دعم دوري منتظم للسلطة، وهي تقوم بدور الوساطة الدائمة لإبرام اتفاق للمصالحة بين حركتي فتح وحماس.
يمكن وصف علاقة عباس مع السعودية بالمتذبذبة وغير المستقرة، مع توقف دعمها المالي لموازنة السلطة الفلسطينية شهورا عديدة، تعبيرا عن غضبها من عباس الذي أفشل جهود ما باتت تسمى الرباعية العربية المكونة من السعودية، الإمارات، مصر، الأردن، لإصلاح البيت الفتحاوي، وطي صفحة خلاف عباس ودحلان.
ويعتبر محمود عباس أن الإمارات تقوم بدور تخريبي داخل فتح، بتشجيعها السافر لدحلان، وإغداق الأموال عليه لتحشيد قيادات فتحاوية بجانبه، واستخدام المال السياسي لدعم مشاريع جمعيات ومؤسسات قريبة منها وتابعة لها لترويج خياراتها السياسية في الساحة الفلسطينية.
ويجتهد خصوم عباس، وفي مقدمتهم دحلان، في الآونة الأخيرة، في اكتساب مزيد من الأصوات داخل الشارع الفلسطيني، شعبياً وفصائلياً، ليس بالضرورة عن قناعتها بأنه أفضل من عباس، ولكن ربما أنه أقل ضرراً، وأكثر قدرةً على تحشيد الإقليم المناوئ لعباس، لتحسين الأوضاع الفلسطينية.
كان لافتاً أن يتمكّن دحلان من توسيع نفوذه في فتح في غزة، لاسيما في الأوساط الميدانية التي سئمت من إدارة عباس الحركة، لأنه لم يعرها الانتباه والاهتمام، وباتت ترى في دحلان بديلا قد يحقق لها طموحاتها الشخصية بالعمل والسفر. ولذلك، بات الأخير يخرج، بين حين وآخر، مظاهرات مؤيدة له في غزة، تهتف باسمه، وتحرق صور عباس وتهاجمه.
وقد استطاع دحلان مد نفوذه إلى الضفة الغربية، وهي ليست معقله الأساسي، كقطاع غزة، خصوصا عبر تشكيل مجموعات عسكرية مسلحة، خاضت، في الشهور الأخيرة، سلسلة مواجهات ضارية مع أمن السلطة الفلسطينية، وشكلت مصدر قلق حقيقي لعباس، لقدرتها على تجييش مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ضده، وباتت هذه المجموعات هدفاً مركزياً للجهد الأمني الفلسطيني، بالملاحقة والاعتقال، وصولا ًإلى القتل.
إقليمياً، لا يخفي دحلان ولاءه للإمارات ومصر، باعتبارهما عرابتين له في المشهد الفلسطيني، توفران له الدعم المالي والمنابر الإعلامية، وهو ما يجعله يسجل نقطة على عباس الذي يفتقر لهذا البعد العربي الرسمي، ومع أن السعودية لا تبدي تحمسها لدحلان أو عباس، لكن كما يبدو أنها تهتم أكثر برؤية فتح موحدة، بغض النظر عمن يقودها من الرجلين.
أما عن الأردن، فإن حركة فتح تحظى بوجود كوادره ومؤيديه هناك، من خلال عقد بعض
الاجتماعات، وعلاقاته الوطيدة مع شخصيات رسمية، وواجهات إعلامية، ما يجعله يستغل سوء الفهم الذي يحصل، بين حين وآخر، بين رام الله وعمّان حول قضايا تتعلق بالخيار الأردني لمستقبل الضفة الغربية، ومستقبل إدارة الوقف الإسلامي بمدينة القدس.
يبقى مروان البرغوثي الذي يحظى بتأييدٍ جارف في أوساط فتح القيادية والميدانية والشعبية الفلسطينية، ويعتبر المرشح الأوفر حظاً في حال إجراء انتخاباتٍ رئاسية فلسطينية. صحيح أنه لا يحظى بذلك الدعم الإقليمي الذي يتمتع به عباس ودحلان، نظرا لأنه حبيس القضبان الإسرائيلية، لكن قاعدته التنظيمية داخل "فتح" تشكل مصدر إزعاج حقيقي لعباس، ما دفعه إلى إقصاء البرغوثي من أي مواقع قيادية في "فتح"، بما فيها نائب الرئيس أو أمين سر الحركة، على الرغم من أنه حصل على أعلى أصوات في المؤتمر السابع لحركة فتح.
وقد اتسعت الفجوة بين عباس والبرغوثي، وتجلت معالمها في إضراب الأسرى في أبريل/ نيسان ومايو/ أيار الماضيين، وما قيل عن جهود السلطة الفلسطينية لاحتوائه وإحباطه، لعدم منح البرغوثي مزيدا من الشعبية والجماهيرية، ما دفع أنصاره إلى الحديث علنا عن خطوات التفافيةٍ نفذها عباس للحيلولة دون تحقيق الأسرى مطالبهم، خشية أن يسجل ذلك لصالح البرغوثي، في إطار التنافس بينهما.

انقسام الضفة وغزة
اكتمل قبل أيام أحد عشر عاما على الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية، وقد شهدت هذه الأعوام الطويلة مبادرات عديدة واتفاقات متلاحقة للوصول إلى مصالحة تاريخية بين حركتي فتح وحماس، لكن الفشل كان حليفها. مع العلم أن جهود الوسطاء الفلسطينيين والعرب كانت تسعى إلى البحث عن حلولٍ للملفات العالقة بين الجانبين، التي كانت تفجر أي مسودة اتفاق يوقعها الجانبان، ومنها قضايا الموظفين الذين عينتهم "حماس" عقب سيطرتها على غزة، وتسليم قطاع غزة كاملا للسلطة الفلسطينية، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وغيرها من الملفات.
الجديد في ملف الانقسام أن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، قرّر القفز بعيدا في الهواء، من دون انتظار لما قد تؤول إليه الجهود المحلية والإقليمية من خلال الشروع بسلسلة عقوباتٍ قاسيةٍ، وإجراءات شديدة ضد قطاع غزة، بزعم أنها تستهدف ثني "حماس" عن الاستمرار بسيطرتها على القطاع، وعودتها إلى ما يعتبرونه الحضن الفلسطيني، والتخلي عن وهم إقامة دولة أو إمارة في غزة.
هذه مطالبات لم تتوقف طوال الأحد عشر عاما الماضية، لكنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ، لأنه لم يتوفر خلالها الحد الأدنى من الثقة بين الجانبين، بجانب أنها كانت تأتي من السلطة الفلسطينية بمنطق الفرض الأبوي، وليس الحوار الأخوي، فضلا عن وجود هواجس متزايدة لدى "حماس" بأن المطلوب هو تسليم سلاحها بالكامل، كما الحال في الضفة الغربية، حيث تم ضرب بنيتها التحتية، التنظيمية والعسكرية والدعوية، من جهود أمنية مشتركة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.
وتتزامن الإجراءات العقابية من السلطة الفلسطينية ضد غزة مع الحملة التي تشنها دول عربية ضد قطر، وإشارة مسؤولين خليجيين، لاسيما وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، إلى أن أحد أسباب مقاطعة قطر احتضانها حركة حماس، وكأن المطلوب من الدوحة أن ترفع يدها عن حماس، وتتخلى عن الفلسطينيين، حتى يرتفع عنها الحصار، ما يمنح الشكوك القائلة إن ما تنفذه السلطة الفلسطينية من عقوباتٍ قاسيةٍ يأخذ بعداً إقليميا، وتنسيقا عربيا، وليس جهدا فرديا، أو مزاجا شخصيا، من عباس ضد حماس.
أخطر من ذلك، تأتي استجابة إسرائيل قبل ساعاتٍ لمطالب السلطة الفلسطينية بتقليص إمدادات
الكهرباء عن قطاع غزة، لتصب مزيدا من الزيت على نار الخلاف الفلسطيني الداخلي، واتهام "حماس" عباس بالضغط على تل أبيب لمعاقبة الشعب الفلسطيني في غزة، تحقيقا لمآرب سياسية، ولو كان ذلك سينجم عنه كارثة إنسانية غير مسبوقة، بسبب تعطل كل مجالات الحياة، ومرافقها العامة.
اللافت أن استجابة إسرائيل لمطالب السلطة الفلسطينية تقليص إمدادات الكهرباء لغزة تعني إمكانية اقتراب شبح الحرب الرابعة على غزة، فهل هذا ما يسعى إليه الاحتلال الإسرائيلي، أم أن ذلك جزءٌ من توافق إقليمي لخنق "حماس" التي تمثل آخر القلاع التي تعاند إسرائيل وحلفاءها من بعض الدول العربية.

القرار الفلسطيني
أسفر تزايد الأزمات في الواقع الفلسطيني، وتشظي الحالة الوطنية، عن تشتتٍ في آليات اتخاذ القرار السياسي الفلسطيني، سواء بين الضفة الغربية وقطاع غزة، أم بين حركتي فتح وحماس، أم بين حكومة التوافق في رام الله واللجنة الحكومية في غزة، فضلا عن حالة التداخل المرضية بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح.
ساهم ذلك كله في إضعاف الموقف الفلسطيني عموما، وعدم القدرة على إنتاج قرار وطني فلسطيني موحد، سواء لإبرام اتفاق مصالحة داخلي، أم لمواجهة التحديات الإسرائيلية الخارجية، وهو ما تراقبه إسرائيل عن كثب، وتعمل على ترسيخه، وتجذيره في الواقع الفلسطيني.
أخطر من ذلك، ربما لا تكشف هذه السطور سراً إن تحدثت أن عواصم إقليمية بات لها أيدٍ نافذة في دوائر صنع القرار الفلسطيني، لاسيما الأردن ومصر والسعودية والإمارات، التي تستخدم قواها الناعمة والخشنة، كي تكون في مشهد اتخاذ القرار، وتحصل ما استطاعت من مكتسبات، وتتفادى ما استطاعت من خسائر.
ربما تكون إسرائيل المستفيدة الكبرى من حالة الانقسام في الساحة الفلسطينية من جهة، وما أسفرت عنه من غياب منظومة وطنية متفق عليها لاتخاذ القرار، وقد تمثل ذلك في انفراد إسرائيل بالساحة الفلسطينية، سواء بمنطق العصا مع غزة، أم الجزرة مع الضفة الغربية، مع انكشاف ظهر الفلسطينيين، وعدم وجود سند إقليمي عربي أو دولي، يحول بينهم وبين تنفيذ إسرائيل مخططاتها الاستيطانية في الضفة الغربية من جهة، واستمرار حصارها غزة من جهة أخرى.
سيؤدي ذلك كله، بالضرورة، إلى حصول تراجعاتٍ مريعة في القرارات الفلسطينية، لاسيما على صعيد تنازل السلطة الوطنية عن شروطها السابقة لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل، وتآكل قدرة الفلسطينيين على الصمود في غزة أمام قسوة الحصار الإسرائيلي والإجراءات الفلسطينية الرسمية.