انتفاضة العراق: المحتجون يتمسكون بإسقاط الرئاسات الثلاث

بغداد
زيد سالم
بغداد
عادل النواب
01 ديسمبر 2019
+ الخط -


لم تؤد استقالة رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، التي سلمها إلى البرلمان أمس السبت ليبت فيها اليوم الأحد، إلى وقف عمليات قمع وقتل المتظاهرين، الذين يتمسكون بمطلبهم الإطاحة بالبرلمان ورئيس الجمهورية، لكنها في المقابل فتحت الباب أمام الأحزاب والسياسيين لإطلاق عملية البحث عن بديل له بهدف الحفاظ على مناصبهم الوزارية والمخصصات والامتيازات.

ولم تظهر على المتظاهرين أي مؤشرات لإنهاء ثورتهم، التي انطلقت للمرة الأولى في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والاكتفاء باستقالة عبد المهدي، التي يتوقع أن تُطرح على البرلمان اليوم الأحد، وسط توقعات بمشاركة أغلب النواب. ورفع المتظاهرون في بغداد وجنوب ووسط العراق شعارات واضحة تؤكد على مواصلة التظاهر حتى تنفيذ جميع مطالبهم، التي اختصروها بشعار "شلع قلع"، في إشارة الى الرئاسات الثلاث، والذهاب لانتخابات نيابية مبكرة مع تشريع قانون جديد للانتخابات يضمن إنهاء نظام المحاصصة الطائفية والحزبية في البلاد. في هذا الوقت، واصلت قوات الأمن قمع المحتجين. وقال مسؤولون بالأمن والمستشفى إن اثنين من المتظاهرين قتلا وأصيب 15 أمس السبت برصاص قوات الأمن في النجف جنوب العراق. وأضاف المسؤولون أن 11 متظاهراً أصيبوا بالقرب من جسر الأحرار ببغداد.

خلال ذلك، لا يبدو التفاؤل واضحاً على أي من الكتل السياسية العراقية أو المراقبين والمهتمين بالشأن العراقي، حول طبيعة المرحلة السياسية المقبلة. وتضاعف حالة انعدام الثقة والخوف من الفخاخ السياسية، ومن عدم إمكانية الجزم بأي السيناريوهات أقرب حدوثاً في العراق، خصوصاً مع تواصل التظاهرات التي قد تطيح في النهاية بالبرلمان ورئاسة الجمهورية، في حال تواصل القمع المفرط من قبل القوات الأمنية، والتي بدا واضحاً تورط قيادات محددة فيها، معروفة بقربها من إيران، وهي من يطلق عليها محلياً لقب "ضباط الدمج" في الجيش والشرطة، وهم في الغالب أعضاء في مليشيات وأحزاب تم دمجهم بالجيش والشرطة بالقرار 18 الذي صدر في عهد حكومة نوري المالكي الأولى، ونفذ بين عامي 2006 و2009.

وبين حكومة تصريف أعمال يستمر عبد المهدي بإدارتها لثلاثين يوماً وفقا للدستور، يعلن خلالها رئيس الجمهورية برهم صالح ترشيح بديل له، يطرح تساؤل حول من هي الكتلة الكبرى التي يحق لها ترشيح رئيس الوزراء، مع تفكك أغلب الكتل والتحالفات السياسية التي تشكلت بعد الانتخابات الأخيرة، مع مخاوف من إعادة روح الخلاف الأول بين كتلة "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر، وكتلة "الفتح" بزعامة هادي العامري حول من يملك الكتلة الكبرى. كما يطرح تساؤل بشأن كيفية تفسير المحكمة الاتحادية لهذا الأمر، في حال الاحتكام لها مرة أخرى، وهل تعتمد على أول جلسة برلمانية بغض النظر عن الاستقالات في الكتلة أو انفضاض التحالفات في ما بعد، أم أنها ستعتمد على الجلسة الأولى لما بعد استقالة رئيس الوزراء؟



كما برزت على السطح أسئلة داخل العراق وخارجه، ستكون الإجابة عنها رهينة تطورات داخلية وتدخلات خارجية غير غريبة على المشهد العراقي منذ الغزو الأميركي للبلاد العام 2003، مثل إمكانية أن يكون رئيس الوزراء الجديد مؤقتاً، بمعنى أنه لن يكمل الدورة الانتخابية حتى منتصف 2022 حيث سيكون إنجاز قانون الانتخابات الجديد إيذاناً بحل جميع الرئاسات، والاتجاه لانتخابات مبكرة أو أن الحكومة ستكون كاملة. كما ينتظر الجميع سماع رأي الشارع العراقي، الذي اختصره الناشط البارز في التظاهرات علي الموسوي، بقوله إن "استقالة عبد المهدي والحديث عن استبداله برئيس حكومة جديد من قبل نفس القوى البرلمانية، يشبه العراقي الذي يسافر مع شركات السياحة إلى تركيا، وتأخذه لمطاعم عراقية هناك"، في إشارة إلى عدم قناعة الشارع بالتغيير الحاصل وإصراره على طلباته، وهي انتخابات مبكرة وحل الرئاسات الثلاث. وأضاف الموسوي، لـ"العربي الجديد"، أن "الاستقالة ألهبت الحماسة، ومنحت المحتجين أملاً جديداً بأن التظاهرات تؤتي أكلها، وعدا عن ذلك فلا يمكن القبول به. فعبد المهدي ليس أساس الخراب بل النظام كله". وأشار إلى أن "استمرار التظاهرات يعني أن الضغط على القوى السياسية سيجبرها على التخلي عن أنانية ومصلحية أودت بالبلاد إلى حالة الفشل الحالية".

وعقد عبد المهدي مؤتمراً صحافياً برر فيه خطوته ودافع عن حكومته. وكان مسؤول عراقي رفيع المستوى في الأمانة العامة لمجلس الوزراء كشف، لـ"العربي الجديد"، أن عبد المهدي يعتزم نشر خطاب للعراقيين يحتوي على تفاصيل كثيرة في حكومته ومشاكله مع كتل سياسية كانت تتدخل وتعيق عمل حكومته، وصولاً إلى التظاهرات، ومن كان يعلن شيئا ويخفي آخر". وأضاف "الرجل يريد أن يبرئ نفسه، وأيضاً كشف الكثير للعراقيين، وسيكون ذلك بعد التصويت على استقالته". وعلمت "العربي الجديد" أن بعثة الأمم المتحدة في بغداد أعربت عن استعدادها للعب دور مساعد في مشاورات المرحلة الحالية بين القوى السياسية، وأن تكون ضامناً أيضاً. ورجح نائب بارز أن يكون "دور النجف في المرحلة المقبلة أكبر من الدور الإيراني والأميركي"، كاشفاً عن "وجود اتصالات بين كتلتي الفتح وسائرون منذ مساء السبت حول ضرورة بدء التفاهم على المرحلة المقبلة". وقال "تحتاج الأوضاع إلى أسابيع لتتضح الصورة، وهل سنكون أمام خارطة طريق متكاملة واتفاق على مرحلة انتقالية نهايتها تكون مع التصويت على قانون الانتخابات للذهاب إلى انتخابات مبكرة، أم سندخل في فراغ دستوري وأزمة خانقة ومزيد من التدخلات"، متوقعاً أن "يلعب الشارع، في الفترة المقبلة، دور الضاغط على الجميع مع تخفيف حدة القمع للتظاهرات".

وبحسب الدستور العراقي، فإن استقالة رئيس الوزراء تعني استقالة الحكومة بمجملها، وتحولها إلى حكومة "تصريف الأعمال" لمدة 30 يوماً، ثم يُكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة الكبرى، وفق المادة 76 من الدستور، لتشكيل حكومة أخرى. لكن هذه المادة لا تنسجم مع العلاقات الضبابية التي بين الكتل. فتحالف "سائرون"، الذي يقوده الصدر، وهو الأكثر عدداً في البرلمان، يختلف بشدة مع تحالف "البناء"، الذي يضم ائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، و"الفتح" بزعامة هادي العامري، الذي يوازي الأول من حيث التأثير والعدد والقوة والطموح في قيادة العراق.

وقال قيادي في تحالف "النصر"، الذي يقوده حيدر العبادي، لـ"العربي الجديد"، إن "الأحزاب والكيانات السياسية باشرت اتصالاتها مع بعضها البعض، واتفقت أكثر من كتلة على اجتماعات غير معلنة في سبيل إيجاد مخرج للأزمة"، موضحاً أن "هناك اتفاقاً بين الصدر والعبادي وأسامة النجيفي وإياد علاوي في سبيل تشكيل تحالف سياسي قوي لاختيار اسم المرشح الجديد لرئيس الوزراء". لكن لا يبدو أن الأوساط السياسية تهتم كثيراً باسم خليفة عبد المهدي، بقدر تخطيطها للتمسك بالمناصب والوزارات والمخصصات والامتيازات بحسب عضو الحزب الشيوعي العراقي والمتظاهر في بغداد أيهم رشاد. وأوضح أن "الأحزاب، وبعد إعلان تقديم عبد المهدي استقالته، باتت في وضع حرج، فهي تدعي أنها تنسجم مع قرارات وخطب المرجعية (علي السيستاني)، لكنها في الوقت ذاته تراوغ المرجعية، وتدعي أنها مع مطالب الشعب في ساحات الاحتجاجات، وتمارس أقسى درجات العنف مع المحتجين عبر مليشياتها". وأكد، لـ"العربي الجديد"، أن "استقالة عبد المهدي غير كافية بالنسبة للمتظاهرين، فهم بانتظار مشاريع أخرى، أبرزها محاكمة المسؤولين عن مقتل مئات المحتجين، وقانون انتخابات جديد مع انتخابات مبكرة يكون فيها الشعب مشاركاً عبر أحزاب جديدة".

من جهته، أشار عضو تحالف "الفتح" كريم عليوي إلى أن "المرحلة المقبلة قد تشهد حراكاً سياسياً جديداً بشأن تشكيل تحالفات جديدة بين الكيانات، في سبيل اختيار الحكومة الجديدة، وكذلك الاستعداد للانتخابات المبكرة". وبشأن الأسماء التي تداولتها مواقع عراقية عن إمكانية تسليم المنصب لسياسيين مثل عزت الشابندر وعدنان الزرفي وغيرهما، بيَّن عليوي، لـ"العربي الجديد"، أن "الحالة السياسية والشعبية الحالية ترفض كل الوجوه القديمة، لذلك من الصعب جداً اختيار رئيس حكومة يكون من داخل المنظومة السياسية الحالية. والاحتمال الأكبر هو أن يتسلم صالح مسؤولية إدارة الحكومة لحين التوصل إلى نتيجة بشأن إجراء انتخابات مبكرة وتعديل بعض القوانين في الدستور وتغيير مفوضية الانتخابات". من جهته، قال النائب عن تحالف "سائرون" رعد المكصوصي لـ"العربي الجديد"، إن "قضية عبد المهدي بحكم المنتهية، فهو قدم استقالته، لكن دستورياً الاستقالة تقدم إلى الرئيس وليس مجلس النواب. فقبول الاستقالة ليس بحاجة إلى تصويت البرلمان، بينما عملية تنصيب رئيس الوزراء تحتاج للتصويت". وأكد ان "جلسة البرلمان ستشهد مناقشة ما بعد استقالة عبد المهدي، كما أنها ستشهد تجاذبات سياسية بين الكتل".



ذات صلة

الصورة

سياسة

تهدف واشنطن عبر وضع قيادات بارزة في "الحشد الشعبي" على لائحة العقوبات الأميركية إلى محاصرته، إذ إن هذا الأمر سيؤدي إلى منع بغداد من إضافة "الحشد" إلى برنامج التسليح الأميركي، فيما يتوقع عدم تجاوب الحكومة العراقية مع القرارات الأميركية.
الصورة
مدينة الموصل (العربي الجديد)

مجتمع

تواصل قوات الأمن العراقية رحلة التفتيش تحت ركام مدينة الموصل القديمة في العراق، بحثاً عن جثث الأهالي الذين قضوا جرّاء القصف العشوائي والأخطاء العسكرية التي ارتكبتها القوات العراقية وطيران التحالف الدولي، إضافة إلى العبوات التي تركها عناصر "داعش"
الصورة
بلاك ووتر

سياسة

تتفاعل في بغداد، قضية إصدار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عفواً رئاسياً عن أربعة من مرتزقة شركة "بلاك ووتر"، المدانين بقتل 17 عراقياً وإصابة آخرين منتصف سبتمبر/أيلول 2007، إذ بدأ نواب عراقيون بالتحرك نحو رفع دعوى في المحاكم الدولية بشأن الملف.
الصورة
تزاحم في أسواق العراق (يونس كيليس/الأناضول)

اقتصاد

شهدت العاصمة بغداد إجراءات أمنية مشددة في محيط المؤسسات المالية، خاصة البنك المركزي ومؤسسات أخرى تابعة لوزارة المالية، وذلك بعد يوم واحد على إعلان حكومي بخفض قيمة الدينار أمام الدولار.

المساهمون