بلدان المنشأ الآمنة... جدال حول تعديل قانون اللجوء في ألمانيا

25 مارس 2019
الصورة
هنا ينتظرون البتّ في ملفّاتهم (Getty)

في الأعوام الأخيرة، تدفّق مهاجرون كثر على ألمانيا، وراحوا يطلبون حقّ اللجوء، بينما لا تستدعي ظروف بعضهم ذلك. هؤلاء حاولوا ركوب موجة الهجرة، واليوم تحاول برلين ضبط الأمور.

قانون اللجوء الألماني واضح في ما يتعلّق بمفهوم "بلدان المنشأ الآمنة"، غير أنّ البلدان المفترضة إضافتها إلى القائمة محلّ جدال بين الأحزاب الألمانية. في السنوات الأخيرة، بالتزامن مع موجات اللجوء التي شهدتها البلاد، عاد الحديث عن أهميّة تصنيف بلدان بعينها آمنة، منها البلدان المغاربية وجورجيا. فأعيد إدراجها على الأجندة السياسية الألمانية، الأمر الذي لقي رفضاً حزبياً من قبل الخضر واليسار، استناداً إلى ممارسات تنتهك حقوق الإنسان من قبل سلطات تلك البلدان.

سمح القانون للمشترع بتحديد بلدان منشأ على أنّها آمنة، شريطة عدم تسجيل أيّ اضطهاد سياسي أو تعذيب أو معاملة غير إنسانية أو إهانة للأفراد. وهو ما يعني وجوب الأخذ بعين الاعتبار ثلاث نقاط في البلدان المعنية وهي: الوضع القانوني وآلية التنفيذ المتبعة في تطبيق القوانين بالإضافة إلى الوضع السياسي العام. يُذكر أنّ الأمر بات مقلقاً جداً ومرهقاً للسلطات التي تعمد إلى التدقيق بأوضاع المهاجرين المعنيين، لا سيّما أنّ الآلاف وصلوا عبر البحر الأبيض المتوسط إلى الشواطئ الأوروبية وقصدوا ألمانيا بهدف الحصول على حقّ اللجوء طمعاً بحياة فضلى.

بهدف التحقق من هويات المهاجرين طالبي اللجوء، بعدما سجّل الآلاف منهم أنفسهم بأنّهم وصلوا من الأماكن الساخنة من قبيل العراق وسورية، قرّر المكتب الاتحادي للهجرة وشؤون اللاجئين بموافقة الحكومة الفدرالية، الاعتماد على بيانات الهواتف الخلوية أو الأجهزة اللوحية لطالبي اللجوء للتأكد من هوياتهم. وفي حال لم يتمّ ذلك، فإنّ هؤلاء سوف يستمرّون في إنكار هويّاتهم، بحسب ما صرّح وزير الداخلية السابق توماس دي ميزير. ويشمل ذلك طالبي اللجوء الذين لا يحملون أيّ أوراق ثبوتية وتتجاوز أعمارهم 14 عاماً. وتلك البيانات تسمح بتحديد المناطق الجغرافية التي مرّ بها طالب اللجوء من خلال رموزها الهاتفية والصور التي التُقطت بها. لكنّ ذلك الإجراء لم يوضح هوية الشخص المعني إلا بصورة محدودة، وقد بيّنت التقارير أنّه في عام 2018، قُيّم فقط ثلاثة آلاف و300 ملف معلومات لطالبي لجوء من بين 11 ألفاً و400 ملف. وأوضحت السطات أنّه من خلال تقييم 33 في المائة منها، تبيّن أنّ اثنَين في المائة فقط من طالبي اللجوء قدّموا معلومات كاذبة عن هويتهم.



ويلقى ذلك الإجراء اعتراض حزب الخضر، فقد بدت المتحدثة باسم سياسة اللجوء لويزا إمتسبيرغ في خلال جلسة نقاش في "بوندستاغ" (البرلمان الاتحادي) حاسمة عندما قالت إنّ الاطلاع على البيانات الخاصة بالمهاجرين تُعَدّ انتهاكاً خطيراً لحقوقهم الشخصية، والنسبة المنخفضة تدلّ على أن الخداع بالهوية ليس مشكلة كبرى. وهو ما أكّدته كذلك المتحدثة باسم اليسار يولا يلبكه لافتة إلى أنّ "الأمر سوف يكون أكثر فائدة لو أجرى المكتب الاتحادي للاجئين وشؤون الهجرة مقابلات شخصية وحاول التأكد من هويّة هؤلاء"، مشيرة إلى أنّه لا ينبغي أن يكون الذين يبحثون عن الحماية مشتبهاً فيهم.

وتأمل الحكومة الاتحادية بتوسيع قائمة بلدان المنشأ المصنّفة آمنة، نظراً إلى الآثار الإيجابية التي سوف تترتب على الواقع الجديد في حال أقرّ ذلك في "بوندسرات" (المجلس الاتحادي) الذي يضم 69 عضواً. والمجلس في حاجة إلى 35 صوتاً من أجل تحقيق ذلك، الأمر الذي ما زال حتى اللحظة مستبعداً، مع تمسّك حزب الخضر الذي يحكم في ولايتَين برفضه المطلق تصنيف البلدان المغاربية آمنة. من شأن ذلك أن يخلّف آثاراً إيجابية بالنسبة إلى الحكومة، لا سيّما تقليص عدد طلبات اللجوء، الأمر الذي سوف يترجم فعلياً بإنجاز آلاف طلبات اللجوء بسرعة. كذلك سوف يكون للأمر تأثير رادع لمن يفكّر من مواطني تلك الدول المدرجة على القائمة عن التوجّه إلى ألمانيا أملاً باللجوء، وبالتالي يكون عدد المهاجرين أقلّ. تجدر الإشارة إلى أنّ البلدان المدرجة على القائمة تتبدّل، علماً أنّها تضمّ اليوم بلدان غرب البلقان الستة (البوسنة والهرسك ومقدونيا ومونتنيغرو وألبانيا وصربيا وكوسوفو) بالإضافة إلى غانا والسنغال.




تستند الحكومة في توجهها إلى تصنيف البلدان المغاربية بالإضافة إلى جورجيا آمنة، إلى عدم وجود اضطهاد منظّم فيها، علماً أنّه بحسب الداخلية الألمانية ووفق ما بيّنته تقارير عدّة، فإنّه من النادر أن يُعترَف بطلبات لجوء تلك الدول. على سبيل المثال، في عام 2018، كانت نسبة الجزائريين المهاجرين الذين مُنحوا حقّ اللجوء 1.2 في المائة، بينما نسبة المغاربة 2.3 في المائة، ونسبة التونسيين، ونسبة الجورجيين 0.3 في المائة. وبحسب بيانات المكتب الاتحادي للهجرة وشؤون اللاجئين، فقد تقدّم ما بين يناير/ كانون الثاني 2018 ونوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، 1446 جزائرياً بطلبات لجوء و1306 مغاربة و657 تونسياً، في حين أتت الحصة الأكبر للمهاجرين من جورجيا مع 3955 طلب لجوء.

ويحتدم الصراع بين الائتلاف الحاكم في ألمانيا وبين الأحزاب المؤيّدة للمهاجرين طالبي اللجوء، انطلاقاً من أنّ تلك الأحزاب تبرّر أنّ المثلية الجنسية تُعَدّ جريمة في دول شمال أفريقيا عدا عن البلاغات التي تتحدّث عن عمليات تعذيب في السجون. وبحسب منظمات مدافعة عن حقوق طالبي اللجوء واللاجئين، فإنّه حتى ولو صُنّفت تلك البلدان آمنة، يحقّ لكل أجنبي أن يتقدّم بطلب لجوئه وأن يستمع المعنيون إليه لتتبع إجراءات اللجوء الخاصة به، وعليه أن يبرهن بالأدلة أنّه يتعرّض للاضطهاد في بلده ليقبل طلب لجوئه.



تجدر الإشارة إلى أنّه في منتصف الشهر الجاري، تأجّلت جلسة "بوندسرات" تهدف إلى التصويت على القرار بعدما تقدّمت حكومة ولاية تورينغن (وسط) بطلب لتعليق التصويت، وفق ما أعلن نائب رئيس المجلس ديتمار فودكه. ويُستبعد أن يمرّ القانون الذي وافق عليه "بوندستاغ" في الفترة الماضية بسبب مشاركة الخضر واليسار في عدد من حكومات الولايات. وكانت كتلة الخضر البرلمانية قد رفضت التصنيف وأكدت زعيمة الحزب أنالينا بيربوك في تصريح إعلامي أنّ حزبها مستعد للتشاور حول إجراءات اللجوء السريعة والعادلة إنّما ليس من خلال بلدان دول المنشأ الآمنة، وأنّهم سوف يستمرون في رفض التصنيف المخطّط له.

من جهته، اتّهم رئيس الكتلة البرلمانية للحزب المسيحي الاجتماعي بولاية بافاريا (جنوب شرق)، ألكسندر دوبرينت، في حديث مع مجموعة "فونكه" الإعلامية الألمانية أخيراً، حزب الخضر بإقامة "حصار أيديولوجي"، موضحاً أنّ الأخير يمنع وضع إجراءات منظمة للتمييز ما بين الذين يحتاجون إلى الحماية والذين لا يحقّ لهم بالبقاء. وأشار دوبرينت إلى أنّ تصنيف بلد المنشأ بالآمن هو إجراء ضروري لحماية الأشخاص المضطهدين، في وقت يبدو أنّ الحزب الديمقراطي المسيحي يصرّ على "محاربة إساءة اللجوء" من قبل سكان شمال أفريقيا. وهو ما بيّنه سياسيون معارضون لموقف الخضر، مشدّدين على أنّ الخضر وبرفضهم المتكرّر يظهرون كجزء من المشكلة وليس من الحل في مسألة اللجوء.




في سياق متّصل، لا يتوقع أحد أن يكون الترحيل أسهل بعد تصنيف تلك البلدان آمنة، لأنّ التعاون المطلوب من قبل بلدان المنشأ، خصوصاً بلدان شمال أفريقيا، صعب جداً، بحسب وصف وزارة الداخلية. والسبب أنّ حكومات تلك البلدان، في أحيان كثيرة، لا تعلّق أهمية كبرى على استرداد مواطنيها من ألمانيا، على الرغم من أنّ عمليات الترحيل ارتفعت بنسبة 35 في المائة في العام الماضي بالمقارنة مع عام 2017 (1389 شخصاً). وفصّلت صحيفة "راينشه بوست" الألمانية أخيراً استناداً إلى أرقام وزارة الداخلية الاتحادية، أنّه جرى ترحيل 1873 شخصاً موزّعين على الشكل الآتي: 369 شخصاً إلى تونس و678 إلى الجزائر و826 إلى المغرب. وكانت صحيفة "دي فيلت" الألمانية قد ذكرت أخيراً أنّ ما بين ثلث المرحّلين ونصفهم يعودون مرّة أخرى، وفقاً لما بيّنته دائرة السلامة في ولاية بادن فورتمبيرغ (جنوب غرب).