الموسيقى الإلكترونية: الطريق الآمن صوب النجومية

29 اغسطس 2020
الصورة
من حفل لفرقة Underworld البريطانية للموسيقى الإلكترونية (Getty)
+ الخط -

 

كانت فترة ستينيات القرن الماضي البداية الفعلية للموسيقى الإلكترونية بعدما تلقفها الفنّان العربي من بعض التجارب الغربية التي استكملت حداثتها الموسيقية، وأصبحت تبحث لنفسها عن آفاق جمالية جديدة غير مطروقة، إذْ إنّ هذا الاهتمام بالموسيقى الإلكترونية لم يأتِ اعتباطياً، بل كان نتيجة التطوّر التقني الذي وصل إليه الغرب.

الطفرة التكنولوجية اكتسحت الفنّ الغربي عامة، وجعلت من التقنيّة الحامل الأساس والعمود الفقري الذي ينبني ويُشيّد عليه مفهوم الموسيقى الجديدة، كما تبلور بعض من أنفاسها في السينما والفوتوغرافيا وسواهما من الفنون البصرية، على اعتبار أنّ الموسيقى استفادت هي الأخرى، بشكل أقوى، من خلال التحديث الذي طاول كيانها، وتحوّلت معها الآلات الوترية التقليدية إلى مجرد "فولكلورٍ" موسيقيّ في عيون بعض الموسيقيين داخل الجيل الجديد، أمام تهافت لا مثيل له من لدن الجمهور الغربي الجديد المُتعطش للصَيْحات الموسيقية المعاصرة.

هكذا تحوّل الاهتمام من مفهوم "التأليف الفني" الذي ميّز شعرية الموسيقى الغربية ومُعجمها عبر تجاربٍ موسيقية رائدة، إلى الرهان على الإيقاع الصاخب والرقص المحموم الذي تُغذيه طبيعة الحياة اليوميّة في الولايات المتحدة، وما شهده هذا البلد من تفاقمٍ للبلاهة والانحطاط الفني الذي يتأسس على صناعة الفرجة وجرعات زائدة ومُفرطة من الموسيقى الترفيهية الاستهلاكية.

هذه الموسيقى التي لا تحترم أيّ شروطٍ فنية وجمالية، خاصة أنّها تدخل دوماً في عملية تكرارٍ صاخبٍ للإيقاع، تُشبه فيه الموسيقى الشعبية من حيث رتابتها، رغم ما يدعيه أصحابها من تجديدٍ وحداثة مُبتكرة داخل أنماطها وأنغامها وما تمنحه لنا من مُتعة. وبالتالي فإنّ هذا التحوّل الذي طاول الموسيقى الغربية انعكس إيجاباً وسلباً في آن واحد على الموسيقى العربيّة.

صحيح أنّ الموسيقى الإلكترونية داخل الوطن العربي لعبت دوراً كبيراً في تجديد الموسيقى العربيّة، وجعلتها تخرج من إطار التقليد والتبعية العمياء للغرب، بل ومنحت لها جماليّات جديدة عن طريق النغم والتوليف الغنائي الممزوج بأهازيجٍ رنانة وأصواتٍ فنية، قد لا تقوى الآلات العادية على تحقيق بعضٍ من فنونها، وهذا الأمر ساعد العديد من التجارب الموسيقية العربيّة على البروز بقوّة داخل الساحة الفنية، وبوتيرة سريعة حطمت معها أرقاماً قياسياً من حيث عدد مُستمعيها على المواقع وشبكات التواصل الاجتماعي، ليس لجمالها، وإنّما لعدم قدرة المُستمع العربيّ على التمييز بين الموسيقى الإلكترونية والآلات الموسيقية في عزفها المُنفرد. 

لم تعمل الموسيقى الإلكترونية على اكتساح أذن المُستمع العربيّ وبناء مُتخيّله بسيلٍ من الإيقاعات الصاخبة فقط، بل إنّ الأمر أخطر مما نعتقد، إذْ إنّها قلبت معها مفاهيم الموسيقى والجمال والفنّ والذوق ومصادرها ومُعجمها الذي ظلّ لقرونٍ يتأسس على الشعر والكلام الموزون والمُقفى، لتحُلّ محلها أغانٍ هي مجرد إيقاعٍ إلكترونيّ، لا تربط الفنّان لا من قريبٍ أو بعيدٍ أيّ صلة به، باستثناء تجارب عربيّة معدودة على أصابع اليد الواحدة، نجحت في تحقيق نوعٍ من التواصل الفني وتماهٍ كليّ معها.

هكذا تغدو الموسيقى الإلكترونية داخل هذه التجارب بمثابة حداثة مُكتملة تراعي الخصوصيات الشكلية والموسيقية الغربية، من دون أنْ تسقط في فخ الاستلاب الغربي، وحرصها القوي على خصوصيات الموسيقى العربيّة واستحداث ثورة فنية داخلها، بقدر ما تُقيم على مستوى الشكل والحامل والآلة في الأسلوب الغربي، لتُحافظ ضمنياً على هويتها الموسيقية العربيّة.

إنّ "أخطر النعم" بتعبير هولدرلين في الموسيقي الإلكترونية العربيّة هو الـ"دي جيه"، فهذا الجهاز الإلكتروني لم ينجح عربياً في أنْ يكون وسيطاً بين الفكر والإبداع والتقنية، وما يُمكن أنْ يفتحانه من آفاق على مستوى التأليف الموسيقى وجمالياته، كما هو شأن بعض التجارب الغربيّة، خاصّة أنّ هذه المؤثراث الصوتية والخلطات الموسيقية التسجيلية وتطويعها داخل قوالبٍ فنية، غير كافية في صناعة منتوجٍ موسيقيّ عربيّ بجودة عالية، رغم زخمها الفني المُندفع.

المساهمون