بابا عمرو... هنا بدأت نكبة التهجير السورية

01 مارس 2017
الصورة
شيّع أهالي بابا عمرو شهداءهم قبل المغادرة (العربي الجديد)
+ الخط -



بعد تمهيد مدفعي وصاروخي استمر قرابة 48 ساعة، بدأت قوات النظام السوري باقتحام حي بابا عمرو في مدينة حمص وسط سورية، وذلك في الثالث من شهر فبراير/ شباط 2012.

كانت تلك الحادثة نقلة نوعية في مواجهة الثورة من قبل النظام السوري، حيث اعتمدت قوات النظام للمرة الأولى على قصف الحي براجمات الصواريخ.



اتبعت قوات النظام حينها طريقة فرض الحصار وتركيز الاقتحام من النقطتين وحصار باقي مداخل الحي، مع نشر القناصات في منطقة السكن الجامعي ومبنى جامعة البعث، وذلك بعد 11 عملية اقتحام خلال الفترة ما بين 15 آذار/مارس 2011 و1 شباط/فبراير 2012، وفقا لما ذكره "أبو يزن" قيادي سابق في كتيبة "الفاروق" لـ"العربي الجديد".

فشلت قوات النظام في اقتحام الحي لمدة 26 يوما؛ ففي ليلة الأوّل من مارس/آذار انسحبت قوات "الجيش السوري الحر" من حي بابا عمرو، بعد مقتل المئات من عناصر النظام وتدمير قرابة عشرين آلية. وبعد تلك المعركة اتجهت الثورة في سورية إلى العسكرة وكان التهجير الأول في سورية.

يقول أبو يزن: في اليوم الخامس عشر من الحملة وبعد جولة مفاوضات مع وفد من النظام كان بقيادة آصف شوكت صهر رئيس النظام بشار الأسد، وكان يشغل حينها منصب رئيس "خلية الأزمة في سورية"، وتم الاتفاق على دخول الهلال الأحمر من أجل إجلاء عدد من جرحى وجثث عناصر النظام السوري الذين سقطوا في كمائن "الجيش الحر" بمنطقة التوزيع الإجباري، مقابل السماح للمدنيين بالخروج من الحي.


(العربي الجديد)

ومع تقدم فريق الهلال الأحمر السوري من أجل سحب الجثث هدأ القصف، وبدأ بعض المدنيين بالخروج باتجاه نقطة قوات النظام بالقرب من الفرن الآلي، وخرج من المنطقة مئات العائلات حيث قام النظام بإيقاف الشباب واعتقال عدد منهم. ويقول محمد يحيى، وهو أحد الخارجين حينها، لـ"العربي الجديد" إن "قدمي ارتطمت بالعديد من الجثث قبل وصولي إلى نقطة الهلال الأحمر، وكان العساكر يوقفون بعض الشباب ويتركون بعضهم دون تعيين، حتى وصلت إلى منطقة منزل قائد شرطة حمص وهناك كانت الحياة حياة أخرى، والفرق فقط 25 مترا كان بين الموت والحياة".

وبعد انتهاء مهلة الخروج وسحب المصابين والجثث، عاودت قوات النظام فجر اليوم التالي محاولة الاقتحام، واستمرت بعدها بقصف الحي موقعة عشرات القتلى والجرحى، وفقا للقيادي أبو يزن، حيث تمكنت مجموعة من التسلل إلى مسجد السمان، حيث كان في الجامع قرابة 500 مدني وتفاجأ المدنيون بوصول قوات النظام، ومع قدوم "الجيش الحر" إلى المسجد وقع اشتباك في غرفة الوضوء، بينما قام عناصر النظام بالتّمترس عند سلّم قبو المسجد واتخذوا من المدنيين دروعا بشرية.




هنا بدأت المفاوضات من أجل إطلاق المدنيين وخروج عناصر النظام دون أن يمسهم أحد، ويقول محسن وهو أحد عناصر "كتيبة الفاروق" لـ"العربي الجديد" لقد "تم الاتفاق من خلف الجدران كنا ننادي لهم وينادون لنا بصوت عال، وعندما قلنا لهم عليكم الأمان خرجوا حتى باب المسجد وجاءت دبابتان لأخذهم من شارع مدرسة هشام عباس، وعندما شعروا أنهم في مأمن بدأوا بإطلاق النار على المسجد، فقمنا بالرد مباشرة، وقتلنا كل عناصر النظام الذين كانوا أمام المسجد وكان عددهم 21 بينهم ضابطان وعنصر أمن، كما دمرنا الدبابتين بالألغام، وقتل مدني وأصيب مدني من المحتجزين في المسجد جراء الاشتباك.

وبعد يومين من فشل عملية مسجد السمان، واصلت قوات النظام حشد قواتها في منطقة الملعب وطريق طرابلس في الجهتين الشمالية والغربية من الحي، وبدأت بعملية قصف غير مسبوقة على منطقة التوزيع الإجباري، حيث دُفنت عائلات بأكملها وسُويّت مبان بالأرض وتمكنت قوات النظام من التقدم حتى وصلت إلى طريق سوق الخضرة، وهو الفاصل بين حي بابا عمرو ومنطقة التوزيع، بحسب ما يقول أبو ناجي لـ"العربي الجديد".

ويضيف أبو ناجي، الذي كان مقاتلا في صفوف "كتيبة الفاروق" أن "المعارك تواصلت بشكل عنيف حتى يوم 28 شباط، حيث اتخذت قيادات المجموعات قرارا بالانسحاب وبدأنا بالانسحاب على دفعات، حيث خرجت دفعات عن طريق نفق المياه، بينما خرجت أخرى عبر عملية تسلل من الحواجز المحيطة في منطقة بساتين بابا عمرو وطريق طرابلس شمال الحي".



يروي أبو شعبان، وهو أيضا من أهالي حي بابا عمرو، الأحداث قائلاً: "بدأت قوات النظام بالدخول إلى الحي صباح اليوم الأول من مارس/آذار وبدأت بعمليات التصفية والانتقام من المدنيين، حيث ارتكبت مجزرة بحق عائلة "آل صبوح" وهم من المناصرين للثورة ومن أكبر عائلات الحي، حيث أعدمت قوات النظام وفق شهادات نقلها ناجون من العائلة وأقارب لهم أن 32 شخصا بينهم نساء وعجائز قتلتهم مليشيات "قرية المزرعة"، وقامت بقتلهم بعدة طرق منها إطلاق النار مباشرة، وكسر الرأس بأداة حادة، وحرق حتى الموت".

ولفت أبو شعبان البالغ من العمر 65 عاما، إلى أن دور المليشيات في ذلك الوقت هو الدخول بعد اقتحام الجيش والقيام بعملية التصفية، لأن جيش النظام لم يكن وقتها عبارة عن مليشيات ولكن كان لا يزال هناك ضباط وعناصر ترفض قتل المدنيين.

يضيف أبو شعبان "تمكنا من توثيق عدة مجازر قبل تهجيرنا من الحي، منها مجزرة حاجز نقيرة وقتل فيها 60 شخصا على الأقل.



(فرانس برس)


وفي هذا السياق يروي أحد أهالي قرية "مرج القطا" ويدعى محمد لـ"العربي الجديد" أن "قوات النظام قامت بنقل جثث إلى منطقة بالقرب من القرية 2 كلم شمال غرب مدينة حمص، ودفنت جثثا في مقبرة جماعية بعد حرقها، وكانت قد جلبت الجثث على عدة دفعات خلال الليلة، بالتزامن مع إطلاق نار في المنطقة لمنع الناس من الخروج.

وحصلت المجزرة وفقا لشهادة أبو شعبان، عندما حاولت حافلتان تحملان مدنيين العبور من منطقة حاجز نقيرة الواقع على أوتستراد حمص دمشق، بعد قيام مهربين بنقلهم إثر اتفاق مع الحاجز لكن تم الغدر بهم وقتلهم رميا بالرصاص، وبينهم عشرون طفلا على الأقل، ويعد ضحايا المجزرة من المفقودين إلى الآن.




وفي منطقة نقيرة أيضا قامت قوات النظام بقتل 45 شخصا بعد احتجازهم في مصنع للمثلجات معروف بـ"معمل سامبا"، كما قامت بقتل 50 شخصا في منطقة السلطانية بعد احتجازهم في مخزن تجاري، وقتلت قرابة 130 شخصا في بساتين منطقة السلطانية.

كما قتلت قرابة 50 شخصا في ساحة مؤسسة بابا عمرو، وقتلت قرابة ثلاثين شخصا واغتصبت فتاة صغيرة في شارع الحولاني بعد العثور عليهم مختبئين في قبو منزلهم.

ووفق عدة شهادات نقلها أهالي بابا عمرو لـ"العربي الجديد" في 17 آذار/مارس 2012 تم نقل 66 جثة من قبل قوات النظام، وسلمت عن طريق "رجال دين" لذويهم في منطقة ريف القصير وذلك بعد تهجيرهم من حي بابا عمرو، كما تم تسليم 70 جثة في قرية كفرعايا في حين لا يزال الباقون في عداد المفقودين.

وسلمت قوات النظام أيضا قرابة 40 جثة لمن بقي من النساء في حي بابا عمرو، وقاموا بدفنهم في مقبرة الحي وكان من بينهم ثلاثة أخوة استلمتهم أمهم، وفقا لما أفاد شهود عيان لـ"العربي الجديد".

وقامت قوات النظام باعتقال مئات الأشخاص خلال تلك الحملة، وتبين لاحقا مقتل عدد منهم بعد ظهورهم في الصور الشهيرة التي سربها المنشق عن قوات النظام السوري والمعروف بـ"قيصر".

ويذكر أنه في اليوم 22 من الحملة على حي بابا عمرو استهدفت قوات النظام السوري بصواريخ موجهة مركز بابا عمرو الإعلامي، ما أدى لمقتل الصحافية الأميركية ماري كولفين والمصور الفرنسي ريمي أوشليك اللذين كانا مقيمين في المركز، بينما أصيب عدد من الصحافيين الأجانب وعدد من الناشطين المعارضين للنظام.



(جوزيف عيد/ فرانس برس)


وأوضح عضو المركز الإعلامي، باسل فؤاد، لـ"العربي الجديد" أن النظام استهدف المركز ومحيطه لمدة خمس ساعات بشكل متواصل، ولم يتوقف إلا بعد أن علم بأنه قتل الصحافيين، وكان يريد قتل كل من كان في المركز بسبب الضجة الإعلامية التي أحدثها الصحافيون من خلال نقلهم للحقيقة من بابا عمرو.

وكان المركز المعروف باسم "مركز بابا عمرو في عين الثورة الإعلامي" نقطة انطلاق وتجمع للصحافيين الأجانب الذين زاروا حي بابا عمرو في تلك المدة، وتمكن الجيش الحر لاحقا من إجلاء الصحافيين الجرحى إلى لبنان عن طريق التهريب.

وقام رئيس النظام بشار الأسد في 27 آذار/مارس 2012 بالقدوم إلى بابا عمرو في زيارة كشفت عنها وسائل الإعلام بعد مغادرته الحي، وقامت قواته قبل قدومه بجمع عدد من المدنيين الموالين من خارج الحي، بالإضافة لعدد من نساء الحي اللواتي بقين فيه، وقدّمتهم على أنهم سكان الحي الذين يرحبون به، وفقا لما أكده باسل فؤاد الذي وصف الزيارة "بقدوم المجرم إلى ساحة جريمته".

وبعد خمس سنوات من الحملة على حي بابا عمرو قام النظام السوري بجلب عشرات العائلات من المؤيدين له، وأسكنهم في الحي بينما يقوم بتطويق الحي بجدار فصل إسمنتي، ولا يسمح للأهالي بالعودة إلى منازلهم، والتي دمرت وحرقت معظمها بعد قصفها وسرقة محتوياتها.

يستقر معظم أهالي بابا عمرو المهجرين في مدينة طرابلس بلبنان ومخيم الركبان الحدودي مع الأردن، بينما تمكن بعضهم من الوصول إلى تركيا ومصر والأردن، في حين لا يزال عدد كبير من العسكريين يقاتلون في صفوف المعارضة السورية المسلحة في مناطق مختلفة من سورية ضد النظام السوري.




دلالات

المساهمون