انتخابات "الشيوخ" المصري: طبخ النتائج لتحسين نسب المشاركة

انتخابات "الشيوخ" المصري: طبخ النتائج لتحسين نسب المشاركة

17 اغسطس 2020
بدا ضعف المشاركة واضحاً (فرانس برس)
+ الخط -

مضى أسبوع على بدء انتخابات مجلس الشيوخ في مصر، وبعد ست وتسعين ساعة من انتهاء التصويت في الداخل والخارج، ما زالت الهيئة الوطنية للانتخابات التي تدير الاستحقاقات الانتخابية تخفي نسب المشاركة وتحظر إعلان أي أرقام، ريثما تصلها من المخابرات العامة والأمن الوطني تعليمات بإعلان النتيجة. وبمراجعة جدول مواعيد العملية الانتخابية يتبيّن أن الهيئة أعطت لنفسها سبعة أيام كاملة بين انتهاء الفرز في اللجان الفرعية والعامة وبين إعلان النتيجة النهائية يوم الـ19 من الشهر الحالي، من دون سبب قانوني أو إجرائي واضح، لا سيما في ظل انخفاض عدد الأصوات المفروزة في كل لجنة.

وقالت مصادر قضائية في وزارة العدل وغرفة عمليات نادي القضاة، لـ"العربي الجديد"، إن كل المؤشرات تؤكد عدم رضا أجهزة النظام عن النسبة الحقيقية للمشاركة المسجلة حتى بعد عمليات الحشد الغفير للمواطنين في آخر ساعات الاقتراع في يوم التصويت الثاني، إذ ظلت السجلات الخاصة بمئات اللجان على مستوى الجمهورية خالية من المصوتين، لا سيما في المناطق الحضرية في المحافظات، مقابل ارتفاع ملحوظ ولكن محدود في نسبة المشاركة في اللجان القروية لتلامس في بعضها 25 في المائة. وأضافت المصادر أن الرصد الواقعي لعمليات الفرز أشار إلى أن النسبة الغالبة في معظم اللجان على مستوى الجمهورية لا تتعدى الخمسة في المائة، مشيرة إلى بعض الظواهر التي لم تحدث من قبل في تاريخ الانتخابات العامة المصرية، مثل دخول مرشحين لم تتجاوز حصيلتهم الخمسة آلاف صوت إلى مرحلة الإعادة، لا سيما في دوائر كبيرة ريفية كانت تتسم بارتفاع نسبة المشاركة في محافظات أسيوط وسوهاج والدقهلية والغربية والمنوفية.

كل المؤشرات تؤكد عدم رضا أجهزة النظام عن النسبة الحقيقية للمشاركة المسجلة حتى بعد عمليات الحشد الغفير للمواطنين في آخر ساعات الاقتراع

وأشارت المصادر إلى أن عدم وجود لجان للمغتربين بين المحافظات مثّل عقبة أمام الحشد المنظم المعتاد في الدوائر الصناعية والسياحية، بما أضر بنسبة التصويت أيضاً، إذ اقتصرت عمليات نقل العاملين للتصويت على المجموعات المحلية في كل المحافظات وبصفة خاصة الوادي الجديد ومطروح والغربية وبورسعيد والإسماعيلية والسويس، وتسابقت إدارات الشركات الحكومية والخاصة العاملة في قطاعات الغزل والنسيج والتعدين والطاقة في نقل العمال للتصويت مع منحهم يوم عطلة إضافيا، لكن في المحافظات السياحية لم يحدث هذا على نطاق واسع بسبب انتماء النسبة الكبرى من العاملين في قطاع السياحة إلى محافظات الدلتا والصعيد.

وأوضحت المصادر أن الهيئة الوطنية صمّت آذانها تماماً عن كل الشكاوى المقدمة من المرشحين والمراقبين وحتى القضاة، بما في ذلك الشكاوى الصريحة التي قدّمها مرشحو حزبي "النور" السلفي و"الحركة الوطنية" ضد مرشحي حزب "مستقبل وطن" في الغربية ومطروح والإسكندرية وبني سويف، وهو ما وصفه أحد المصادر، والذي يعمل في موقع مسؤول في وزارة العدل، بقوله إن "الهيئة الوطنية تشكيلها قضائي لكن القرار ليس للقضاة على الإطلاق، بل إن عدداً من الأعضاء العشرة في الهيئة تابعوا الانتخابات من المصيف في الساحل الشمالي، لعدم وجود ما يستدعي اجتماعهم وحسم المشاكل التي تظهر، فكل شيء بيد رئيس الهيئة وأمينها العام ومن خلفهما الأمن الوطني والمخابرات العامة فقط". واستطرد المصدر نفسه بقوله: "أصبحت للهيئة أولويات أخرى غير إدارة الانتخابات وعلاج مشاكل القضاة والناخبين، فهذه المرة رأينا العملية الانتخابية مدارة بالكامل من الأمن الوطني الذي أشرف منذ البداية سياسياً على اختيار المرشحين الفرديين وتصميم القائمة الموحدة، وإدارياً باختيار أماكن اللجان وتغيير بعضها وتحديد أعداد الناخبين بكل منها، وتنفيذياً بتعطيل وتسيير التصاريح التي منحتها الهيئة الوطنية، إلى حد قصر المراقبة الإعلامية والمدنية على مجموعة معينة من اللجان، وانتهاء بإساءة التعامل مع القضاة واختيار أماكن غير ملائمة لإقامتهم في بعض المحافظات".

لكن التجاوز الحقيقي الذي أقدمت عليه الهيئة يتمثل في منع كل وسائل الإعلام من نشر النتائج الصادرة رسمياً من اللجان الفرعية والعامة، والتي ينص القانون على إعلانها وإذاعتها للمشاركين والمراقبين، وذلك حتى تعتم بشكل كامل على أرقام ونسب التصويت، وتمنع المؤسسات المراقبة من احتساب النتيجة الإجمالية بتجميع تلك الأرقام، على الرغم من أن المرشحين والأحزاب علموا جميعا بالفائزين والمارين إلى جولة الإعادة، كما بدأت الدعاية الانتخابية بالفعل في الأقاليم وأعيد تعليق الصور واللافتات التي أزيلت مؤقتاً قبيل التصويت بواسطة السلطات المحلية. ومنذ صعود الرئيس عبد الفتاح السيسي للسلطة وهناك اهتمام كبير بمسألة نسبة المشاركة بغية كسر نسب المشاركة القياسية وغير المسبوقة التي تم تسجيلها في الاستحقاقات الخمسة التي أجريت في أعقاب ثورة يناير/كانون الثاني 2011 وهي استفتاء التعديلات الدستورية وانتخابات مجلسي الشعب والشورى التي فاز بها حزب "الحرية والعدالة"، والرئاسة التي فاز بها محمد مرسي، واستفتاء دستور 2012. وأثمرت هذه الرغبة في كسر نسب المشاركة المسجلة مفارقات مثيرة للسخرية، فعلى سبيل المثال أعلنت هيئة الانتخابات أن المشاركة في استفتاء التعديلات الدستورية الذي أجري في إبريل/نيسان 2019 بلغت 44.3 في المائة، لتصبح بذلك في الأوراق الرسمية ثاني أكبر استحقاق لجهة نسبة المشاركة بعد انتخابات مجلس الشعب عام 2011، متفوّقة على استحقاقات سجلت ذاكرة المشاركين فيها قبل عدسات المصورين طوابير حاشدة وإقبالاً غفيراً على اللجان. وهو ما اعتُبر من قبل كثيرين محاولة مفضوحة لخداع العالم والرأي العام المحلي، لا سيما أنه تم توزيع الناخبين على اللجان بطريقة كانت كفيلة بتكدّسهم مما تسبّب بتعطيل مروري أمام المجمّعات الانتخابية على مدار أيام التصويت الثلاثة داخل مصر، فقد تراوح عدد الناخبين في كل لجنة بين 4 آلاف و10 آلاف ناخب، علماً بأن كل الاستحقاقات السابقة كانت اللجان فيها تضم على الأكثر 2500 ناخب. وكانت الهيئة قد لجأت إلى تلك الطريقة في محاولة للتصدي لدعوات مقاطعة القضاة للإشراف على الاستفتاء، مع زيادة المبلغ المالي الممنوح للقاضي في كل لجنة خلال الأيام الثلاثة للاستفتاء إلى 14 ألفاً و15 ألف جنيه (نحو 874 دولاراً)، علماً أن أكبر بدل تقاضاه القضاة في السابق كان 7 آلاف جنيه في انتخابات الرئاسة 2018، مما أدى إلى اختصار عدد اللجان إلى 14 ألفاً تقريباً.

انتخاب السيسي نفسه للولاية الثانية عام 2018 كان بعد المد والتحسين 41.05 بالمائة


وعلى الرغم من محاولات الحشد باستخدام وسائل الترغيب تارة والتخويف المتكرر دائماً من تغريم المتخلفين عن التصويت تارة أخرى، فإن انتخاب السيسي نفسه للولاية الثانية عام 2018 كان بعد المد والتحسين 41.05 بالمائة ليكون الأقل، رسمياً، منذ رحيل الرئيس المخلوع حسني مبارك عن السلطة، لكن انتخابات الشيوخ تقترب من تسجيل نسبة أدنى من ذلك.
وتخلو المواد المنظمة لمجلس الشيوخ الجديد في الدستور المعدّل من منحه أي سلطات مؤثرة، فهي تسند إليه "دراسة واقتراح ما يراه كفيلاً بتوسيد دعائم الديمقراطية ودعم السلام الاجتماعي والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا، والحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الديمقراطي وتوسيع مجالاته"، وهي مجموعة من الألفاظ العمومية والإنشائية الفارغة التي سبق تضمينها في دساتير سابقة بلا أي مردود على حياة المواطن المصري. كذلك تنصّ المواد على أن يؤخذ رأي المجلس في الاقتراحات الخاصة بتعديل الدستور، ومشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومعاهدات الصلح، ما يعني أن صلاحياته تتوقّف عند حدود إبداء الرأي لا أكثر.
ولا يدلّ على تهميش صلاحيات هذا المجلس الجديد أبلغ مما نصت عليه المادة 249 من أن يؤخذ رأيه في "مشاريع القوانين ومشاريع القوانين المكملة للدستور التي تحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب، وما يحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من مواضيع تتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها في الشؤون العربية أو الخارجية"، ما يوضح أن صلاحياته ستكون أقل من مجلس الشورى في عهد مبارك، لأن دستور 1971، المعدّل في عام 1980، كان يجعل عرض القوانين المكملة للدستور على مجلس الشورى إلزامياً، لكن الدستور الجديد يجعل هذا العرض اختيارياً.

المساهمون