الموت لاجئاً

21 يوليو 2020
الصورة
عبد الرزاق الساحلي/ تونس

في مخيم بروخم، الواقع في منطقة رانست، استمعت إلى عشرات من قصص التغريبة الفلسطينية، قام بها آلاف من الشبان، عن طريق غزة، فالقاهرة، تركيا فاليونان، ومن هذا البلد، عبر عدة بلدان، حتى الوصول إلى البر البلجيكي. قصص كلها تدور مع مهربين، وتُقطع خلالها حدودُ دول وجبال وغابات، وطرق التفافية، ودرجات حرارة تصل حد التجمد الجليدي.

قصص عمن ماتوا من قرصة أفعى، أو من نهشة دب، أو من التجمّد، أو سواها من الأسباب وقد تعددت، لكنّ الموت، لاجئاً، واحدُ. وطبعاً، ما إن تسمع قصصاً كهذه، يكون بطلها القاسي هو الصقيع، حتى تتذكر "رجال في الشمس"، وتدمع عيناك.. حين تقارن بين من قتلتهم الحرارة المتقدة، ومن قتلهم الصقيع المتقد، وتعود فتقول: تعددت الأسباب، بعد حوالي 57 عاماً من كتابتها، والهجرة نفسها، والموت واحد.

أبطال غسان كنفاني الثلاثة ماتوا اختناقاً من القيظ الكافر، وعشرات غيرهم، يموتون، أمس واليوم، بعد كرّ عقود، في أرض أوروبية أخرى، ولكن من البرد والجوع والإنهاك، هذه المرة. ولقد تحققت من عشرة شبان على الأقل، قضوا أثناء الرحلة، وودت لو يأتي حين وأكتب قصصهم، لا لشيء، إلا لكي نحفظهم، ولو قليلاً، من نسيان الذاكرة القصيرة.

والخلاصة أن النكبة حدث نووي ممتد، ومصر على أن يظل هو الفعل المضارع، الذي يشمل الأزمان الثلاثة بامتداداته: الماضي والحاضر والمستقبل. ترى: كم كتابة تكفي للإحاطة بهذا العالم القاتم، وقد خلا من طيف ملحمي؟


* شاعر فلسطيني مقيم مؤقتاً في بلجيكا