انتخابات مجلس الشعب في سورية

19 يوليو 2020
الصورة

دعاية انتخابية بين الأنقاض في حلب لمرشح لمجلس الشعب (15/7/2020/فرانس برس)

معروفٌ على المستوى الشعبي في سورية، قبل الثورة وبعدها، أن مجلس الشعب هو مجموعة أعضاء شرفيين، لا يؤدون أي دور، عدا تسويغ النظام السياسي لآل الأسد.. ويتم "منح" العضوية لمجموعة من الأنصار الموزّعين على محافظات القطر السوري، بعملية انتخاب صورية يعرف الجميع أنها مزيفة، ولا يكاد السوريون يسمعون بهؤلاء الأعضاء خارج موسم الانتخابات، ويبالغ إعلام النظام في إبرازهم بقوة في هذه المدة المحدّدة، قبل أن يذهب المجلس كله طي النسيان حتى الدورة الانتخابية المقبلة، إلا في الحالات الاستثنائية التي يرغب رأس النظام باستخدامهم لأمور طارئة، فيجلس الأعضاء متحمسين لسماع كلماته، وبعضُهم يحضر ورقة تأييد لما سيقوله الحاكم، وآخر في رأسه قصيدة مديح، وثالث تنفلش منه عبارات "عفوية"، من قبيل العبارة التي قالها أحدهم لبشار الأسد بعيد الثورة: "الوطن العربي قليل عليك، يا سيدي الرئيس، يجب أن تحكم العالم"!

بشكل موازٍ، هناك قوة وسطوة للدولة الأمنية، تسلب الشعب ومجلسه حقوقهم وتجعلهم في حالةٍ من الخوف، يكرّسه أعضاء المجلس، بالتزامهم بخط النظام طوال فترة ولايتهم.. يختزل الدستور السوري مهام مجلس الشعب، ويؤكّد على وضعه المزري، فالنصوص الرسمية في الوثيقة القانونية الرئيسية التي تقرّر مهام السلطات في الدولة، تقول إن مجلس الشعب هو مجموعة مهمتها التصديق على كل ما يأتيها من رئاسة الجمهورية، وطوال عهد مجلس الشعب، وخلال كل فترات دوراته التشريعية الرسمية والاستثنائية، ومنذ فترة سريان دستور 1973 وحتى تغييره في العام 2012، كانت كل القوانين والمراسيم التشريعية التي صدرت مقدّمة من رئيس الجمهورية، واقتصر دور المجلس المذكور على إقرارها. وقد أعطى دستور 1973 الحق لرئيس الجمهورية في إصدار القوانين والمراسيم التشريعية خلال الفترات التي لا يكون مجلس الشعب فيها في حالة انعقاد، أو خلال الفترة ما بين دورين تشريعيين. تم استلاب دور مجلس الشعب التشريعي بقوة الدستور. وكان باستطاعة النظام، بحكم تكوينه الأمني والعسكري، إلغاء هذا المجلس كلياً، ولكن طبيعته المحبّة للإكسسوارات القانونية، جعلت كل المجالس المتعاقبة موجودة لغرض تجميل النظام.

سارع النظام، بعد الثورة، إلى إصدار نسخة جديدة من الدستور بعنوان دستور 2012، تم العبث ببعض الفقرات السابقة، وخصوصا التي أثارت لغطا دوليا ومحليا، مثل المادة الثامنة التي تضع لحزب البعث مكانة خاصة، وتجعله قائدا للدولة والمجتمع، فأزالها الدستور الجديد نصا، وبقيت روحا متداولة من دون أن تُمَس مكانة حزب البعث المعنوية في الدولة، ولكن الفقرات الخاصة بمجلس الشعب بقيت تقريبا وبنصوصها القديمة، وتم الحفاظ على صلاحيات رئيس الجمهورية التشريعية التي تمنحه هيمنة واسعة ومطلقة، فضلا عن وظيفته التنفيذية غير المحدودة. وقد تم انتخاب مجلس واحد منذ إقرار دستور 2012، ظهر مستواه ونوعية أدائه، عبر العضو فيه، محمد قبنض، الذي انتشرت له مقاطع هزيلة، تشي بمستوى هذا المجلس. وإذا تجاوزنا كوميديا التمثيل، فقد تجاهل المجلس الجديد كل ما يحصل في سورية، وتصرّف ببرود حيال قضايا الاقتصاد والسياسة، إلى أن أحيل على التقاعد.

تجري اليوم انتخابات جديدة لمجلس جديد، وسبقها نشر صور المرشحين على الجدران المشوّهة بحُفرِ الرصاص والقذائف، بعض الصور بحجم مضاعف، وملابس فاخرة، للمرشحين، تعكس بذخا مستغربا، لا يعبر عن حالة المجتمع المطحون اقتصاديا، ويئن من سياسات النظام التي أوصلته إلى هنا، في غياب تام لبرامج واضحة للمرشحين. وعلى الرغم من اختفاء المادة الثامنة، وسقوط هيمنة حزب البعث نظريا، ما زالت قوائم ما كانت تعرف بالجبهة الوطنية التقدّمية مهيمنة، ومارس الحزب نشاطا جديدا أسماه "استئناسا"، ليسمّي من خلاله مرشّحيه. وتنبئ هذه الخطوات بأن لون المجلس الجديد لن يختلف عن سابقيه، وسيستمر بشكله الحالي، حتى تسقط تلك العقلية الحاكمة والمتحكّمة في سورية.