تجنيد القاصرات... عائلات كردية خائفة على بناتها في سورية

04 اغسطس 2020
الصورة
تتفاوت أعمار المجندات في "قسد" (بولنت كيليك/ فرانس برس)
+ الخط -

على الرغم من توقيع قوات سورية الديمقراطية اتفاقية مع الأمم المتحدة لمنع تجنيد الأطفال، فإنّ هذا النشاط مستمر في مناطق سيطرتها، ويطاول القاصرين من الذكور والإناث، في تغاضٍ عن مناشدات الأهالي أيضاً

ما زالت عمليات تجنيد الفتيات القاصرات في مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية "قسد" مستمرة، لتتواصل معها معاناة العائلات، فالحرمان من فلذات الأكباد يسبّب الأسى والحزن لأفرادها، خصوصاً الأمهات، اللواتي تنفطر قلوبهن على غياب بناتهن طوال أشهر، في ساحات التدريب والقتال، من دون معرفة مصيرهن.
والدة الطفلة سيدرا عبد السلام حاجي تعيش حالة من الحزن منذ غياب ابنتها التي تم تجنيدها، وكلّ ما تحلم به في الوقت الحالي هو رؤية ابنتها واحتضانها. توجهت بنداء إلى قائد قوات سورية الديمقراطية، مظلوم عبدي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تحدثت فيه باللغة الكردية، وجاء في التسجيل بحسب ترجمة سلام حسن لـ"العربي الجديد": "أرسل هذا التسجيل الصوتي للرفيق مظلوم، الذي أعطانا وعداً، واسأله لماذا لم ينفذ وعده؟ أنا أرجوكم أن تعيدوا ابنتي، ابنتي عمرها 16 عاماً وهي مريضة". أضافت: "ابنتي لا قدرة لها على تحمل أعباء البقاء معكم، أرجوك مظلوم أن تعيدها، أريد أن أضمها وأراها في هذا العيد، منذ ستة أشهر لم أقابل ابنتي وأنا مشتاقة لها كثيراً. طلبت من الرفيقة جيلان أن تريني صورة فقط لها. أريد أن أعلم، هل ما زالت على قيد الحياة أم ماتت... لم يجبني أحد أو يعترف ما الذي حلّ بابنتي، ومرة ثانية أتوجه في هذا التسجيل لمظلوم عبدي بأن يفي بوعده ويعيد ابنتي القاصر ذات الـ16 عاماً إليّ".
وفي غياب أيّ رادع، تواصل جهات تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، عمليات خطف القاصرات في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية في سورية، بالرغم من المناشدات من الأهالي والناشطين الأكراد في المنطقة بضرورة إيقاف عمليات تجنيد القاصرين، الأمر الذي يضع الأهالي أمام مخاوف دائمة من قضية هذا التجنيد، خصوصاً للفتيات القاصرات.

بدوره، يذكر مصدر مقرب من عائلة الفتاة القاصر لينا عبد الباقي خلف (14 عاماً) لـ"العربي الجديد" أنّ كلّ مناشدات العائلة لإعادة ابنتها باءت بالفشل، إذ جاءها ردّ من الشبيبة الثورية "جوانين شورشكر" التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، بأنّ الفتاة أعطت قرارها بالالتحاق بالشبيبة، ولا يمكن للأهل الوقوف في وجه الفتاة التي لها حرية تقرير مصيرها. ويشير المصدر إلى أنّ الأهل استسلموا للأمر الواقع في الوقت الحالي، لكنّهم في حالة قلق وخوف دائم على ابنتهم، وما زالوا يحاولون الوصول إليها في الوقت الراهن، بالرغم من إغلاق الأبواب كافة من قبل شبيبة حزب الاتحاد الديمقراطي، والذي يتزعمه شخص معروف باسم إبراهيم سعدة، في المنطقة.
أما صباح إبراهيم عبد الرحمن، والدة الطفلة القاصر صباح بشير حسي، فقد توجهت بنداء لإعادة ابنتها التي لم تبلغ 17 عاماً، والتي اختطفت من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي، من منطقة نزوحها في تلّ رفعت بريف حلب الشمالي، وقالت والدة الفتاة إنّ حزب الاتحاد الديمقراطي يدّعي أنّ عمر الفتاة أكبر من العمر الذي تتحدث عنه. وتابعت عبد الرحمن: "أنا من سجلت تاريخ ميلاد ابنتي وأنا أدرى من حزب الاتحاد الديمقراطي بهذا، أنا أمّ وأطالب بابنتي؛ ابنتي الوحيدة التي ليس لي غيرها. قالوا لي: ليس لك بنت لدينا، وطردوني. اختطفوا ابنتي وجنّدوها بين المقاتلين الجدد لديهم، وأنا أعرف أين هي، فلماذا يدهسون الفقراء ويقتلونهم ويحرقونهم؟ لم أتلقَّ أيّ خير من حزب الاتحاد الديمقراطي". تابعت: "ضربوا زوجي وعذبوه، وأحد عناصر الحزب ضربني على رأسي بمسدسه، وأغمي عليّ حينها. أهانوني وسخروا مني، واعتقلوا أبنائي الأربعة. طرقت الكثير من الأبواب لاسترجاعها، لكن كانوا يسألونني دائماً إلى أيّ حزب تنتمين، ويقولون: ليستعد الحزب الذي تنتمين إليه ابنتك. خرجنا من كفرفرة ونزحنا إلى تل رفعت، واختطفوها من تل رفعت، فما ذنب ابنتي؟ حالنا سيئة جداً في الوقت الحالي وبتنا نهان من الناس أيضاً بسبب اختطاف ابنتنا. ضربوني ومزقوا ثيابي عندما توجهت إلى بيت تابع لشبيبة الثورة التابعة للاتحاد الديمقراطي، بحثاً عن ابنتي، ولم يبالوا أبداً بأنّي أمّ وأشتاق إليها".

الصورة

ومن بين الفتيات القاصرات اللواتي جندن قسراً في يوليو/ تموز الماضي، أحلام (14 عاماً) وغزالة (15 عاماً) والفتاتان اختطفتا من قرية سفتك في منطقة عين العرب في 11 يوليو الماضي، بالإضافة إلى كلّ من رونيدا دراي (11 عاماً) وجيهان سليمان (16 عاماً)، وجاكلين محمد أيوب (14 عاماً) من قرية ميناس في منطقة عين العرب.
ويقول مدرس مقيم في مدينة القامشلي، لـ"العربي الجديد" إنّ تجنيد القاصرين أمر خطير وله انعكاسات سلبية على المجتمع، والاستغلال يتم بسبب الظروف الصعبة التي تمر بها فئة الأطفال، من عمالة وتسرّب من التعليم وأوضاع معيشية صعبة لعائلاتهم، وغالبية عمليات التجنيد تتم بحق قاصرات كرديات، وهذا الأمر يعود بمشاكل كثيرة على العائلات، كون النظرة المجتمعية للفتاة في المجتمع تختلف عن النظرة للشاب، ويتسبب بمشاكل للأهالي، ما قد يرهن حياة الفتاة بالعمل مع الجهة التي جندتها مدى الحياة. كذلك، يتجنب أهالي القاصرات المختطفات من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي الحديث إلى وسائل الإعلام عن اختطاف بناتهن، خوفاً من الملاحقات الأمنية، كما يتخوفون أيضاً على مصير بناتهن المختطفات.

وتعتمد القوى العسكرية، وفي مقدمتها حزب الاتحاد الديمقراطي، على تجنيد الفتيات، وغالباً ما تتم عمليات التجنيد عبر الخطف والضغط على الأهالي، إذ تتعمد هذه الأطراف منع الأهالي من لقاء الأطفال بذويهم لفترات طويلة، مع تزويد أهالي القاصرين والقاصرات بمبالغ مالية تصل إلى نحو 300 دولار أميركي لقاء القبول بتجنيد أطفالهم.
من جهته، يكشف قريب الطفل جودي (14 عاماً) لـ"العربي الجديد" أنّ الطفل ينتمي لعائلة فقيرة تسكن بالإيجار، والأب يعمل في مصنع لسائل الجلي في القامشلي، وكان جودي يداوم في المكان ليتعلم مهنة بعد تركه المدرسة. وفي آخر حملة لسوق الشباب إلى "واجب الحماية" (التجنيد الإجباري في "قسد") قبل نحو شهر، أخذوا الابن الأكبر من المصنع، فلحقهم الأب وهو ينادي: "ابني صغير أعيدوه إليّ" فردوا عليه أنّ الطفل باختياره انضم إلى صفوفهم. ومؤخراً حصل الأب على ردّ منهم أنّهم سيطلقون سراحه بعد أن ينهي الدورة التدريبية، فيما الأب محتار لا يدري ماذا يفعل ليستعيد ابنه. 

الصورة

بدوره، يوضح مصدر خاص في مدينة القامشلي لـ"العربي الجديد" أنّه بالنسبة للقاصرين عادة ما تكون منظمة الشبيبة الثورية هي المسؤولة عن عمليات تجنيدهم، وتكون عائلاتهم من أوساط قريبة من حزب العمال الكردستاني، وحزب الاتحاد الديمقراطي، إذ يأخذون القاصرين من الذكور والإناث إلى معسكرات مغلقة ويقدمون لهم إغراءات. وهناك يغذون نزعة الشبّان، خصوصاً في حمل السلاح، وينظمون فعاليات لهم كالحفلات الموسيقية والغنائية، كما يقدمون لهم سيارات ويمنحونهم بعض الصلاحيات، ويعملون على تعزيز نفسية المراهق لديهم، وغالباً ما يستخدمون في العمليات المدانة، كالتهديدات واقتحام المنازل وغيرها.
وكانت القيادة العامة لقوات سورية الديمقراطية قد وقعت، العام الماضي، على اتفاقية مع الأمم المتحدة لإنهاء ومنع تجنيد الأطفال دون سن الثامنة عشرة في مناطق سيطرتها في سورية. وقالت الأمم المتحدة في بيان لها إنّ الاتفاقية نصّت على إلزام "قسد" والفصائل التابعة لها بإنهاء ومنع تجنيد الأطفال واستخدامهم، وإحصاء المجنّدين منهم في صفوفها ذكوراً وإناثاً لفصلهم عنها. وأشار البيان إلى أنّه وقّع على الاتفاقية القائد العام لـ"قسد" مظلوم عبدي، والممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال، فرجينيا غامبا.

وفي هذا الخصوص، يشير المصدر إلى أنّ هناك عملية التفاف على الاتفاقية، إذ إنّ منظمة الشبيبة غير تابعة بشكل مباشر لقوات سورية الديمقراطية، وهذا الأمر هو الذي يتسبب بمواصلة عمليات تجنيد القاصرين في المنطقة، والضغط على ذويهم. ولا إحصاءات دقيقة حول أعداد القاصرين المجندين في صفوف قوات سورية الديمقراطية أو حزب الاتحاد الديمقراطي أحد المكونات العسكرية الرئيسية في تلك القوات، لكن، بحسب إحصاءات سابقة في عام 2017، فقد جندت قسد 224 قاصراً من بينهم فتيات.

المساهمون