مراكز إرساء ألمانيا... مهاجرون يترقبون طلبات لجوئهم

28 يونيو 2018
الصورة
هؤلاء من شاغلي مركز استقبال في بافاريا (ألكسندرا بيير/Getty)

قبيل لقائها الأخير مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، صرّحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأنّ قضية المهاجرين "تحدٍ يحتاج إلى رد أوروبي كذلك". وفي بلادها، هي أمام تحدي "مراكز الإرساء".

تتّجه الأنظار في ألمانيا إلى الخطة التي سوف يعتمدها وزير الداخلية الاتحادي هورست زيهوفر لمعالجة قضايا المهاجرين طالبي اللجوء، والتي تعتمد بشكل رئيسي على افتتاح مراكز متخصصة. يأتي ذلك في ظل شكوك تحيط بجدوى تلك الخطة. ويعتزم زيهوفر تحديث آلية دراسة طلبات اللجوء تحت شعار الإجراءات الشاملة التي تقوم على فكرة تأسيس ما أطلق عليها "مراكز إرساء" للمهاجرين بهدف الإسراع في معالجة الطلبات. ومن المخطط فتح ستة مراكز تجريبية خلال فترة قصيرة، يستوعب كلّ واحد منها نحو 1500 شخص.

ويأمل زيهوفر، وهو رئيس الحزب الاجتماعي المسيحي في بافاريا، من خلال تلك المراكز بإنهاء إجراءات اللجوء الخاصة بالمهاجرين بسرعة وأمان، على أن يتلقى هؤلاء مساعدات عينية فقط. يُذكر أنّ السلطة الاتحادية تتوق إلى زيادة عدد المرحّلين من الأشخاص المرفوضة طلباتهم، مباشرة من المراكز. بذلك تكون قد تحكمت بعملية الترحيل القسري لهؤلاء وتجاوزت العقبات التي تحول دون ترحيلهم، من دون أن يتمكنوا من الفرار أو الإقامة في البلاد بطريقة غير شرعية.



لكنّ جهود زيهوفر راحت تواجَه بالشكوك والمؤشرات السلبية، مع توالي التعليقات حول عدم جدوى تلك المراكز والصعوبة التي سوف تواجهها. ولعلّ أولى ملامح التعارض في الرؤى تظهّرت بين الشريكَين في الائتلاف الحاكم، على الرغم من أنّ الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي سبق واتفقا على ذلك التدبير عند تشكيل الائتلاف في مارس/ آذار الماضي. وكان ثمّة قبول بإنشاء "مراكز إرساء"، الأمر الذي حاولت الأمينة العامة للاتحاد المسيحي الديمقراطي أنغريت كرامب كارينباور تبيانه للاشتراكي قائلة "آمل حقاً أن يتذكر قادة الاشتراكي الديمقراطي ما وقّعوه في اتفاق الائتلاف وأن يكونوا على علم بمسؤوليتهم". تجدر الإشارة إلى أنّ المراكز المقترحة سوف تكون في ولايات بافاريا، وساكسونيا، وشمال الراين - وستفاليا، وساكسونيا السفلى، وهيسن.

وتلقى الفكرة اعتراضاً من الناحية اللوجستية كذلك، خصوصاً من قبل بعض وزراء داخلية الولايات، بحجة أنّه لا ينبغي أن تكون "مراكز الإرساء" المزمع إقامتها أكبر من مراكز الاستقبال الأولي، في حين يجري الحديث عن نيّة لتوسيع المراكز القائمة وتطوير مرافقها وبنسبة أقل بناء مراكز ضخمة جديدة.

وفي وقت تواجه مراكز الاستقبال الأولي مشكلات أمنية نتيجة رفض نقابات الشرطة تأمين الحماية لها، تستوجب الطروحات الأخيرة ملاحظات من قبل الجهات الاجتماعية الفاعلة. والسبب هو أنّ إقامة مراكز تتسع لأعداد كبيرة لا تخدم طالب اللجوء ولا تخدم القيّمين على إدارة تلك المراكز، بالتالي يفضل اعتماد مراكز لا يزيد العدد في الواحد منها عن 300 طالب لجوء، وذلك للتمكّن من ضبطتهم وترتيب أمورهم وتقديم الخدمات لهم، خصوصاً أنّه من المتوقع أن تطول إقامة هؤلاء في "مراكز الإرساء" وقد تصل إلى 18 شهراً عند الأفراد وستّة أشهر عند العائلات، بحسب ما تبيّن تقارير ذات صلة.




وثمّة جدال كذلك حول مهمّة شرطة الولايات عند تنفيذ عمليات ترحيل المهاجرين المرفوضة طلبات لجوئهم، إذ إنّ ثمّة توجهاً لدى وزارة داخلية ولاية بافاريا المتحمّسة للمشروع إلى العمل على الأرض فوراً، وفق ما أفادت إذاعة "بافاريا" أخيراً. كذلك ثمّة نيّة لدى حكومة الولاية بإقرار التعديلات المتعلقة بسياسة اللجوء والترحيل في نطاقها، ومن بينها مشاركتها تنظيم رحلات الترحيل للمهاجرين المرفوضة طلبات لجوئهم في طائرات صغيرة ومن دون انتظار الرحلات الاتحادية. وهو ما أشار إليه رئيس وزراء الولاية ماركوس سودر لصحيفة "مونشنر ميركور" أخيراً.

من جهة أخرى، تكمن المشكلة بحسب عدد من المنظمات الحقوقية، في أنّ تلك العمليات تكون عادة على عاتق السلطة الاتحادية، ومن بينها استئجار الطائرات وتنظيم عملية الترحيل برمتها، في حين يقتصر دور شرطة الولايات على اصطحاب المرحّلين من المهاجرين المرفوضة طلبات لجوئهم إلى المطارات وتسليمهم إلى الشرطة الاتحادية. وتُطرح هنا أسئلة عدة، خصوصاً حول الدور المفترض للشرطة البافارية في حال رفضت سلطات البلد الأصلي للشخص المرحّل استقباله، وعمّا إذا كانت ولاية بافاريا تفاوض نيابة عن السلطات الاتحادية. أمّا الأهمّ فيبقى حول وجود عناصر الشرطة الاتحادية على متن الطائرة.

ويبدو أنّ سودر يستند إلى معطيات تفيد بتزايد عدد المهاجرين الواصلين إلى البلاد، ويطالب الحكومة الاتحادية بخطة بديلة للحدّ من الهجرة غير الشرعية، بحسب ما أعلن في تصريحه الأخير لصحيفة "دي فيلت" حول الإسراع في إقامة "مراكز الإرساء". وعبّر سودر عن خشيته من أن تعمد تركيا إلى تقييد الاتفاق الذي أبرمته مع الاتحاد الأوروبي حول "إعادة قبول المهاجرين" أو إنهائه، مشيراً إلى أنّه يتعيّن على كل الولايات المشاركة في استقبال "مراكز الإرساء" واعتماد القانون الأوروبي الأساسي المعمول به وفق اتفاقية دبلن، ومشدّداً على أهمية أن تصير عمليات الترحيل أمراً واقعاً. وبيّن سودر أنّه من بين 90 نقطة عبور حدودية في بافاريا، ثلاثة معابر فقط تسيطر عليها الشرطة الاتحادية، وهذا قليل جدا. واليوم، تقوم بافاريا بإعداد شرطة حدود خاصة بها، وقد عمدت أخيراً إلى التنسيق مع السلطات النمساوية لتعزيز الرقابة على الحدود وحركة القطارات.



في موازاة ذلك، كان للمنظمات الإنسانية موقف في هذا الإطار، فأبدت منظمات الإغاثة والجمعيات التي تعنى بحقوق الأطفال في البلاد، من بينها "أنقذوا الأطفال"، اعتراضها على الخطوة، محذّرة من استيعاب القاصرين في "مراكز الإرساء". وقالت المتحدثة الرسمية باسم المنظمة، مايكه ريباو، إنّ "مراكز الإرساء" ليست أماكن مناسبة للأطفال والشباب، وطالبت في رسالتها المفتوحة مع عدد من الجمعيات الأخرى والبلديات والحكومة الاتحادية باحترام حقوق الأطفال ورفاهيتهم، وبوجوب أن تكون لمصالح الطفل الأولوية على الاعتبارات الأمنية. ورأت كذلك أنّ تلك المراكز سوف تمنع المهاجرين من الاندماج بطريقة جيدة بسبب فترة الانتظار الطويلة، إلى حين البتّ بطلبات لجوئهم.

من جهته، عبّر رئيس مؤسسة "كاريتاس" في برلين بيتر نيهر عن رفضه لـ"مراكز الإرساء" المخطط لها، ورأى أنّ تجربة موظفي المؤسسة في مراكز استقبال عدّة أظهرت أنّ الإقامة طويلة الأمد في أماكن مماثلة تؤدي إلى انتهاكات للقانون ونسبة عالية من النزاعات والمشاجرات، بالإضافة إلى أنّها تعوّق التكامل. وسأل: "كيف لنا أن نتخيّل مئات أو حتى ألف شخص يعيشون في مساحة صغيرة لأشهر عدّة أو لسنوات؟". أضاف أنّ "الخصوصية وحماية العائلات والنساء كلّ ذلك مهدّد بالانتهاك بشكل كبير، لذلك نرى أنّه من الضروري وضع مفاهيم حماية ملزمة وتدريب جميع الموظفين في تلك المرافق".




تجدر الإشارة إلى أنّ سكرتير الدولة في وزارة الداخلية هيلموت تايشمان صرّح أخيراً بأنّه وخلال الأشهر الستة الأولى من عمل المراكز التجريبية، سوف يُصار إلى تقييم الأداء وسير العمل. وفي حال جرى اعتماد المشروع بصورته المتكاملة، سوف يكون من الضروري تعديل القوانين المرعيّة الإجراء لتأمين استمراريتها.